English

 

الجمعة. أغسطس. 9, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
أهم الأخبار  

نيجيريا.. هل يستقيل الرئيس؟

بدر حسن شافعي

أوباسانجو.. كيف سيكون مستقبله السياسي؟
أوباسانجو.. كيف سيكون مستقبله السياسي؟
القاهرة- هل يستقيل الرئيس النيجيري المنتخب أوليسيجون أوباسانجو؟ سؤال بدأ يتردد كثيرا في الآونة الأخيرة، خاصة بعد توقيع 90 عضوًا في البرلمان في الثالث عشر من هذا الشهر على مذكرة تطالب الرئيس بتقديم استقالته خلال أسبوعين، وإلا اتخذ البرلمان الخطوات الخاصة بتنحيته. وقد عللت المذكرة سبب الإقالة بعدم احترام الرئيس أحكام القانون، خاصة فيما يتعلق بتجاوز الميزانية المقررة من قِبل البرلمان في الأعوام الثلاثة الماضية (تولى الحكم في مايو 1999)، فضلا عن عدم قدرته على وقف حالة الفساد المستشري في البلاد، وهو ما أدى إلى انخفاض قيمة العملة النيجيرية (النيرة) بصورة كبيرة.

ولعل طلب الاستقالة الأخير ليس بالشيء الجديد على البلاد؛ فقد سبق أن بحث مجلس الشيوخ في يونيو الماضي مشروع قرار تقدم به أحد النواب من أجل عزل الرئيس للسبب نفسه، خاصة بعد بروز الخلافات بين الجانبين (المؤسسة التشريعية ممثلة في مجلسي الشيوخ والنواب من ناحية، ومؤسسة الرئاسة من ناحية ثانية بعد إقرار البرلمان الميزانية الجديدة في مارس الماضي، وتقدر بـ 11.2 مليار دولار).

ولعل السبب في تقديم نواب البرلمان المذكرة الأخيرة يرجع إلى تقرير "الشفافية الدولية" الصادر عن "برنامج الأمم المتحدة للتنمية" في الحادي عشر من أغسطس الجاري، وجاء فيه أن نيجيريا هي أكثر دولة من حيث الفساد في العالم، وأشار التقرير إلى عدة مؤشرات هامة في هذا الشأن، منها أن 70 مليون نيجيري من إجمالي 120 مليون نسمة يعانون الفقر، فضلا عن تفشي البطالة بصورة كبيرة، وعدم استغلال موارد البلاد الاستغلال الأمثل.

ويلاحظ أن أوباسانجو ذاته يدرك هذا الأمر، وسبق أن اعترف به في خطابه العام الماضي في الذكرى الحادية والأربعين لاستقلال البلاد؛ حيث اعترف بأنه فشل في مقاومة الفقر، ووضْع حد للعنف المستشري في البلاد حتى الآن.

خطورة الموضوع

تكمن خطورة القضية في عدة أمور لعل أهمها:

1-رفض أوباسانجو الفوري الاستجابة لمطالب البرلمان، وتأكيده أنه باق في الحكم حتى نهاية فترته الدستورية العام القادم.

2-الجدل حول مدى ملاءمة حكم المدنيين للبلاد، خاصة أن أوباسانجو هو أول رئيس منتخب من قِبل الشعب منذ عام 1983؛ إذ إن التاريخ السياسي لنيجيريا كان حافلا بسيطرة العسكريين على الحكم (بلغت فترة حكم العسكر في نيجريا منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1960، وحتى تولي أوباسانجو الحكم عام 1999 قرابة 30 عاما).

3- احتمال المواجهة بين البرلمان والرئيس، ودخول البلاد في دوامة دستورية، قد تتزامن معها دوامة أخرى قبلية متمثلة في الخلاف بين قبائل "الهاوسا" المسلمة في الشمال التي ظلت مسيطرة على الحكم منذ استقلال البلاد، وقبائل اليوروبا في الجنوب الغربي (ينتمي إليها أوباسانجو) التي يوجد بها مسلمون ومسيحيون، وظلت مهمشة طيلة الفترة الماضية، بالرغم من أن معظم ثروات نيجيريا تتركز في الجنوب، واحتمال تدخل الجيش في هذه الخلافات، واستغلال هذه الأزمة لصالحه (معظم القيادات العليا في الجيش من الهاوسا، وإن كان الرئيس عمل منذ توليه الحكم على إجراء بعض التعديلات، وتعيين الموالين له في المناصب القيادية، خاصة الذين ينتمون لليوروبا).

خبرة حكم أوباسانجو

1- وعود براقة:

كانت هناك أسباب عدة أدت إلى فوز الرئيس أوباسانجو برئاسة البلاد ليصبح أول رئيس مسيحي يوربوي يرأس نيجيريا -أكبر بلد مسلم في إفريقيا-، من بين هذه الأسباب:

1- رغبة الشمال المسلم في إيجاد نوع من الثقة مع الجنوب الذي ظل محرومًا طيلة استقلال البلاد من العوائد السياسية والاقتصادية، هذه الأزمة التي أدت إلى ظهور بعض الجماعات المتطرفة داخل أوساط اليوروبا -مثل جماعة شعب الأودودوا- التي ظهرت عام 1995، ومارست العمل السري، وتدعو إلى تشكيل جمهورية ذات حكم ذاتي لليوروبا في جنوب غرب البلاد، وتحذر من أن تصبح نيجيريا إمبراطورية للهوسا والفولاني.

ولعل مشاعر الخوف بين أكبر جماعتين في البلاد، فضلا عن وجود مشاعر مماثلة لدى الجماعة الثالثة –الإيبو— في جنوب شرق البلاد.. أدت إلى ضرورة إعادة الثقة بين الجماعتين الأساسيتين، ومن هنا يمكن فهم أسباب عدم قيام الشمال بتقديم مرشح تابع لهم في مواجهة أوباسانجو، وإن كان قد تردد أن هناك اتفاقا سياسيا بين المؤسسة العسكرية التي تسيطر عليها الهوسا وأوباسانجو؛ بأن تؤيد الأولى الرئيس مقابل عدم فتح ملفات الفساد!

2- إن أوباسانجو جمع بين البُعدين المدني والعسكري، ومن ثم فهو يحظى بتأييد المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية معا.

3- لكن أهم الأسباب التي أدت إلى فوزه هو برنامجه الانتخابي الذي وقف على أبرز المشكلات التي تعانيها البلاد، ووعد بإيجاد مخرج من الوضع المتردي لنيجيريا. هذا الوضع المتردي يمكن أن نلمحه من خلال عدة مؤشرات من أهمها:

أ‌- تحول نيجيريا من أكبر بلد إفريقي مصدر للبترول إلى دولة مستوردة له، وهذا يرجع إلى عاملين أساسيين: أولهما تداعيات الحرب الأهلية التي عانت منها البلاد طيلة عقدي الثمانينات والتسعينيات من العام الماضي، والتي ترتب عليها تعطل ثلاث مصافٍ للبترول من إجمالي أربع. وثانيهما يكمن في نسبة العمولة التي كانت تحصل عليها الشركات النيجيرية المستوردة -التي يسيطر القادة العسكريون على معظمها-، وقد ترتب على ذلك أن صارت نيجيريا تستورد عام 1998 ما قيمته 600 مليون دولار، في الوقت الذي كانت العوائد المتوقعة منه تبلغ 10 مليارات دولار!

ب‌- ارتفاع  نسبة السكان تحت خط الفقر من 41%عام 1992 إلى 80% عام 1999، وتراجع متوسط الدخل الفردي السنوي من 450 دولارًا عام 1979 إلى 250 دولارًا فقط عام 1999.

ت‌- ارتفاع نسبة البطالة إلى 25% والتضخم إلى 33%.

ث‌- بلغ حجم الدين الخارجي 40 مليار دولار.

ومن هنا فقد استقى أوباسانجو برنامجه الانتخابي من الأزمات السابقة، وكان أهم أولوياته:

1- القضاء على الفساد بكافة صوره.

2- الحد من هيمنة المؤسسة العسكرية.

3- تقرير مبدأ المساءلة أو المحاسبة.

4- الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية.

5- إلغاء اللوائح والقرارات التي تعوق تدفق الاستثمارات الأجنبية.

6- دعم المؤسسات القانونية وإجراء التحقيقات بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

2- إنجازات محدودة:

سعى الرئيس النيجيري -خلال الأعوام الثلاثة الماضية- إلى تطبيق هذا البرنامج عمليا، لكن ما تحقق منه كان محدودا.

- فعقب توليه الحكم قام الرئيس بتجميد كل الاتفاقات التجارية التي وقّعها الحاكم العسكري السابق الجنرال "عبد السلام أبو بكر"، وقام بتشكيل لجنة لمراجعة هذه العقود، والتثبت من مدى صلاحيتها وتحقيقها لمصالح البلاد.

- كما قام بإلغاء 16 عقدًا لاستغلال البترول كانت ممنوحة للعسكر وأقاربهم، كما قام بإلغاء 43 عقدًا لتصدير البترول الخام للأسباب ذاتها.

- قام الرئيس بإقالة قيادات البنك المركزي والشرطة، وطال الأمر أكثر من مائة موظف من كبار القيادات في الجمارك، وطرد أكثر من مائة من كبار ضباط الجيش الذين كانوا يحتلون مناصب سياسية هامة.

وفيما يتعلق بقطاع البترول -المورد الرئيسي للدخل في البلاد- فقد زاد إنتاج نيجيريا منه بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة؛ فقد بلغ الإنتاج اليومي 2.6 مليون برميل، يتوقع أن يصل إلى 3,3 ملايين عام 2004، كما ارتفع احتياطي البلاد من النفط من 26 مليار برميل عام 1999 (تاريخ تولي الرئيس الحكم) ليصبح 32 مليار برميل الآن، ويتوقع أن يصل إلى 35 مليار برميل عام 2004.

وبالرغم من ذلك يلاحَظ أن عوائد البترول لا تكفي، وهذا معناه تردي الأوضاع المعيشية بصورة كبيرة، وضرورة الاعتماد على قطاعات أخرى غير البترول كقطاع الزراعة مثلا الذي يستوعب 60% من الأيدي العاملة في البلاد، فضلا عن القطاع الصناعي الذي تراجعت فيه نسبة الاستثمارات بمقدار 50% بسبب حالة عدم الاستقرار التي شهدتها البلاد في العقد الأخير من القرن الماضي. كما يعني أيضا استمرار حالة الفساد المتردية في البلاد.

ولعل هذا يفسر لنا أسباب مطالبة نيجيريا لمنظمة الأوبك -أوائل هذا الشهر- بالسماح لها بزيادة حصتها الإنتاجية اليومية عن الحصة المقررة لها حاليا، وتبلغ 1.79 مليون برميل يوميا، وتردد أنها هددت بالانسحاب من المنظمة في حالة رفض هذا الطلب. 

3- إخفاقات وصعوبات:

وإذا كانت هذه هي أهم الإنجازات، فهناك في المقابل مجموعة من الإخفاقات بعضها يرجع إلى أداء الرئيس، وبعضها الآخر يرجع إلى صعوبات تحتاج لمزيد من الوقت للتغلب عليها. ويلاحظ أن أوباسانجو كان واقعيا عندما اعترف العام الماضي بفشله في تحقيق الأهداف المنشودة التي وعد بها، ومن أبرزها الخروج بالبلاد من دوامة الفقر التي تعيش فيها منذ أربعة عقود.

ففيما يتعلق بقضايا الفساد يُلاحظ أن الرئيس في موقف لا يُحسد عليه، خاصة أن معظم المتورطين في هذه القضايا من كبار قيادات المؤسسة العسكرية، فضلا عن انتمائهم للهاوسا، ومعنى ذلك أن الدخول بعمق في هذا الملف معناه إثارة عداء المؤسسة العسكرية من ناحية، والهاوسا من ناحية ثانية. وهناك بعض المؤشرات التي ظهرت في الآونة الأخيرة على توتر العلاقة بين الجانبين (الرئيس والهاوسا)، لعل من أبرزها قضية تطبيق الشريعة في الولايات الشمالية، واعتراض الرئيس على ذلك على اعتبار أنها مخالفة للدستور، وترتب عليها -في المقابل- زيادة عدد الولايات التي أعلنت تطبيقها من 6 ولايات إلى 12 ولاية، في تحدٍّ سافر للرئيس، بل وصل الأمر إلى تهديد بعض القوى الإسلامية الكبرى كالمجلس الأعلى للشريعة في البلاد بعدم تأييدها له في الانتخابات القادمة بسبب هذه القضية.

كما أن هناك مؤشرا ثانيا تمثل في عدم مثول القادة السابقين -الشماليين- كحمد بخاري (1983-1984)، وإبراهيم بابانجيدا (1985-1993) أمام لجنة لحقوق الإنسان تتعلق باتهاماتهم في قضايا تتعلق بالتصفية الجسدية خلال الحرب الأهلية التي وقعت في فترة حكمهم، وتردد أن سبب عدم المثول يرجع إلى أن الدعوى القضائية تقدمت بها جماعة اليوروبا.

ومن هنا يمكن فهم أسباب عدم قدرة النظام على التعامل بحسم مع قضية الفساد، وقضايا حقوق الإنسان؛ لأن الخوض فيهما قد يجر البلاد إلى عواقب وخيمة.

لكن ليس معنى ذلك أن النظام بمنأى عن المشكلات التي تعانيها البلاد الآن؛ فنيجيريا لم تشهد طفرة ديمقراطية على المستوى السياسي؛ الأمر الذي حدا ببعض المحللين إلى القول بعدم وجود فارق جوهري بين الحكم العسكري والحكم المدني.

هذا الإخفاق نلمحه في مؤشرَين أساسيين: أولهما: تأجيل الانتخابات المحلية للمرة الثانية خلال أربعة أشهر، بالرغم من أنها أول انتخابات تشهدها البلاد في الحقبة الديمقراطية الأخيرة (كان يفترض إجراؤها في إبريل الماضي، لكنها تأجلت بدعوى عدم اكتمال تنقية كشوف الناخبين، ثم أُعلن عن إجرائها في العاشر من هذا الشهر، لكنها تأجلت لأجل غير مسمى للسبب نفسه).

والمؤشر الثاني: تصديقه على قرار في نهاية العام الماضي يحظر على الأحزاب الجديدة المشاركة في الانتخابات القادمة، وقد تأكد هذا الأمر في يونيو الماضي عندما أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات الموافقة على تسجيل ثلاثة أحزاب فقط من إجمالي 24 حزبا.

العامل الخارجي

بالرغم من الاخفاقات السابقة فإن العامل الخارجي يمنح أوباسانجو قوة في مواجهة خصومه، ونقصد بذلك تحسن علاقاته مع كل من الاتحاد الأوربي، ورابطة الكومنولث التي قامت بإعادة نيجيريا إلى الرابطة بعد تعليق عضويتها من قبل، فضلا عن تحسن علاقاته مع واشنطن التي كانت إحدى المحطات الأولى في جولاته الخارجية بعد توليه الحكم؛ الأمر الذي جعل نيجيريا -في المقابل- إحدى المحطات الرئيسية للدول الكبرى خاصة بريطانيا والولايات المتحدة، ولعل هذا العامل الخارجي مما يفسر لنا أسباب رفض أوباسانجو الاستقالة، وتأكيده على البقاء في الحكم، بل وإعلانه بأنه سيخوض الجولة القادمة من الانتخابات.

وفي النهاية يبقى القول بأن الأزمة الأخيرة تكشف عن استمرار وجود ملفات لم يتم حسمها، وأنها بمثابة قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، ولعل هذا ما دفع الرئيس قبل يومين من طلب إقالته تشكيل لجان لكشف الفساد في المؤسسات الرسمية -بما فيها مؤسسة الرئاسة-، وأعلن إمكانية قبول أعضاء أجانب بها. لكن السؤال: هل ستقبل المعارضة ذلك، أم أن الحنين بدأ يعود لكي يتولى قيادة البلاد حاكم شمالي مسلم من جديد؟


باحث دكتوراه بمعهد البحوث الأفريقية -جامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات