|
| مكافحة الفقر ليست من أولويات بوش
|
اكتسبت جولة الرئيس الأمريكي جورج بوش للقارة الأفريقية التي زار خلالها 5 دول (السنغال- جنوب أفريقيا- بتسوانا- أوغندا- نيجيريا) في الفترة من 7-12 يوليو الحالي أهمية خاصة؛ لأنها أول مرة يقوم فيها الرئيس بوش بزيارة القارة السمراء منذ توليه الحكم قبل 3 سنوات تقريبا (تولى الحكم في 20 يناير 2001)، خاصة أن أفريقيا -كما بدا أثناء حملته الانتخابية- لم تكن في مجال أولويات سياسته الخارجية؛ حيث ذكر آنذاك أنه لو حدثت حملة إبادة جماعية في رواندا -على سبيل المثال- فإنه لن يقوم بإرسال قوات أمريكية إلى هناك لعدم وجود أهمية إستراتيجية.
اهتمام مفاجئ
حدث تحول كبير في أولويات بوش الخارجية بعد أحداث 11 سبتمبر، واتهامه للصومال بإيواء عناصر من تنظيم القاعدة، وهنا ظهرت أفريقيا كأحد المحاور الخطرة بالنسبة للإدارة الأمريكية التي بدأت تردد الحديث عن غزو الصومال -وليس العراق- بعد الفراغ من الحرب في أفغانستان. كما أن حرب العراق الأخيرة ساهمت في بروز أفريقيا على الساحة بالنسبة للخارجية الأمريكية التي فشلت في ضمان الحصول على تأييد الدول الأفريقية الأعضاء في مجلس الأمن (ثلاث دول) في التصويت لصالح مشروع القرار الخاص بضرب العراق. فضلا عن اعتراض الكثير من الدول الأفريقية على القرار الأمريكي المنفرد بشن الحرب.
ولقد كانت هناك مجموعة من المؤشرات على هذا التحول في فكر الرئيس بوش صوب أفريقيا، من أهمها:
1- زيادة المساعدات الأمريكية للدول الأفريقية جنوب الصحراء؛ فوفقا لأحدث التقارير الصادرة عن أحد مراكز الأبحاث التابعة للكونجرس؛ فإن حجم المساعدات الأمريكية للدول الأفريقية جنوب الصحراء بلغ ما يزيد عن مليار دولار هذا العام مقارنة بـ750 مليون دولار عام 2000 نهاية فترة كلينتون.
2- قيام بوش بمقابلة 32 رئيس دولة أفريقية من إجمالي 53 دولة.
3- قيامه بطرح عدة مشاريع كبيرة للنهوض بالقارة، منها القانون الذي أصدره في مايو الماضي، ويقضي بإنشاء صندوق لمكافحة الإيدز في العالم بمبلغ 15 مليار دولار على 5 سنوات (يبلغ عدد مرضى الإيدز في العالم 42 مليون شخص، منهم 30 مليونا في أفريقيا)، فضلا عن طرحه مشروعا آخر لمكافحة "الإرهاب" في شرق القارة بتكلفة 100 مليون دولار.
أهم الأهداف
1- القضاء على "الإرهاب"؛ فقد أعلنت الإدارة الأمريكية قبل الزيارة أن تنظيم القاعدة نجح في إعادة تنظيم صفوفه في عدد من الدول الأفريقية، كما أعلن مصدر عسكري في البنتاجون أن أفريقيا تمثل مشكلة متزايدة للإدارة الأمريكية من خلال متابعة الأحداث الإرهابية الحاصلة هناك.
لذا فإن بوش حرص على فتح ملف الإرهاب مع بعض الدول الأفريقية، وقد ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية (7-7-2003) أن وزارة الدفاع الأمريكية تناقش الآن مع بعض الدول في شمال وغرب أفريقيا -ومنها الجزائر ومالي- إمكانية بناء قواعد عسكرية مؤقتة تستخدم عند الحاجة، وأن اتفاقيات لتزويد الطائرات الأمريكية بالوقود تم إبرامها مع كل من السنغال وأوغندا (وهذا يفسر أسباب حرص بوش على زيارتهما أثناء جولته).
2- تحسين صورة أمريكا في أفريقيا بعد حرب العراق؛ حيث رفضت معظم الدول الأفريقية بداية مبدأ شن الحرب، ثم واصلت رفضها بعد بدء الضربات.
3- استغلال ثروات القارة وخاصة النفط، وهذا كان من أحد أهداف زيارة نيجيريا التي تعد سادس دولة على مستوى العالم في إنتاجه، والأولى على مستوى أفريقيا. ويمتاز النفط النيجيري بتمركزه في الجنوب قرب المحيط الأطلنطي، ومن ثم يسهل تصديره لواشنطن التي يبدو أنها تواجه صعوبات كبيرة فيما يتعلق بنفط العراق .
4- مزاحمة النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا.. وهذا يتمثل -ليس في زيارة السنغال فحسب، وإنما- في عدة مؤشرات أخرى؛ حيث نجحت البنتاجون في إبرام اتفاقيات مع كل من غانا والسنغال والجابون بشأن السماح بتزويد الطائرات الحربية الأمريكية بالوقود، كما ستقوم البنتاجون خلال الأشهر القادمة بتطبيق برنامج لتوفير التدريب وأجهزة اللاسلكي والسيارات اللازمة للوحدات العسكرية في كل من موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد.
هذه الدول.. لماذا؟
وإذا انتقلنا إلى جدول الزيارة نلاحظ أن جدول زيارة بوش يكاد يشبه إلى حد كبير جدول زيارة سلفه كلينتون الذي زار القارة لأول مرة في مارس 1998؛ حيث شملت زيارته آنذاك كلا من السنغال وأوغندا وبتسوانا وجنوب أفريقيا وغانا ورواندا، ثم قام بجولة ثانية في 26 أغسطس 2000 لمدة 3 أيام شملت كلا من مصر وتنزانيا ونيجيريا. لذا فإن تركيز الرئيسين على زيارة نفس الدول الخمس (نيجيريا والسنغال في الغرب، وجنوب أفريقيا وبتسوانا في الجنوب وأوغندا في الوسط) له دلالة خاصة، على اعتبار أن هذه الدول تشهد حالة من الاستقرار الاقتصادي من ناحية، كما أن بعضها -نيجيريا وجنوب أفريقيا- تعد بمثابة دول محورية في نطاقها الإقليمي من ناحية أخرى؛ وهو ما ترغب فيه واشنطن؛ حيث تسعى لتقوية صلاتها مع هذه الدول لكي تقوم بتحقيق أهدافها في القارة من خلالها. يُضاف إلى هذه الدول مصر في الشمال وكل من تنزانيا وكينيا في الشرق.
بوش وسياسة البعد عن المتاعب
لكن يلاحظ أن بوش في جولته تفادى زيارة أي دولة تشهد حالة من التوتر السياسي، وذلك على عكس زيارة كلينتون في حينه لرواندا التي كانت تشهد حربا أهلية ومذابح جماعية بين الهوتو والتوتسي، وأعلن هناك اعتذار بلاده عن إخفاق المجتمع الدولي في حل هذه الأزمة، كما قرر تخصيص 67 مليون دولار لتدريب رجال الشرطة، وملاحقة مجرمي الحرب في كل من رواندا وبوروندي.
ومعنى ذلك أن إدارة بوش الحالية تسعى لتجنيب نفسها الخوض في قضايا حفظ السلام في القارة، ويبدو أنه استفاد من تجربة والده في الصومال؛ لذا فلا غرابة في أن يؤكد وزير خارجيته باول أثناء الزيارة على أن مهام حفظ السلام في ليبيريا ستقع على عاتق كل من الأمم المتحدة والإيكواس، وأن دور القوات الأمريكية في حال إرسالها سيقتصر على المساعدة في نشر القوات الدولية، كما أن هذه القوات الأمريكية لن تظل سوى فترة محدودة.
كما يلاحظ من ناحية أخرى أنه رفض أثناء زيارة السنغال تقديم اعتذار للأفارقة عن قضية الرق؛ خوفا من مطالبة بلاده بدفع تعويضات عن ملايين الأبرياء الذين تعرضوا للموت بسبب هذه القضية.
ملاحظات ختامية
1- التركيز الأمريكي على قضية الإيدز تحديدا يرتبط بعلاقتها بقضية التبشير، والرغبة في استمرار تأييد المسيحيين البيض الذين ينشطون في هذا المجال للحزب الجمهوري. وفي المقابل فإن القضايا الأخرى المهمة (الفقر، التنمية، اللاجئون بسبب الحروب) لا تشغل حيزا كبيرا من الاهتمام الأمريكي!
2- قضية "الإرهاب" صارت من أخطر القضايا في ملف العلاقات الأمريكية الأفريقية، وكان هذا واضحا في أحاديث بوش في الدول الخمس التي زارها على حد سواء.
3- تراجع الاهتمام الأمريكي بقضايا حفظ السلام في القارة، والتأكيد على أهمية الحلول الأفريقية لها (عدم حسم الموقف الأمريكي بشأن التدخل في ليبيريا، وترحيب بوش أثناء زيارته لنيجيريا بموافقة الأخيرة على التدخل ضمن القوات الدولية، على الرغم من أن التدخل السابق لها ساهم في حدوث مشكلات على مستوى الإقليم، خاصة مع الدول الفرانكفونية).
4- سعي واشنطن لتوطيد علاقاتها بدول غرب وجنوب القارة (خاصة المحورية منها) بعدما تم تحقيق ذلك في الشرق (كينيا وتنزانيا) والشمال (مصر ودول المغرب العربي).
5- البرامج والمشاريع التي طرحها بوش قبل الزيارة لا تزال حبرا على ورق، حتى بالنسبة لبرنامج مكافحة الإيدز؛ فإن هناك خلافا في الكونجرس بشأن الاعتماد المالي للسنة الأولى.
باحث دكتوراه بمعهد البحوث الأفريقية -جامعة القاهرة.
|