English

 

الخميس. أبريل. 4, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » العدوان والمقاومة

 
أهم الأخبار  

هدف العملية رفع معنويات اليهود التي أصبحت في الحضيض!

"الجدار الواقي لحماية نجمة داود".. أي فرصة للنجاح؟

صالح محمد النعامي

شارون..من سيضحك في النهاية؟
شارون..من سيضحك في النهاية؟
"الجدار الواقي لحماية نجمة داود".. هذا هو الاسم الذي أطلقه الجنرال "إسحاق إيتان" قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال على الحملة العسكرية الشاملة، التي أوعز شارون بالقيام بها ضد مناطق السلطة الفلسطينية. وكما يوضح إيتان نفسه، فإن الهدف الأمني من العملية هو وقف أو على الأقل تقليص عدد العمليات التي ينفذها رجال المقاومة الفلسطينية في قلب المدن الصهيونية. أما الهدف السياسي فيتمثل في العمل على إقناع الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة أنه لا طائل من محاولة فرض تسويات سياسية على "إسرائيل" بالقوة مطلقا، وأنه يتوجب على عامة الفلسطينيين أن يعملوا هم أيضا على منع رجال المقاومة من مواصلة العمليات؛ لأنهم في النهاية يلحقون أشد الضرر بشعبهم حسب منطق إيتان.

آلية العمل الصهيونية الجديدة في مواجهة المقاومة الفلسطينية هي محاولة نقل المعركة إلى قلب المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية عبر إعادة احتلال المدن والبلدات والقرى ومخيمات اللاجئين من جديد، وتدمير البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية، وإدارة الحرب من داخل التجمعات السكانية الفلسطينية نفسها.

وإذا عدنا إلى الاسم الذي أطلقوه على العملية، فإن صانعي القرار الأمني في "إسرائيل" يؤكدون أنهم يريدون أن يجعلوا من جنود الاحتلال -الذين يحتلون المدن الفلسطينية، ويحيطون بها- جدارا يكون معه من شبه المستحيل لعناصر المقاومة تخطيه، والتسلل للمدن اليهودية وتنفيذ عمليات هناك.

ماذا يريدون من عرفات؟

على الرغم من أن حكومة شارون قررت سجن الرئيس عرفات في مكتبه في رام الله المكون من ثلاث غرف فقط -ومعه يتواجد على الأقل عشرون من معاونيه- فإن الجدل داخل المؤسستين الأمنية والسياسية الصهيونيتين لم يحسم بشأن مصير عرفات. فالذين يؤيدون سجنه في رام الله -وهم معظم أعضاء هيئة أركان جيش الاحتلال وقادة أجهزته الأمنية- يقولون: إن هذا هو أفضل الخيارات.

فطرد عرفات سيجعله يتجول في أرجاء العالم عاملا على حشد التأييد العالمي للقضية الفلسطينية؛ وفي نفس الوقت سيجعله عنوانا للعالم بأسره في كل ما يتعلق بمصير الشعب الفلسطيني. وهناك من يقول: إن سجن عرفات على هذا النحو هو أسوأ بكثير من طرده لأنه يحوّله إلى بطل في أنظار الشعب الفلسطيني والأمة العربية، فضلا عن الضرر الإعلامي الكبير الذي يلحق بالدولة العبرية جراء ذلك. بالطبع هناك من ينادي بقتل عرفات، مثل الوزير "شلومو بن عيزر". وهناك من ينادي بإلقاء القبض عليه مثل وزيرة التعليم "ليمور ليفنات".

لكن لماذا تم استهداف عرفات على هذا النحو؟ على هذا السؤال، يجيب وزير الدفاع "بنيامين بن أليعازر" زعيم حزب العمل قائلا: "مع عرفات لا يمكن التوصل لأي تسوية مطلقا، هو فقط عنوان للحرب، وجود هذا العجوز الذي لا يعرف الرحمة عائق أمام بروز قيادة فلسطينية أخرى تكون قادرة على التعاطي سياسيا مع إسرائيل والتوصل لتسوية". إذن التخلص من عرفات يهدف بشكل خاص إلى تمهيد السبيل لبروز قيادات فلسطينية جديدة تعتبر "مرنة" وفق الاعتبارات الصهيونية . وصانعو القرار في الدولة العبرية يعرفون تماما أن عرفات له دور رئيسي أيضا في عمليات المقاومة ضد الاحتلال؛ فتنظيم "فتح" الذي يتزعمه الرئيس عرفات أخذ يضطلع بدور كبير في عمليات المقاومة ضد الاحتلال مؤخرا.

دواع نفسية وسياسية

إلى جانب الحاجة الأمنية التي تدّعيها إسرائيل لتنفيذ هذه الحملة، فإن وزراء وجنرالات صهاينة لا ينكرون أن هذه العملية تهدف أيضا إلى رفع معنويات الشارع الصهيوني بعد أن وصلت للحضيض في خضم العمليات الاستشهادية التي تعاقب على تنفيذها عناصر المقاومة من الحركات الفلسطينية المختلفة. فوزير القضاء الصهيوني "مئير شطريت" يقول بصراحة: إن هذه العملية ضرورية لتعود الثقة للإسرائيليين في دولتهم وأجهزتهم الأمنية.

ويضيف شطريت في تصريح لقناة التلفزة الإسرائيلية الأولى أنه منذ العام 1948 لم يتملك الجمهور الإسرائيلي هذا القدر من الشعور بالخوف وعدم الاطمئنان. ويضيف: "نعم، نحن نريد أن يرى مواطنونا جنودنا وهم يقتحمون بيوت الفلسطينيين، نريدهم أن يروا الخوف أيضا على وجوه نسائهم وأطفالهم، نريد أن يرى مواطنونا كيف يقتاد جنودنا شبابهم معصوبي العيون إلى مراكز الاعتقال.. ببساطة نريد أن نرفع من معنويات شعبنا، وهذا هدف هام بحد ذاته"! (31-3-2002). 

فضلا عن ذلك، فإنه فيما يتعلق بشارون فإن محددات السياسة الداخلية "الإسرائيلية" تجد تعبيرها في هذه العملية. فشارون يرى أن مستقبله السياسي مقرون بتنفيذ ما وعد به الجمهور الصهيوني في خضم حملته الانتخابية. فشارون يعي أن معجزة فقط ستحول دون هزيمته في الانتخابات المقبلة أمام المرشح الأقوى "بنيامين نتنياهو"؛ فاستطلاعات الرأي العام كلها تؤكد تراجعا كبيرا في شعبيته بشكل لم يسبق له مثيل. ما كان يحذر منه شارون -وما زال- أن يضطر إلى الدعوة لحل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة قبل موعدها المحدد في أكتوبر من العام 2003.

لذا فهو معنيّ بإعادة أحزاب اليمين التي تركت حكومته، وضم تلك التي لم تشارك فيها أصلا.. وذلك لضمان تمرير قراراته الأمنية بسهولة داخل الائتلاف. ومن ناحية ثانية، فشارون معنيّ أن يخوض الانتخابات المقبلة وهو على رأس حكومة ذات توجه يميني صرف. ففي النهاية، فهو ووزير دفاعه زعيم حزب العمل لا يمكن أن يخوضا الانتخابات المقبلة وهما في نفس الحكومة. وكما يؤكد معظم المراقبين في الدولة العبرية، فإن الفراق بين الاثنين قبل الانتخابات المقبلة هو أمر لا يمكن تجنبه؛ لذا فهذه العملية يستخدمها شارون "طعما" لإغراء قادة اليمين.

بوش يحذر شارون

وقد كشف الوزير "أفرايم سنيه" أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس بوش سمحت لحكومة شارون بالقيام بهذه الحملة على أن تراعي أمرين بالغي الأهمية بالنسبة للمصالح الأمريكية، هما: استقرار أنظمة الحكم العربية المتحالفة مع واشنطن -سواء الخليجية حيث يوجد النفط، أو الأنظمة الموقِّعة على معاهدات "سلام" مع "إسرائيل"- إلى جانب عدم تشويش مخططات الإدارة المتعلقة بضرب العراق.

وكما يؤكد قسم الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ "أمان"، فإن استقرار أنظمة الحكم العربية غير مهدد "حاليا"، لأن هذه الأنظمة عازمة على لجم كل محاولة لجرها للمواجهة مع إسرائيل بسبب التعاطف مع الشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، من المؤسف حقا ألا تجد إحدى دول الطوق إلا مطالبة شارون بعدم إبعاد الرئيس عرفات إلى أراضيها.

فقد أعلن مكتب شارون أن الحكومة الأردنية قد أبلغت شارون سرا أنه في حال قرار إبعاد عرفات، فإن عليه ألا يبعده إلى الأراضي الأردنية (التلفزيون الإسرائيلي، نشرة أخبار الساعة الثامنة باللغة العبرية 1-4-2002). وقد وصل الأمر برئيس الدولة الصهيوني الأسبق "عيزرا وايزمان" إلى حد دعوة الفلسطينيين إلى عدم الرهان على العالم العربي، عندما خاطب الفلسطينيين قائلا: "دعوكم من العرب، هلموا إلى الاتفاق مع إسرائيل، فها هي الدول العربية ترفض حتى قطع العلاقات مع إسرائيل في الوقت الذي تعانون أنتم ما تعانون" (شبكة الإذاعة الثانية باللغة العبرية 1-4-2002).

أما فيما يتعلق بمدى تشويش حملة "إسرائيل الأمنية" ضد الشعب الفلسطيني على مخططات واشنطن ضد العراق، فإن إدارة بوش قد أوضحت لشارون أن هذا مرتبط بالسرعة التي ينجز فيها عمليات القمع، حيث أوضحت إدارة بوش أنه كلما طالت الحملة العسكرية كان لذلك نتائج سلبية على مستقبل مخططات واشنطن تجاه العراق.

وقد أكدت إدارة بوش لإسرائيل أنه لن يكون بالإمكان البدء في مخططاتها ضد العراق في الوقت الذي تتواصل فيه عمليات القمع الصهيوني ضد الفلسطينيين على هذه الوتيرة.

شارون يتوهم

على الرغم من أن الحملة في بدايتها، فإن هناك عدم ثقة واضحا داخل المؤسسة السياسية والأمنية الصهيونية إزاء النتائج التي قد تسفر عنها هذه الحملة. فاقتحام المدن الفلسطينية وفرض الحصار غير المسبوق عليها لم يمنع رجال المقاومة من اختراق الخطوط الأمنية الإسرائيلية وتنفيذ العمليات الاستشهادية.

وقد برزت الخلافات داخل الائتلاف الحاكم إزاء النتائج المتوقعة.. ففي الوقت الذي يؤكد فيه شارون أن الحملة الأمنية ستضع حدا لعمليات المقاومة الفلسطينية، فإن وزير دفاعه يخبر لجنة الخارجية والأمن في البرلمان قائلا: "إن كل واحد يتوجب عليه ألا يوهم نفسه أنه بالإمكان وضع حد للعمليات الانتحارية، ما نقوم به وسنقوم به لاحقا لن يؤدي إلى وقف العمليات الانتحارية، نحن نأمل أن تسفر عملياتنا عن تشويش مخططات الفلسطينيين لتنفيذ عمليات وليس أكثر".

وفي أوضح دليل على عدم قناعة وزير الخارجية الإسرائيلي "شيمون بيريز" بما أقرته حكومته، فإن بيريز يقول: "لا يوجد أمر يثير السخرية أكثر من قولنا إن عملياتنا تستهدف القضاء على البنى التحتية للإرهاب، فما هي البنية التحتية التي تملكها الفتاة آيات الأخرس التي لم تتجاوز الـ17 من العمر عندما قامت بتفجير نفسها في قلب مجمع تجاري"، ويضيف بيريز قائلا: "لقد ألقينا القبض على طفل فلسطيني لم يتجاوز الـ12 من العمر وهو مستعد لتنفيذ عملية انتحارية!! فماذا سنفعل؟ هل نفتح معتقلات للأحداث الفلسطينيين" (شبكة الأخبار الثانية باللغة العبرية 30-3-2002).

إلى جانب ذلك، فإن الحرب التي أعلنها شارون وعلى الرغم من العمليات الاستشهادية التي سبقتها والتي ترافقها ينظر إليها في إسرائيل على أنها "حرب الخيار"، بمعنى أن إسرائيل تخوضها برغبتها، مع أنه بالإمكان تجنبها عبر التوصل لتسوية سياسية مع الشعب الفلسطيني أو عبر خطة الفصل أحادي الجانب. ومن المفارقات أن عدد المنضمين الجدد لجمعية الضباط والجنود الرافضين للخدمة العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة قد تضاعف منذ الشروع في العمليات.

وإلى جانب كل ذلك، فإن الأضرار الاقتصادية للعمليات العسكرية وتجنيد أكثر من 30 ألف جندي في الاحتياط ستترك آثارها السلبية على مستقبل النمو الاقتصادي في الدولة. ومن الناحية ثانية، يحذر قادة الأجهزة الاستخبارية المتقاعدون والمستشرقون من مغبة التقليل من أهمية الرأي العام العربي في المواجهة الحالية. وبالنسبة لـ"عميرام روستون" الذي أدار مركز الأبحاث في الاستخبارات العسكرية لسنوات طويلة، فإن على إسرائيل ألا تقلل من أهمية حالة الغليان الشعبي في العالم العربي إزاء ما تقوم به "إسرائيل" ضد الشعب الفلسطيني.

ويحذر روستون بشكل خاص من التفاف جميع التيارات الفكرية في العالم العربي حول دعوة الأنظمة لمساندة الشعب الفلسطيني، ويقتبس ما قاله كل من: الشيخ القرضاوي، ومحمد عمارة، والصحفي مصطفى بكري في انتقاداتهم لتخاذل الأنظمة العربية. ويعتبر أنه آجلا أم عاجلا فإن الرأي العام العربي سيجد تعبيره في القرارات التي تقدم عليها الحكومات.


باحث في الشؤون الإسرائيلية، كاتب متخصص في الشؤون الإسرائيلية ، مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية- غزة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات