|
| الباكستانيون ينددون بالحكومة الهندية |
على الرغم من ادعاءات الحكومة الهندية الرسمية بأن ما يجري في كشمير من مقاومة شعبية للاحتلال يتم بالدرجة الأولى بتخطيط ودعم من باكستان، فإنه من الواضح أن الدوائر الرسمية وغير الرسمية على حد سواء في الهند بدأت تدرك أن ما يجري في كشمير ليس إلا ثورة شعبية عارمة رافضة للوضع الحالي.
لقد مارست الهند -خلال سنوات الاحتلال- سياسة قمعية وتغريبية شرسة ضد الشعب الكشميري المسلم؛ وقد شهد بهذا عدد كبير من قادة الهند ورجالاتها؛ ومنهم رئيس الوزراء الأسبق راجيف غاندي، ووزير الداخلية الأسبق جورج فرنندس، والقاضي ف.م تاركوندة، ووالي كشمير الأسبق جاغموهان، ووزيرا الخارجية السابقان ج. ن دكست/ ور. د سايذ؛ وكذلك عدد من كبار الصحفيين الهنود، وعدد من المنظمات الحقوقية الهندية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الدوائر الحكومية الهندية تواصل تكريسها لسياسة تتسم بعدم إبداء اهتمام مناسب للقضية الكشميرية، وبعدم تقديم استجابة ملائمة لمتطلبات الوضع في كشمير، على الرغم من حصول شبه إجماع في الدوائر الهندية بأن الوضع هناك "خرج من أيديها".
سياسة غير متفاعلة
يمكننا تقديم أربعة تفسيرات رئيسية لهذه السياسة غير المتفاعلة التي تنتهجها الهند تجاه قضية كشمير:
التفسير الأول: ويمكن ربطه مباشرة بالتناقض القائم والمستمر منذ تقسيم شبة القارة الهندية بين نظرية "الشعب الواحد" من ناحية، ونظرية "التمايز بين الشعبين" على أرض كشمير من ناحية أخرى. ومن الواضح أن الحكومة الهندية -رغم التغييرات الجذرية التي أحدثتها في التركيبة السكانية لوادي كشمير- تدرك تماما أن أي تغيير سياسي معناه انتصار نظرية تمايز الشعبين وهزيمة نظرية الشعب الواحد. ولا شك أن الهوية الإسلامية للمقاومة الشعبية في كشمير، وإصرار الحكومة الباكستانية على اعتبار كشمير من مخلفات التقسيم التي لم تحسم بعد.. كل هذا زاد من حدة الشعور لدى الحكومة الهندية بأن قضية كشمير هي مقياس حساس لمدى نجاح نظرية الشعب الواحد.
التفسير الثاني: ويرتبط أساسا بالعداء التقليدي والمتجذر لدى الرأي العام الهندي تجاه باكستان؛ وبالتالي يتعذر على أي حكومة في الهند مجرد التفكير في اتخاذ أي خطوات في اتجاه حل مشكلة كشمير؛ وعلى هذا الأساس أصبحت قضية كشمير بمثابة العملية الحسابية التي تنتهي نتيجتها إلى الصفر بين الهند وباكستان، حيث إن الربح بالنسبة لأحد الطرفين يعني خسارة محققة وحتمية بالنسبة للطرف الآخر.
التفسير الثالث: ويتمحور حول الهاجس الذي يقض مضاجع الهند وخوفها من تفكك كيانها في حالة التوصل إلى حل لقضية كشمير على أساس احترام إرادة الشعب الكشميري. ويغذي هذا الخوف رأي يلقى رواجا واسعا في الهند، مؤداه أن حل مشكلة كشمير -على أساس رغبة شعبها- سوف يفتح الباب أمام حركات انفصالية أخرى في الهند، وهو ما سيؤدي إلى "بلقنة" الهند وتفكك أجزائها.
التفسير الرابع: ويكمن ببساطة في ميزان القوى بين الهند وباكستان، وشعور الهند بالتفوق على باكستان في مجال الأسلحة التقليدية والنووية على حد سواء؛ وبالتالي فهي تدرك أن قوتها العسكرية تمكنها من المحافظة على الوضع الراهن، وأن من صالحها أن يبقى الوضع على ما هو عليه، حيث تسيطر حاليا على ثلثي مساحة كشمير.
ملامح السياسة الهندية في كشمير
ينبغي عند دراسة السياسة الهندية تجاه كشمير أن ننظر إليها على ثلاثة مستويات مختلفة: محلي، وإقليمي (مستوى العلاقات الثنائية)، وعالمي. على المستوى المحلي، تهدف الحكومة الهندية إلى سحق المقاومة الكشميرية بوساطة جرعات هائلة من القمع والتلاعب بالخلافات بين مختلف مجموعات وأحزاب المقاومة. وقد تم رصد هذا الهدف بصورة واضحة ودقيقة في التقرير المشترك الذي أصدرته منظمة حقوق الإنسان العالمية ومنظمة أطباء حقوق الإنسان، والذي جاء فيه أن السلطات العسكرية والمدنية في نيودلهي تسعى لكسب الحرب الأهلية في كشمير بأي ثمن كان؛ فالسلطات الهندية مستعدة لدفع أي ثمن مادي أو معنوي مهما كانت قيمته في سبيل القضاء على المقاومة الكشميرية.
ويدعم هذا ما صرح به رئيس الوزراء الهندي "نارسيما راو" من أن قضية كشمير يجب حلها على "الطريقة البنجابية"، ومعلوم أن ما يزيد عن 110 آلاف شخص من طائفة السيخ لقوا حتفهم إلى الآن منذ عام 1984 في مقاطعة البنجاب الهندية.
وفي كشمير بلغت حصيلة الاستعمال الغاشم للقوة -خلال السنوات الخمس الأخيرة- 40 ألف قتيل وما يزيد عن 70 ألف معاق، بالإضافة إلى أعمال الاغتصاب الجماعية للنساء وتدمير وحرق المباني ونهب الممتلكات التي تمارسها قوات الاحتلال الهندي. كما تقوم الحكومة الهندية -على المستوى السياسي- بتكريس سياسة "فرق تسد" بين صفوف المقاومة الكشميرية؛ فلقد كشف المسئولون الهنود أكثر من مرة عن خطتهم لضرب حركة حزب المجاهدين الداعية للانضمام إلى باكستان بحركة جبهة تحرير جامو وكشمير (JKLF) الداعية لاستقلال كشمير عن الهند وباكستان، في محاولة إضعاف المقاومة الكشميرية وتشطيرها من الداخل.
أما ما تدعيه الهند من حرص على إعادة تنشيط العملية التفاوضية في كشمير، فلا يعدو أن يكون ذرا للرماد في العيون، واتقاء لانتقادات الرأي العام العالمي؛ لأن الحكومة الهندية تدرك تماما أن درجة العزلة والتغريب -التي وصل إليها الشعب الكشميري المسلم- يستحيل معها التوصل إلى أي حل لقضيته داخل إطار الدستور الهندي.
على المستوى الإقليمي: والمقصود به تحديدا مستوى العلاقات الثنائية بين الهند وباكستان، حيث حرصت الأولى على تفادي أي حوار مثمر وذي أهمية بشأن قضية كشمير؛ إذ على الرغم من أن الهدف الرئيسي للهند من وراء المفاوضات هو تمديد بقائها في كشمير، فإنها من المحتمل ألا تمانع من الإبقاء على الوضع الراهن في محاولة لحل القضية بواسطة تحويل "الأمر الواقع" إلى "أمر شرعي"، أو بعبارة أخرى تحويل خط إطلاق النار القائم حاليا إلى حدود معترف بها دوليا.
ولعل الاقتراح -الذي تقدم به سابقاً وزير الخارجية الهندي دنيش سنج المتمثل في البدء في مفاوضات سرية على شاكلة مفاوضات أوسلو- يرمي إلى تهيئة الجو لمناقشة إمكانية إنهاء النزاع بتثبيت الوضع الراهن، إلا أن مثل هذا الحل لا يمكن بأي حال من الأحوال قبوله من قبل الشعب الكشميري، ولا من قبل باكستان. ومما يزيد الأمور تعقيدا أن غياب محادثات جادة بين الهند وباكستان -بشأن قضية كشمير- يستبعد إحراز أي تقدم في اتجاه إيجاد حلول لقضايا ثنائية أخرى. ويعني كذلك أن قضايا أخرى -مثل منطقة "سياتشن" وحاجز "فور" و"سيركريك" وغيرها من القضايا المعلقة بالقدرات النووية العسكرية للبلدين- ستبقى معلقة تنتظر الحل.
على المستوى العالمي: تهدف سياسة الهند بخصوص قضية كشمير أساسا إلى إضعاف الحملة التي تشنها باكستان، بغرض إبراز انتهاكات الهند الصارخة لحقوق الإنسان في كشمير، والتأكيد على أن اتفاقية "سيملا" هي الإطار الوحدوي لتسوية النزاعات بين الهند وباكستان. كما تحرص الهند على تشويه صورة المقاومة الكشميرية، ووصمها بالإرهاب والأصولية والانفصالية، وأنها تشكل خطرا على وحدة الهند وسيادتها.
وفي الختام، يمكننا القول بأن السياسة الهندية في كشمير تقوم أساسًا على الاستعمال المفرط للقوة، وعلى التفريق بين مجموعات المقاومة ومحاولة شق صفوفها؛ وهي سياسة تتسم بقصر النظر الشديد وضيق الأفق، وترتكز على فرضيات خاطئة فيما يتعلق بالوضع في كشمير وتداعياته في المنطقة.
إن مثل هذه السياسة لا يمكن أن تتغير عن طريق الحوار والإقناع؛ وإنما تتغير فقط عندما يرتفع الثمن الذي تدفعه الهند في القضية الكشميرية على المستويات الثلاثة: المحلي والإقليمي والعالمي.
معلومات أساسية عن كشمير:
- المساحة الإجمالية: 222236 كم مربع.
- مساحة كشمير المحتلة: 100569 كم مربع.
- مساحة كشمير المحتلة (باستثناء مقاطعة جلجت): 66691 كم مربع.
- إجمالي سكان كشمير المحتلة: 7.718.700 حسب تقديرات 1991. تُقدر نسبة المسلمين منهم بحوالي 75% رغم سياسة الاستيطان الهندوسي طيلة السنوات الماضية.
وضع جامو وكشمير السياسي
تعتبر جامو وكشمير منطقة نزاع بتعريف القانون الدولي. وقد قامت القوات الهندية باحتلالها في 27 أكتوبر 1947، وفرضت عليها حماية مؤقتة متعهدة للشعب الكشميري والأمم المتحدة بمنح الشعب الكشميري حق تقرير المصير.
وقد تم تضمين هذه التعهدات في وقت لاحق في قرارين للأمم المتحدة صدرا في 13/8/1948 و5/1/1949 على التوالي؛ وينص القراران على إعطاء الشعب استفتاء عام حر ونزيه يتم إجراؤه تحت إشراف الأمم المتحدة؛ وهو ما لم يتم حتى الآن.
|