English

 

الأربعاء. مايو. 17, 2006

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
أهم الأخبار  

رسالة نجاد.. تعددت القراءات والهدف واحد

د. محمد السعيد عبد المؤمن

الرئيس الإيراني أحمدي نجاد
الرئيس الإيراني أحمدي نجاد
ما وراء رسالة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد التي بعثها إلى نظيره الأمريكي بوش حير الكثير من المراقبين والمحللين، بل اختلف حولها الساسة في كل من واشنطن وطهران.

بعض المحللين الإيرانيين من الإصلاحيين يرونها نسخة معدلة من رسالة الزعيم الإيراني الراحل آية الله الخميني إلى رئيس الاتحاد السوفيتي السابق جورباتشوف في دعوته للعودة إلى الأديان، مع اختلاف الزمان والظروف المحيطة والمرسل والمرسل إليه، فضلا عن الهدف المقصود. أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة شبهت هذه الرسالة برسالة الرئيس الراحل جون كيندي إلى نظيره السوفيتي، والتي ساعدت على إجراء حوار بين القوتين العظميين لوقف الحرب الباردة؛ وهو ما يعني أن رسالة أحمدي نجاد تصلح أساسا لبدء مباحثات بين أمريكا وإيران. أما رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، فوصفتها بأنها رسالة فلسفية ولا تقدم حلا للأزمة، وأنها رسالة ليس لها رد!. الرئيس الأمريكي يقول: إن الرسالة لا تتضمن حلولا أو اقتراحات تتعلق بإنهاء أزمة الملف النووي الإيراني، في حين قالت بعض الدوائر الإعلامية: إن الرئيس الإيراني يقصد إحداث صدمة، أو إلقاء حجر في الماء الراكد، وربما كان يريد بصدق أن يعالج الأزمة الراهنة حول الملف النووي الإيراني.

لم تكن رسالة نجاد من النوع البروتوكولي الدبلوماسي، وإنما جاءت في شكل تقرير طويل (18 ورقة) لتبين مدى تعقيد المشكلة بين الطرفين، وكان طبيعيًّا أن تتطرق إلى تحديد المشكلة التي سدت الطريق أمام التفاهم بين إيران والعالم الغربي، وتدعو إلى التأمل في هذه المشكلة من زاوية جديدة سعيا لإيجاد حل لها.

مضمون الرسالة

حيث بدأت الرسالة بطرح عدد من التساؤلات على رئيس الدولة التي توجه النظام العالمي الجديد حول متناقضات الساحة الدولية، وكان أول هذه التساؤلات مرتبطا بعقائد الأصوليين الأمريكيين ومدى تطابقها مع دعوة السيد المسيح إلى حقوق الإنسان في ظل إقامة مدنية ليبرالية نموذجية لمجتمع عالمي موحد، من المقرر أن يقوده المسيح ويديره الصالحون من أتباعه، في الوقت الذي يقومون فيه بأعمال تنال من هيبتهم وقيمهم، بدليل ما فعلوه ويفعلونه في العراق.

الرئيس الإيراني يشير بعد ذلك إلى أن عمله الأصلي هو التعليم. وأراد نجاد بذلك أن يؤكد أنه يدرك حقائق الأمور، وأنه يقرأ التاريخ جيدا، ويعالج الأمور من منطق أنه معلم صاحب رسالة. وتبدو مراجعة أحمدي نجاد لأخطاء القيادات العالمية على ضوء أصولية الأديان من خلال إثارته لتساؤلات على لسان تلامذته، وهي أسئلة تدور في أذهان شعبه وشعوب المنطقة، بل وشعوب العالم الثالث، وترتبط بظاهرة إسرائيل وطريقة نشأتها دون سند تاريخي أو ذنب للفلسطينيين يقتضي العقاب، وهل دعم هذا الكيان وتداعيات مأساة إنشائه طوال 60 عاما يجد له تعاليم لدى السيد المسيح أو النبي موسى -عليهما السلام- أو حتى القيم الليبرالية.

ويتساءل نجاد: هل منع التقدم العلمي أو التقني في منطقة الشرق الأوسط باعتباره يمثل تهديدا لإسرائيل، وهو ما يحدث لشعوب أمريكا اللاتينية وأفريقيا، ولم يحدث له مثيل في التاريخ، ينطبق مع تعاليم السيد المسيح وحقوق الإنسان؟

وحول العلاقات الأمريكية الإيرانية يشير نجاد إليها من خلال تساؤلات شعبية حول الانقلاب ضد الزعيم محمد مصدق، ومعاداة الثورة الإسلامية، ومساعدة صدام حسين في حربه ضدها، وتحويل السفارة الأمريكية إلى وكر للتجسس على إيران، وإسقاط طائرة ركاب إيرانية فوق الخليج، وتجميد الأموال الإيرانية، والتهديدات المتزايدة للتقدم العلمي والنووي الإيراني. هذه الإشارة في الواقع تقديم كشف حساب قابل للسداد قبل تطبيع العلاقات أو التجاوب مع المطالب الأمريكية بوقف الأنشطة النووية الإيرانية.

الرئيس الإيراني استنكر في خطابه واقعة الحادي عشر من سبتمبر، ولكنه تساءل حول طبيعتها، وكيف تمت بدون تنسيق مع الأجهزة الاستخبارية والأمنية، ولماذا أخفيت أبعاد الموضوع حتى الآن؟ ولماذا لم يحاكم المقصرون؟ ولماذا يحاسب الناس في أمريكا وخارجها على ردود أفعالهم تجاه الرعب الذي فرضته عليهم الأجهزة الأمريكية؟ وما جدوى إنفاق المليارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في غزو أفغانستان والعراق؟

ويذكر الرئيس نجاد أن ذلك كله جزء من آلام شعوب العالم في إيران والمنطقة، بل وأمريكا، وأن صبر الشعوب بدأ ينفد، وهو ما سوف يجعل الحكام موضع محاكمة التاريخ في المستقبل القريب حول تحقيقهم الأمن والرخاء والعدالة، وهل أوفوا بالقسم الذي أدوه لله في خدمة الشعب والالتزام بواجباتهم والسير على نهج الأنبياء والرسل؟.

ويأتي أحمدي نجاد إلى السؤال المحوري وهو: أليس هناك طريق أفضل للتعامل مع الشعوب والعالم؟. يؤكد أن العالم قد تغير بشكل سريع، وأن البشرية ليست راضية عن الوضع الموجود، وأن الليبرالية والديمقراطية الغربية لم تستطع أن تحقق ما كان العالم يصبو إليه، لذلك فإن البشرية تتجه وجهتها الأساسية، وهي توحيد الله وسبيل الأنبياء لعلاج مشاكلها. وهنا يؤكد نجاد على القواسم المشتركة بين الأديان، فالعلم متجه إلى توحيد الله والعدالة سواء شئنا أم أبينا، وأن إرادة الله سوف تنتصر. ويشير إلى أن القرآن الكريم يؤكد على دعوة جميع أتباع الديانات السماوية إلى كلمة سواء في توحيد الله، مؤكدًا على اعتقاده بأن العودة إلى طريق الأنبياء هو سبيل السعادة والنجاة، وداعيًا الرئيس الأمريكي إلى الاستجابة لهذه الدعوة للعودة إلى سبيل الأنبياء؛ أي التوحيد والعدالة والمحافظة على كرامة البشرية وطاعة الله.

في مغزى رسالة نجاد

أراد الرئيس أحمدي نجاد بكتابة هذه الرسالة -فيما يبدو- أن يؤكد للعالم كله أن الصورة التي رسمتها أجهزة الإعلام الغربية عنه بأنه إنسان غير قابل للتفاوض صورة غير صحيحة، وأنه يبادر بطلب التفاوض على أساس الحق والعدل، وليس على أساس الظنون والمخاوف؛ حيث تمثل هذه الرسالة حركة ديناميكية غير متوقعة من جانب الرئيس الإيراني، تظهر جانبا آخر من شخصيته القيادية، وعدم خوفه من المجابهة السياسية والدبلوماسية، وأن حديث الحسم ليس معناه تصعيد الأمور في اتجاه اللجوء للعنف.

من الممكن أن نتصور أن محتوى هذه الرسالة يمثل خلاصة فكر النظام الإيراني، واعتقاده بحتمية قيام دولة آخر الزمان على أساس الحق والعدل، وفي اتجاهه نحو المصالحة مع النظام الدولي من خلال المحبة والعدالة وإبداء حسن النية دون التسليم بالواقع أو الاستسلام لهذا النظام الدولي، ومع استلهام الخطاب لعبارات الأنبياء يعبر عن الرغبة الصادقة في السلام، والتحول الواضح نحو الأصولية الإنسانية، مع التأكيد على ضرورة الحوار والتباحث، كما أن هذا الاستلهام يتجاوب مع أصولية المحافظين الأمريكيين، ويضعها أمام حوار الأديان بعيدا عن صدام الحضارات، كما يذكرهم بآلام الإيرانيين والمسلمين، بل وشعوب العالم نتيجة الابتعاد عن هذا النهج، فضلا عما تتضمنه الرسالة من دعوة مفتوحة للحوار مع الولايات المتحدة والغرب على أساس القيم الدينية، وبدون شروط مسبقة؛ وهو ما يجعل الكرة في ملعبهم، ويجعلهم يفكرون مليًّا في كيفية إعادتها.

لا شك أن الإدارة الأمريكية ومعها دول أوربا سوف تعكف على دراسة الرسالة بكل جزئياتها، والهدف الذي أرسلت من أجله، لكن هل يؤدي إغراق الرسالة في بيان فلسفة الأوضاع الراهنة في المنطقة والعالم، وتحديد أبعادها السياسية والأخلاقية، والتأكيد على ضرورة العودة لطريق الأنبياء والرسل في معالجة المشاكل القائمة إلى عدم فهم أهداف هذه الرسالة، والمقترحات الحقيقية التي ضمنها الرئيس الإيراني هذه الرسالة من خلال هذا الخطاب الفكري الفلسفي؟!

لقد أثارت رسالة الرئيس الإيراني إلى الرئيس الأمريكي حوارا داخليا حولها، سواء في التوقيت أو المحتوى أو الهدف أو الجدوى منها. ويعترض عدد من نواب مجلس الشورى الإسلامي على إقدام الرئيس الإيراني دون التشاور مع المجلس. يقول حشمت الله فلاحت بيشه، عضو البرلمان عن مدينة إسلام آباد: إنها ليست رسالة صلح، بل الهدف منها إدارة الأزمة في الظروف الراهنة، وإعلان المواقف، إنها تحطم عددًا من مباني السياسة الخارجية الإيرانية، فلم يبلغ الرئيس محتواها إلى البرلمان أو حتى لجنة الأمن القومي، كما أنها أرسلت في فترة يسود فيها الفكر اللاعقلاني سياسة الولايات المتحدة، كما أنه من الضروري أن يتم إبلاغ كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة بفحوى الرسالة حتى لا يتم تحريفها من جانب أجهزة الإعلام، وأرجو أن تصب هذه الرسالة في صالح الأمن القومي الإيراني؛ لأن على الجميع أن يراعي هذه المسألة في الظروف الراهنة (صحيفة إيران ما، في 10/5/2006).

ويمتدح المحلل علي قاسمي هذه الخطوة بقوله: يمكن تقييم هذه الرسالة في إطار الظروف التي تخيم على الملف النووي الإيراني، ومع تصاعد الحرب الكلامية بين إيران وأمريكا؛ حيث تدل على جرأة عاقلة للرئيس الإيراني، وابتكار في العمل الدبلوماسي، وفتح طريق جديد للعلاقات مع أعضاء مجلس الأمن، فالرسالة تحمل في طياتها رسائل متعددة تقيم الحجة عليهم (صحيفة روز في 9/5/2006).

وعن عدم جدوى الرسالة يقول أميد معماريان: إن رسالة أحمدي نجاد الأخلاقية لم تحدث أي تأثير؛ وهو ما يستوجب تغيير السلوك الإيراني، وإن على إيران أن تقبل بالاقتراح الروسي حول إنشاء شركة مشتركة بين إيران وروسيا تقوم بتخصيب اليورانيوم في روسيا، باعتباره حلا وسطا للخروج من الأزمة، رغم أنه بمثابة كأس سم لإيران كخطوة أخيرة (صحيفة روز في 10/5/2006).

ويؤيد المحلل سعيد أفسر الرسالة بقوله: جاءت هذه الرسالة في إطار وعد الرئيس الإيراني للمواطنين بأن يكتب رسائل متعددة إلى رؤساء عدد من دول العالم حول موقف إيران من الأزمة النووية والنظام الدولي والأوضاع العالمية الراهنة، ولكن أحدا لم يتصور أن تكون أول رسالة إلى الرئيس الأمريكي مع وجود خصومة بين البلدين ترجع إلى سبعة وعشرين عاما، مع احتمال أن تكون هذه الرسالة بداية للتعامل بين إيران وأمريكا، خاصة أن الرئيس الإيراني لم يكتب هذه الرسالة إلا من خلال فريق مستشاريه، مع تمتع الرئيس أحمدي نجاد بشخصية فعالة يمكن أن تدفع الأمور إلى الأمام، وإن محاولاته الجادة في حل مشاكل المواطنين سوف تنعكس على نشاطه في حل مشاكل إيران مع النظام الدولي، خاصة المشكلة النووية؛ ونظرا لأن هذه أول رسالة فمن الطبيعي أن تضع إطارا للأوضاع الراهنة، وتطرح المشاكل، ومدى ما يمكن أن تلحق من أضرار، مما يفتح مجال النقاش في كافة الموضوعات، ومن خلال كافة وسائل الاتصال الحديثة.

أما عن رد الفعل الأمريكي فلا شك أنه سيكون بطيئا؛ لأن أمريكا يمكن أن تتشاور مع حلفائها حول محتوى الرسالة قبل أن تتخذ موقفا رسميا، بغض النظر عن التصريحات الفردية التي يمكن تعديلها مع الوقت، وإن إعلان إيران محتوى الرسالة بعد تسلم أمريكا لها يؤكد تمسكها بما جاء فيها والتزامها بالتعامل في إطارها، أما عن سبب إرسالها في هذا الوقت فمن الواضح أن الملف النووي الإيراني قد وصل إلى مرحلة تاريخية تقتضي اتباع إيران سياسة استغلال الوقت للخروج من الأزمة. (بازتاب في 10/5/2006)

قد تتعدد القراءات لهذه الرسالة، ولكن من الواضح أن منهج إيران وأهدافها وأسلوبها واحد لا يتغير، هذا هو خطابها السياسي إلى العالم.


أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس- القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات