English

 

الأحد. أغسطس. 4, 2002

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » باكستان

 
أهم الأخبار  

باكستان.. الطريق إلى كشمير يمر من بنجلاديش

عبد الحافظ الصاوي

كان للزيارة التي قام بها الرئيس الباكستاني برويز مشرف لبنجلاديش في 29 يوليو 2002 دلالاتها السياسية من حيث التوقيت وطبيعة القيادة السياسية الحالية في بنجلاديش. أما من حيث التوقيت، فمن المعلوم أن العلاقات الهندية الباكستانية متوترة منذ عدة أشهر، وخشي المجتمع الدولي من أن تتطور العلاقات المتدهورة بين البلدين إلى حرب نووية. 

وتأتـي زيارة الرئيس الباكستاني في إطار عام وهو بيان موقف باكستان لبلدان آسيا، وهو الموقف الداعي إلى نبذ الحرب مع الهند واللجوء إلى المفاوضات والحوار لإنهاء المشكلات القائمة، وكسب موقف هذه البلدان إلى صف باكستان. كما تأتي في إطار خاص لتوطد العلاقة بين باكستان وبنجلاديش اللتين كانتا دولة واحدة إلى عام 1971.

ويقصد من توطيد هذه العلاقة توصيل رسالة إلى الهند -العدو التقليدي لباكستان- أن بنجلاديش التي تقع داخل أحشاء شبه القارة الهندية بإمكانها عمل شيء لصالح باكستان التي تجمعها بباكستان الرابطة الإسلامية؛ وبذلك تعيد الهند حساباتها الإستراتيجية إذا ما أقدمت على خطوة الحرب مع باكستان. 

يضاف إلى ذلك أن القيادة السياسية الحالية في بنجلاديش "البيجوم خالدة ضياء" تميل بطبيعتها إلى ترسيخ العلاقة مع باكستان، وهذا الموقف ليس وليد اليوم، ولكنه كان توجهاً ثابتاً مع مجيء زوج رئيسة الوزراء الحالية الجنرال محمد مجيب الرحمن الذي تولى الحكم في عام 1976 بعد انقلاب عسكري واستمر إلى أن اغتيل في عام 1981.

وبالتالي فحرص القيادة السياسية الحالية على العلاقة مع باكستان يأتي في إطار الموروثات السياسية لمن يتولى القيادة السياسية في بنجلاديش. وهذه المعادلة تختل عندما يتولى "حزب رابطة الشعب" بزعامة الشيخة "حسينة واجد" القيادة السياسية لبنجلاديش؛ حيث يرد "حزب رابطة الشعب" الجميل للهند التي ساعدت حركة الانفصال في عام 1971 بزعامة الشيخ محمد نجيب والد "الشيخة حسينة" وأمدته بالسلاح وساعدت على محاصرة الجيش الباكستاني لتنجح عملية الانفصال.

موضوعات شائكة

كشأن أي عملية انفصال، سواء تمت بالطريق السلمي أو بقوة السلاح، تبقى بين باكستان وبنجلاديش قضايا معلقة تثار كل فترة، خاصة إذا ما كانت الوحدة بين شعبي البلدين ترتبط بعوامل دينية أو وطنية أو قومية. فحتى عام 1971 -ومنذ عام 1947- ظلت كل من باكستان وبنجلاديش دولة واحدة تسمى باكستان، تفصل بينهما الهند. وكانت باكستان الحالية تسمى باكستان الغربية، وبنجلاديش تسمى باكستان الشرقية. ويرى البنجلاديشيون أن الإدارة في باكستان الغربية كانت تستأثر بكل شيء: ففي التشكيل الوزاري لا يمثل باكستان الشرقية سوى وزير واحد أو اثنين على الأكثر من جملة خمسة وعشرين وزيراً، وفي التمثيل الدبلوماسي كان نصيب باكستان الشرقية محدودا، وأيضاً تركزت مشروعات التنمية في الجانب الغربي، وأهمل الشطر الشرقي. 

ومن الأمور التي زادت من حدة سعي البنغاليين إلى الانفصال فرض اللغة الأردية كلغة رسمية في شطري الدولة، رغم أن لهم لغتهم القومية وهى البنغالية. ومن الأعياد القومية الآن في بنجلاديش "يوم اللغة البنغالية" وهو اليوم الذي أعلن من قبل المثقفين والثوريين البنغاليين قبل الانفصال للمطالبة باعتماد "البنغالية" كلغة رسمية للشق الشرقي، ولكنهم ووجهوا بموجة عنف، وذهب بعضهم ضحية المواجهات مع الحكومة، وأصبحوا "شهداء اللغة البنغالية". وهو يوم يتوارى فيه من يتهمون بتأييد باكستان خشية أن يُفتك بهم، وهو من أيام العطلات الرسمية بالبلاد.

ولكن على الرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاما على الانفصال، ووجود علاقات كاملة بين الدولتين وعلاقات دافئة بين أفراد الشعبين باعتبار كل منهم يمثل عمقاً إستراتيجياً للآخر، فإن أحداث الانفصال كانت دامية وتركت آثاراً مرة، خاصة في أعماق المعنيين بالشأن السياسي والثقافي، كما أن ممارسات بعض أفراد الجيش الباكستاني غير المقبولة ما زالت تُحكى للأجيال التي لم تشهد الحدث، ولم يمنع ذلك أيضاً من مساهمة الأدب الشعبي في الأحداث بوجود قصص طريفة ومضحكة، حتى ولو لم تحدث. 

وعلى الرغم من أن باكستان كانت حريصة على أن تبقى الوحدة، وأنها قبلت الانفصال مرغمة، فإنها الآن تستشعر حجم الممارسات الخاطئة لتهميش الجانب الشرقي إبان الوحدة، خاصة هذه الأيام التي تمثل الهند فيها خطرا داهما على البلدين، ولو بقيت هذه الوحدة قائمة على أساس من العدل وحرص من كل طرف على الآخر، لكن للهند حسابات أخرى، لا تقتصر فقط على علاقاتها مع باكستان وبنجلاديش، ولكن كانت ستساهم أيضا في حل الملف الكشميري.

التعويضات

على هامش هذه الزيارة قوبل الرئيس الباكستاني بمظاهرات من قبل بعض أحزاب المعارضة البنجلاديشية التي اعترضت على زيارته، واعتبرته مقوضا للحياة الديمقراطية في بلاده، وطلب بعض المعارضين بدفع تعويضات عن ممارسات باكستان إبان حركة الانفصال، ولكن "مشرف" استطاع أن يسجل موقفا جديدا من قبل باكستان بقيامه بزيارة نصب الجندي المجهول الذي يرمز إلى "شهداء الانفصال" -وتقدر بنجلاديش عددهم بنحو 3 ملايين فرد– والاعتراف في كلمته بسجل الزوار أن لباكستان إثما فيما جرى لهؤلاء الذين ذهبوا ضحايا المواجهات مع الجيش الباكستاني. وهذا الاعتراف من شأنه أن يفتح ملف التعويضات التي تطالب بها بنجلاديش. ولكن باكستان تعلن مراراً أنها دفعت تعويضات دون أن تذكر تحديد القيمة أو زمن هذه التعويضات أو صورتها. 

وهنا لا بد أن نلفت النظر إلى أن باكستان في الفترة الأخيرة تمر بأزمة اقتصادية خانقة منذ إقدامها على الدخول في النادي النووي عام 1998، حيث فُرضت عليها عقوبات اقتصادية من قبل أمريكا وبلدان أخرى. هذا فضلاً عن أنها بلد نام في الأصل، ومقدرتها على دفع تعويضات في ذلك الوقت منعدمة، خاصة وهي تترقب موقفا مجهولا من الهند فيما يخص مسألة الإقدام على الحرب.

ولا شك أن القادة السياسيين في بنجلاديش يدركون هذه الحقائق، ولكنهم يريدون أن يسجلوا موقفاً يمكن استثماره فيما بعد، باعتبار اعتراف مشرف أحد الوثائق الهامة التي تؤيد مطلبهم. وفى المقابل تريد باكستان كسب تأييدهم لموقفها في الصراع مع الهند، فالمسائلة تدور في إطار تبادل المصالح.

"البهاريون"

رحل من رحل بعد نجاح حركة الانفصال في عام 1971 بزعامة "الشيخ محمد نجيب" وقيام دولة بنجلاديش. ولكن بقي بعض من الأسر والأفراد الباكستانيين في بنجلاديش لم تسعفهم الظروف للرحيل إلى باكستان؛ فتعرضوا لمعاملة قاسية خاصة في السنوات الأولى للانفصال، حيث جُردوا من ممتلكاتهم، وعاشوا رهن معسكرات أشبه بمعسكرات الاعتقال.

ولكن مع مرور الوقت تحولت أحوالهم إلى أشبه بمعسكرات اللاجئين، خاصة في مدن محافظتي داكا وشيتاغونج. وعلى الرغم من ذلك فإنهم يرفعون أعلام باكستان على أبواب معسكراتهم، ويحرصون على التحدث بالأردية فيما بينهم، على أمل الرجوع إلى باكستان يوماً ما، ويقيمون المدارس والمحلات التجارية والصناعات الحرفية البسيطة داخل هذه المخيمات بمساعدة الأمم المتحدة وبعض الهيئات الخيرية الإسلامية.

ولكن على كل الأحوال فإن أوضاعهم مأساوية؛ فالمسكن الواحد لا يزيد عن مساحة أربعة أمتار مربعة، ويحتوي بداخلة أسرة يزيد عدد أفرادها عن ثمانية أفراد، ودورات المياه عامة، حيث يوجد في نهاية كل شارع عدد من دورات المياه. ومن تتحسن أحوله المادية يخشى الخروج من هذه المخيمات حتى لا يسطو البنجلاديشيون على بيته أو تجارته إذا ما أقام هذه الأشياء بعيداً عن المخيمات. وتقدر الأسر التي تعيش داخل هذه المخيمات بنحو 40 ألف أسرة، وذلك حسب تقديرات عام 1996. وهي بلا شك شهدت زيادة كبيرة، خاصة أن هؤلاء لهم سمات البلدان النامية من وجود الزواج المبكر، وارتفاع معدلات الخصوبة لدى النساء، والنظر إلى الأبناء على أنهم أحد مصادر تحسين الدخل من خلال مساهمتهم في سوق العمل، وإن كان ذلك في سن مبكرة. 

محاولات عدة جرت لإنهاء مشكلة هؤلاء "اللاجئين" –إن صح التعبير– كان أفضلها ما قامت به رابطة العالم الإسلامي برئاسة "الشيخ عمر نصيف" إبان رئاسته للرابطة، وبوجود الجنرال الراحل "ضياء الحق" رئيساً لباكستان، حيث تم بناء عدد من المساكن في باكستان على نفقة الرابطة في إقليم "بهار" الذي ينتمي إليه هؤلاء. وسافرت طائرة واحدة بالفعل صحبها الشيخ "عمر نصيف"، ولكن المشروع توقف بوفاة "ضياء الحق"، وظل الوضع على ما هو عليه منذ الانفصال. وبدأت القيادة الباكستانية تقول بأنهم بنجلاديشيون وعلى بنجلاديش أن تستوعبهم وتعاملهم كمواطنيها لا كلاجئين، في حين ترى القيادة البنجلاديشية أنهم من بقايا الوجود الباكستاني على أراضيها، ولا بد من خروجهم، وليس لهم حق المواطنة، وليس على الحكومة في بنجلاديش أي واجبات تجاههم، ومن هنا وجد مصطلح "دون جنسية" الذي يشير إليهم.

ومع مرور الوقت وجدت زعامات سياسية لدى "البهاريين"، مثل "محمد نسيم خان" الذي يعد المتحدث الرسمي باسمهم لدى المنظمات الإغاثية والحكومات التي يأملون أن تؤثر على حكومة باكستان لاستقبالهم. ويتخذ الزعيم محمد نسيم خان مقراً لإدارته وسط أكبر مخيم للبهاريين في "داكا" بمنطقة تسمى "محمد بور". وهو حريص على زيارة سفارات معظم البلدان الأجنبية في "داكا"، عارضاً مشكلة ذويه عله يجد حلاً. 

وقد تضمن برنامج زيارة الرئيس "مشرف" اللقاء بالزعامات السياسية للبهاريين، وإن استطاع مشرف أن ينهي هذه المشكلة فسوف يسجل تطورا كبيرا في رصيد العلاقات بين البلدين.

خلاصة وتقويم

يستطيع مشرف أن يسجل بعض النقاط في تقوية العلاقات مع بنجلاديش، ولكن لا يعني هذا أن تتحول بنجلاديش إلى مناصبة الهند العداء، خاصة في ظل قيادة "البيجوم خالدة ضياء" التي لا ترتاح الهند لوجودها في السلطة، فهناك حسابات أخرى، أهمها الإمكانات الضخمة للهند على الجانب العسكري، والوضع الجغرافي الإستراتيجي، حيث تحيط الهند بأراضي بنجلاديش من ثلاثة اتجاهات بما يشبه حدوة الفرس، باستثناء جزء صغير جداً في الجنوب الشرقي تطل به على "بورما" من خلال نهر يمر بتلك المنطقة الضيقة، والحد الرابع لبنجلاديش هو خليج البنغال، وهذا الوضع لن يسمح لأي قيادة بنجلاديشية بأكثر من علاقة خاصة مع باكستان دون أن تصل إلى عداء الهند. 

وربما يكون المكسب الإستراتيجي الذي يحصده مشرف من تطور مثل هذه العلاقة الخاصة هو كسب التأييد السياسي من دول الجوار لمواجهة الموقف الهندي الذي يتسم بالجنوح لرفض إجراء مفاوضات وحوار لإنهاء المشكلات مع باكستان فيما يتعلق بجماعات الجهاد الكشميرية، وملف كشمير بالكامل.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات