English

 

الاثنين. يناير. 20, 2003

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » باكستان

 
أهم الأخبار  

الحكومة الباكستانية والديمقراطية المشوهة

أر مغان خان

مير ظفر الله جمالي
مير ظفر الله جمالي
 بعد مرور 38 يومًا على انتخابه رئيسا للوزراء تمكن مير ظفر الله جمالي من تجاوز المرحلة الثالثة الأشد صعوبة في تاريخ وزارته المختصر. فقد تمكن من اختراق صفوف منافسيه المرشحين لرئاسة الوزراء، واستطاع كسب ثقة البرلمان بفارق 17 صوتًا بعد أن كان الفارق حين التصويت على رئاسته للوزراء أول مرة صوتًا واحدًا فقط.

لم تكن حكومة مير ظفر الله جمالي معرضة للسقوط بفارق الصوت اليتيم؛ لأن أحزاب المعارضة الثلاثة -ومن بينها "تحالف الجماعات الإسلامية" تحت مسمى "مجلس العمل الموحد"- قد أكدت أنها لن تسقط حكومة جمالي، بل أبدى كل منها استعداده لدعم حكومة جمالي في حال تعرضت لخطر السقوط، وذلك ليس حبًّا فيها، ولكن لاستمرار العمل الديمقراطي في البلاد.

والآن وقد تشكلت الحكومة المدنية الجديدة والحكومات الإقليمية، وتوزعت أغلب الحقائب الوزارية وبدت الديمقراطية تسير في البلاد، مع ذلك يتنبأ المراقبون السياسيون بحدوث أزمة سياسية حادة قد تؤدي إلى وأد الديمقراطية في مهدها.

  المنشقون والحقائب الوزارية

بعد انتقاله من بيته المتواضع في إقليم بلوشستان المحاذي لإيران إلى قصر رئاسة الوزراء في إسلام آباد لم يكن مير ظفر الله جمالي يتصور مدى المواقف الصعبة والمحرجة التي كانت في انتظار حكومته بسبب سياسات الرئيس مشرف. فقد تشكلت وزارته على أساس الحرية التامة في الأمور اليومية العادية التي تواجه كل الحكومات في مختلف بقاع العالم، ولكنه لا يملك خيار تغيير السياسات الأساسية في البلاد، وخصوصا تلك السياسات التي وضعها الجنرال برويز مشرف بعد 11 سبتمبر. فقد تشكلت حكومة جمالي بعد عوائق جمة استمرت قرابة الخمسة أسابيع، حاول خلالها حزبه (حزب الملك) أن يقنع "مجلس العمل الموحد" و"حزب الشعب" برئاسة بينظير بوتو بالانضمام لصفه، ولكنه فشل نتيجة لتضارب المصالح أولا، واختلاف الأصول والنظريات ثانيا.

وعندما سُدت كل الطرق المؤدية إلى رئاسة الحكومة، لجأ "حزب الملك" إلى شراء ذمم الساسة ونواب الأحزاب السياسية الصغيرة في البرلمان. فقد تمكن من إقناع 10 من أعضاء "حزب الشعب" بأن ينشقوا عن حزبهم ويعلنوا تأييدهم لحزب الملك. كما تمكن من كسب حزب ناشونال آليانس -التحالف الوطني- (16مقعدا) وحزب "حركة المهاجرين القومية" (17 مقعدا) وحزب السياسي البارز حامد ناصر (3 مقاعد)، و13 مقعدا للمستقلين، ليشكل بذلك الأغلبية في البرلمان التي تخوله في تشكيل الحكومة، علمًا بأن الدستور الباكستاني لا يسمح للمنتخب في البرلمان بالانشقاق من حزبه، ويعتبر أن إعلان انشقاق أي عضو من حزبه يعني إلغاء عضويته في البرلمان.

المنشقون من حزب الشعب فازوا بنصيب الأسد في حكومة جمالي. فقد أعطيت لهم حقائب الداخلية والدفاع والبترول وثلاث وزارات مهمة أخرى. علما بأن وزير الداخلية الحالي فيصل صالح حيات يواجه قضايا بالفساد والاختلاس في عهد حكومة بينظير بوتو رئيسة الوزراء السابقة.

حكومة إقليم السند

أعلنت الحكومة الفيدرالية في إسلام آباد يوم 13 ديسمبر موعدا نهائيا لتسلُّم أوراق المرشحين الثلاثة الراغبين في رئاسة وزراء حكومة إقليم السند. وفي الموعد المحدد لم يتقدم إلا عبد الرحمن راجبوت المرشح المشترك لمجلس العمل وحزب الشعب. وبناء على الدستور تم إعلان اسم المرشح رئيسًا للوزراء في حكومة إقليم السند بدون منافس. وبعد مرور قرابة الساعة على إعلان اسم رئيس وزراء الإقليم وبينما كان أعضاء مجلس العمل وحزب الشعب يهنئون بعضهم بفوز مرشحهم، أعلن رئيس البرلمان مد فترة استلام أوراق المرشحين ساعتين إضافيتين، ووسط شجب واستنكار أعضاء البرلمان قال رئيس البرلمان: إنها أوامر عُليا يجب عليّ تنفيذها!

وبعد مرور المدة الإضافية تم التصويت على المرشح المشترك لمجلس العمل وحزب الشعب عبد الرحمن راجبوت والمرشح المشترك لحزب الملك وحزب "حركة المهاجرين القومية" وحزب "التحالف الوطني" علي محمد مهر، وفاز هذا الأخير برئاسة وزراء إقليم السند بعد الدعم الذي تلقاه من المنشقين الذين ساعدوا الحكومة الفيدرالية قبل ذلك ليفوزوا بغالبية الحقائب الوزارية لإقليم السند.

أما العهدة الثانية الأكثر أهمية في السلم الوزاري فهي عهدة محافظ الإقليم، فقد حصدها مرشح "حركة المهاجرين القومية" عشرت العباد، كرد للجميل في دعم حكومة جمالي (17 مقعدا في البرلمان أعطت ثقتها لحكومة جمالي كما ذكرنا آنفا)، علما بأن محافظ إقليم السند "عشرت العباد" يواجه تهمًا عديدة في المحاكم الباكستانية أيضا، وهارب من العدالة منذ التسعينيات، ولكن سياسة لَي الأيدي التي انتهجتها "حركة المهاجرين القومية" أجبرت حكومة جمالي على تسليم عهدة المحافظ لحركة المهاجرين.

مجلس العمل والتحدي الكبير

لم يمر إلا شهر واحد على تشكيل الحكومة الإقليمية لمجلس العمل الموحد في منطقة سرحد وبدأت تلوح في الأفق بوادر أزمة سياسية حادة بين الحكومة الإقليمية لمجلس العمل والحكومة الفيدرالية في إسلام آباد برئاسة جمالي؛ فقد أعلن مجلس العمل الموحد بأنه لن يسمح للجنود الأمريكان ومكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي بملاحقة الأبرياء بدعوى انتمائهم إلى عناصر القاعدة وطالبان في منطقة سرحد. ويبدو أن حكومة مجلس العمل بدأت تحدّ من حرية مكتب التحقيقات الفيدرالي فعلا؛ لذا أبدت الإدارة الأمريكية انزعاجها لحكومة جمالي من مواقف حكومة إقليم سرحد.

وفي زيارته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية سئل رئيس الوزراء الباكستاني مير ظفر الله جمالي في غداء أقيم على شرفه في بيت القنصل الباكستاني في جدة حول هذا الموضوع  فرد قائلا: إن السياسة الخارجية للبلاد تضعها الحكومة الفيدرالية، وليس من حق الحكومة الإقليمية التدخل في السياسات الخارجية. الحكومة الإقليمية تابعة للحكومة الفيدرالية، ولا يحق لها وضع سياسة خاصة بها تتناقض مع سياسة الحكومة الفيدرالية.

ولقد سئل رئيس الوزراء أيضا عن إمكانية صمود حكومته لفترة طويلة أمام استغلال الساسة والأحزاب السياسية المتحالفة، لا سيما أن حزبه استطاع إثبات الأغلبية في البرلمان التي خولته لتشكيل الحكومة بشراء ذمم المنشقين أولا وإغراء الأحزاب الصغيرة ثانيا. ورد مير ظفر الله جمالي مستنكرا بأن الصحافة تضخم الأحداث دون التحقق من المصادر، فنحن في عصر لا يمكن فيه إجبار أي سياسي باتخاذ قرار دون أن يكون مقتنعا به هو شخصيا. وأضاف: الذين أعلنوا تأييدهم لنا كانوا على قناعة تامة بما يفعلون، وهم مسؤولون أمام الشعب الذي أعطى أصواته لهم.

وفي إسلام آباد سأل أحد الزملاء الصحفيين وزير الداخلية الحالي فيصل صالح حيات رئيس المنشقين من حزب الشعب عن سر انشقاقه من حزبه فرد قائلا: "إن حزبنا حزب الشعب، ورئيسته بانظير بوتو أرادت بيعنا مقابل إطلاق سراح زوجها آصف زر داري من السجن، أليس من الأفضل لنا أن نبيع أنفسنا بأنفسنا ونحن من يقبض الثمن؟" (في إشارة إلى الوزارات المهمة التي حصلوا عليها مقابل تأييدهم لحكومة جمالي وانشقاقهم عن حزب الشعب).

الاعتقالات العشوائية

الحكومة الإقليمية لمنطقة سرحد برئاسة مجلس العمل الموحد تحاول جاهدة تطبيق الشريعة الإسلامية وترويج الأخلاق الإسلامية في المنطقة، وتحاول إيقاف الجيش الباكستاني والشرطة من التتبع العشوائي لعناصر القاعدة وطالبان وقد تنجح في منطقة سرحد، ولكن الاعتقالات الأخيرة التي جرت في لاهور (منطقة البنجاب) لا تستطيع إيقافها. فقد تم اعتقال الدكتور عامر عزيز بتهمة قيامه بمعالجة أسامه بن لادن والملا محمد عمر وبعض العناصر المهمة الأخرى للقاعدة وطالبان، وأطلق سراحه بعد أن شهدت البلاد مظاهرات حاشدة قادتها جمعيات الأطباء الباكستانيين.

وتم اعتقال طبيب آخر يدعى الدكتور أحمد جاويد خواجه مؤخرا من منطقة قروية قريبة من لاهور بتهمة إرسال المعونات الطبية إلى أفغانستان. فقد داهم رجال الشرطة والجيش الباكستاني واثنان من رجال المخابرات الأمريكية منزل الدكتور خواجة واعتقلوه هو وسبعة من أقربائه وأطلقوا سراح خمسة منهم قالوا للصحافيين بعد إطلاق سراحهم إن الشرطة وبعض الأجانب استجوبوهم حول علاقة الدكتور خواجه بالطالبان. وعرف فيما بعد بأن معتقلي جوانتانامو ذكروا للمحققين أن الدكتور خواجة كان يرسل المعونات الطبية إلى أفغانستان. وما زال مصير الدكتور خواجة غير معروف مع العلم بأن أفراد أسرته تقدموا بشكوى ضد الشرطة والجيش للمحكمة العليا الباكستانية التي تعتبر أعلى سلطة قضائية في البلاد، وأصدرت المحكمة أمرا للشرطة بإحضار الدكتور المعتقل، ولكن إلى الساعة لم يتم إحضار الدكتور خواجة إلى المحكمة ولم يفرج عنه.

بعد اعتقال الدكتور خواجة صرح رئيس وزراء منطقة البنجاب بأنه ليس لديه أي معلومات حول هذا الاعتقال، ولم تتقدم الشرطة ولا الجيش إلى الإدارات المسؤولة عن الأمن للحصول على إذن الاعتقال! ويدل ذلك على أن المخابرات الأمريكية أصبحت تملك الصلاحيات التي تخولها بخوض أخطر العمليات دون الرجوع إلى المسؤولين في الحكومة.

منطقة سرحد أيضا لم تسلم من ملاحقات المخابرات الأمريكية لعناصر القاعدة وطالبان مع وجود السياسات الواضحة لحكومة سرحد التي أعلنت مرارا وتكرارا بأنها لن تسمح بملاحقة الأبرياء دون إذن مسبق. فقد شنت الطائرات الأمريكية غارة على مدرسة بدعوى ملاحقة الإرهابيين في منطقة قريبة من وزيرستان التي شهدت في الشهور الماضية مصرع رجال الجيش الباكستاني عند مداهمتهم لمنزل كان يؤوي عناصر القاعدة الفارين من أفغانستان. وقد طمأن المتحدث الرسمي للحكومة الباكستانية بأن هذه الغارة نتيجة خطأ ولا داعي لتضخيم الموضوع.

الضحية الوحيدة لهذا الصراع هي حكومة جمالي؛ فهي بين مطرقة الجنرال مشرف وسندان الأحزاب المتحالفة وشراسة المعارضة. فمن جهة يجب عليها ألا تتخطى الخطوط الحمراء التي وضعها الجنرال مشرف، ومن جهة أخرى عليها إرضاء حلفائها الذين يسعون إلى نيل أكبر نصيب ممكن من الحكم، وعليها أيضا ألا تهمل شراسة المعارضة وقوتها التي من الممكن أن تسقطها في أي وقت. ماذا سيكون مصير الديمقراطية في باكستان؟ سؤال صعب الإجابة عليه في الوقت الحالي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات