|
| سلاح حزب الله أصبح إشكالية لبنانية داخلية ودولية أيضا
|
فيما بين واقع عسكري أكد تمكن حزب الله من الصمود أمام العدوان الإسرائيلي ومنع إسرائيل من تحقيق اختراقات برية من ناحية، وواقع قانوني ينطق بخرق إسرائيل لقواعد القانون الدولي الإنساني في عدوانها الذي دام أكثر من شهر على لبنان من ناحية أخرى، كان التوافق الدولي حول المسألة اللبنانية هو المحرك الأساسي للتعاطي الدولي مع الأزمة وتداعياتها. وقد تمثلت الملامح الأساسية للموقف الدولي في تحميل حزب الله مسئولية العدوان، والتوصل إلى قرارات دولية جوهرها الحد الفعلي من نفوذه العسكري في لبنان وإن لم تصل إلى حد نزع سلاحه بالقوة في المرحلة الحالية.
كما تميز الموقف الدولي إزاء الملف اللبناني بتوافق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خاصة فرنسا، وذلك على خلاف الصدع الذي اتسمت به المواقف الأمريكية/الأوروبية تجاه العديد من قضايا المنطقة في ظل إدارة الرئيس بوش الابن والذي تجلى في أقصى صوره إبان الحرب الأمريكية على العراق.
توجه مسبق
وتعكس قراءة قرارات الأمم المتحدة إزاء لبنان في السنوات الثلاث الأخيرة هذا التوافق حول ما يمكن تسميته بالمسألة اللبنانية بتعقيداتها المختلفة بما في ذلك الحد من النفوذ السوري في لبنان، وتقليص دور الميليشيات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية وأهمها حزب الله في الجنوب والميليشيات الفلسطينية داخل مخيمات اللاجئين وخارجها، أو ما يسمى بازدواجية السلاح والسلطة في لبنان. وتشير القرارات المتتالية في هذا الصدد بوضوح إلى منهج دولي متدرج وإن كان متصاعدًا تجاه نزع سلاح الحزب مثلت الحرب الأخيرة والقرارات المترتبة عليها محطة بارزة في إطارها.
فقد أدى التوافق الوثيق بين الولايات المتحدة وفرنسا، والذى ظهر على وجه الخصوص إبان جدل الانتخابات الرئاسية اللبنانية وتعديل الدستور اللبنانى للسماح بالتمديد للرئيس لحود، إلى هندسة مجموعة من القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن تصب في معظمها في تحجيم النفوذ السوري في لبنان وبسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بما يعنيه ذلك ضمنا من تحجيم نفوذ حزب الله خاصة من الناحية العسكرية. كما قامت المنظمة الدولية بتشكيل لجان دولية ترفع تقارير دورية حول التطورات على أرض الواقع في هذا السياق.
ومن أهم القرارات التي صدرت في هذا السياق قرار مجلس الأمن رقم 1559 في 2 سبتمبر 2004 والذي دعا إلى انتخابات رئاسية تتمتع بالحيدة والنزاهة، وهدف بشكل أساسي إلى إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، وتقليص نفوذ حزب الله؛ وهو ما أدى إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، بينما ظلت قضية حزب الله والوجود الاستخباراتي السوري أهم القضايا المعلقة وفقا لتقارير تيري رود لارسن إلى المنظمة الدولية.
ومن ثم كانت قضية سلاح حزب الله هي موضوع قرار مجلس الأمن رقم 1680 الصادر في 17 مايو عام 2006، والذي دعا سوريا إلى الاستجابة إلى المطلب اللبناني بترسيم الحدود وتبادل التمثيل الدبلوماسي، وهو الموضوع الرئيسي للقرار فضلا عن التأكيد مجددا على ضرورة بسط نفوذ وسلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها؛ الأمر الذي يشير إلى تبلور الموقف الدولي قبل نشوب الأزمة الأخيرة حول ما يمكن تسميته بتطبيع الحالة اللبنانية، بما يتضمنه ذلك من نزع سلاح المقاومة في الجنوب وحصر السلطة العسكرية بيد الدولة اللبنانية. وقد شكل هذا التوجه الدولي عاملا حاسما في رد الفعل على الحرب الإسرائيلية على لبنان وانعكس في قرارات المنظمة الدولية تجاهها ممثلة في مسودة القرار 1701 والتي تم تعديل بعض بنودها ليصدر القرار في شكله الأخير، مراعيا لبعض المطالب اللبنانية.
فعلى الرغم من جريمة العدوان التي ارتكبتها إسرائيل بحق لبنان وجرائم الحرب المتتالية في هذا السياق من اعتداء على فئات مشمولة بحماية القانون الدولي الإنساني وتدمير منهجي للبنية الأساسية بغير ضرورة عسكرية أو خرق ما يسمى بمبدأ التناسب العسكري المستقر في القانون الدولي، فضلا عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا وارتكاب المجازر الإنسانية وغيرها من الخروقات الجسيمة، جاء القرار الدولي ليحمل حزب الله مسئولية العدوان، ويتضمن من الإجراءات التنفيذية ما يصب مباشرة في نزع سلاحه وتقليص وجوده على الأقل عسكريا في الجنوب.
ملامح التوافق
فمن ناحية أولى نص القرار 1701 الذي وافق عليه مجلس الأمن بالإجماع في 11 أغسطس 2006، في ديباجته صراحة على تحميل حزب الله مسئولية العدوان. كما جدد القرار في الفقرة التنفيذية الثالثة التأكيد على هدف "بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كل الأراضي اللبنانية، في شكل لا يترك أي مجال لأسلحة أو سلطة غير سلطة الدولة اللبنانية". ومن ثم يعكس القرار رؤية مفادها أن الوضع الاستثنائى في لبنان والذي لا تسيطر فيه الدولة على السلوك العسكري لحزب الله هو السبب المباشر في العدوان.
ومن ناحية ثانية فقد تضمن القرار للمرة الأولى النص على إجراءات وقائية مستقبلية تمنع إمداد حزب الله بالسلاح منها ضرورة أن تتخذ جميع الدول الإجراءات اللازمة لمنع دخول الأسلحة أو أية معدات عسكرية إلى لبنان دون موافقة الحكومة اللبنانية، وأن تمتنع الدول عن إمداد أي طرف داخل لبنان بتدريبات أو مساعدات تقنية ذات تطبيقات عسكرية (فقرة تنفيذية 15-16)؛ وهو ما يفتح الباب أمام فرض إجراءات عقابية على الدول التي يثبت معاونتها في تسليح حزب الله مستقبلا.
ومن ناحية ثالثة فإن تعزيز وانتشار القوة الدولية الإضافية في الجنوب اللبناني التي نص عليها القرار والمهام الموكلة إليها تصب مباشرة في تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله، وتضييق الخناق عليه. ومن المهام التي أنيطت بها القوة الدولية في هذا السياق: مرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية المرتبطة بإنشاء منطقة خالية من المسلحين والمعدات العسكرية في الجنوب، فضلا عن مساعدة القوات المسلحة اللبنانية في تأمين حدودها ومنع الدخول غير المشروع للأسلحة إلى أراضيها.
ومن ثم تصبح معظم مهام القوة الدولية فيما يتعلق بنزع سلاح حزب الله ذات طبيعة وقائية أو احترازية تهدف إلى منع حصول حزب الله على مزيد من السلاح مستقبلا، فضلا عن تقليص وجوده العسكري وسحب أسلحته من الجنوب.
بعبارة أخرى فإن الخطوات التنفيذية التي نص عليها القرار الدولى الأخير تشير في مجملها إلى تطور التوافق الدولي حول نزع سلاح حزب الله، وتحديد خطوات تنفيذية لذلك الهدف باعتبار التضييق على فرص تسليحه وسحب وجوده المباشر في المناطق الحدودية مع إسرائيل عناصر رئيسية للتصور الدولى حول "حل دائم" ليس فقط للأزمة الأخيرة وإنما لمستقبل المنطقة بوجه عام.
رأب الصدع عبر الأطلنطي
ويأتي هذا الموقف المشترك في أحد أبعاده كجزء من محاولات رأب الصدع عبر الأطلنطي والتي تلت الحرب الأمريكية على العراق، وأبدى الطرفان فيها مرونة لتقريب وجهات النظر حول قضايا المنطقة العربية على وجه الخصوص، وكانت أبرز محطاتها الإعلان عن خطة الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا خلال مؤتمر قمة الثماني في الولايات المتحدة في يونيو عام 2004، والتي أدخلت فيها أوروبا بعض التعديلات على المبادرة الأمريكية الرئيسية الموسومة الشرق الأوسط الجديد لتجعل نهجها أكثر مقبولية بالنسبة للأطراف العربية. وبالرغم من أن التركيز الأساسي للمبادرة هو دعم جهود التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي في المنطقة، فإن افتراضًا ضمنيًّا أساسيًّا يقوم على ارتباط رؤية الشرق الأوسط الجديد باحتواء الصراع فيها والقضاء على دور المقاومة المسلحة.
إلا أن الموقف تجاه الحالة اللبنانية يمثل حالة خاصة في ذلك الإطار، حيث يحظى بسقف أعلى من التنسيق فيما بين القوى الكبرى مقارنة بغيره من قضايا المنطقة بما فيها القضية الفلسطينية أو الملف النووي الإيراني، وذلك لعدد من الأسباب لعل أبرزها العلاقات الفرنسية الخاصة بلبنان والتي تميل إلى دعم المعارضة اللبنانية وتقليص النفوذ السوري في لبنان إلى حد التصريح المباشر للرئيس الفرنسي بأنه "لا يثق في سوريا". وقد مثّل هذا التوجه الفرنسي خطا ثابتا تصاعد بشكل كبير عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. ومن ثم فإن فرنسا التي تلعب في الغالب دورًا مناوئًا للسياسة الأمريكية في المنطقة، تتفق إلى حد كبير مع الإدارة الحالية حول نزع سلاح حزب الله والقضاء على النفوذ السوري في لبنان.
تباين الرؤى والهدف واحد
ولا ينفي هذا الاتفاق العام حول ضرورة تحجيم حزب الله أو نزع سلاحه، وجود بعض الاختلافات فيما بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصدد تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية، ووسيلة ومدى نزع سلاح حزب الله والأفق الزمني لذلك الهدف.
ففي إطار هذا التوافق العام والذي عبّرت عنه سلسلة القرارات الدولية المشار إليها، تقدم الولايات المتحدة طرحا أقسى من الطرح الأوروبي، حيث تصنف حزب الله كمنظمة إرهابية، بما يعني ضمنا إمكانية نزع سلاحه قسرًا وملاحقته عسكريا، بينما تعتبر العدوان الإسرائيلي على لبنان دفاعا عن النفس ودورا تؤديه إسرائيل في إطار الحرب على الإرهاب وفقًا لتصريحات الرئيس الأمريكي. ويندرج ذلك الطرح الأمريكي في إطار رؤية أشمل للمنطقة تحكمها نظرة الإدارة الأمريكية لحربها على الإرهاب وموقفها من دول محور الشر والدول المارقة بما فيها سوريا وإيران، خاصة على خلفية العلاقات الارتباطية بين حزب الله من ناحية وبين هاتين الأخيرتين.
على الجانب الآخر، فإن الاتحاد الأوروبي يرفض إدراج حزب الله في إطار قائمة المنظمات الإرهابية، بينما يدرج حماس على هذه القائمة، حيث أعلن المسئول الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد خافيير سولانا في أثناء الحرب على لبنان أنه لا توجد أدلة تربط بين حزب الله والإرهاب؛ وهو ما دفع أكثر من 200 عضو بالكونجرس الأمريكي لإرسال خطاب إلى سولانا يحثه على مراجعة موقف الاتحاد الأخير، وهو ما رفضه مجددا الاتحاد الأوروبي على لسان الرئاسة الفنلندية الحالية.
وينعكس ذلك بدوره في اختلاف النهج الأوروبي المقترح للتعامل مع حزب الله عن النهج الأمريكي، وهو ما يظهر من الطرح الفرنسي المؤثر على مجمل الموقف الأوروبي في هذا السياق، والذي يؤكد على أهمية الحل الديمقراطي في لبنان بما يحقق اندماج حزب الله ضمن إطار القوى السياسية الشرعية، ويعكس اندماج حزب الله في التركيبة الطائفية والنسيج الاجتماعي اللبناني.
ومن ثم فإن الطرح الأوروبي بوجه عام أقرب إلى استيعاب دون استئصال حزب الله، مع خلق الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى تقليص نفوذه العسكري عمليا. ويرتبط ذلك بدوره برؤية أوروبا الأوسع لقضايا المنطقة ونهجها البرجماتي الذي يتجنب التصعيد المفتوح، ويعطي الاستقرار السياسي للمنطقة المتاخمة جغرافيا لأوروبا أولوية أكبر من التي يحظى بها في السياسة الأمريكية.
ومع انتهاء الحرب، والتوافق حول إرسال قوات دولية إضافية إلى لبنان تشارك فرنسا وإيطاليا بالنسبة الكبرى فيها، والتي بدأت طلائعها في الوصول إلى لبنان، يصبح تنفيذ تلك القوة لمهامها على أرض الواقع عاملا محددا لمستقبل المسعى الدولي لنزع سلاح حزب الله وبسط نفوذ الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وهما في واقع الأمر وجهان لهدف واحد. ويشكل هذا الهدف قاسما مشتركا بين مواقف القوى الدولية الكبرى تجاه حزب الله، وإن اختلفت فيما بين رؤية أمريكية تصمه بالإرهاب، ورؤية أوروبية لا تنزع عنه صراحة صفة المقاومة المشروعة أو تخلع عليه صفة الإرهاب، وإنما تتفق مع الرؤية الأمريكية في ضرورة "تطبيع الحالة اللبنانية"، وقصر الاستخدام المشروع للقوة العسكرية على الدولة اللبنانية.
خبير إستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتجية.
|