|
كان المفترض أن يفضي الحوار بين القوى السياسية الفلسطينية بمختلف أطيافها من أجل الوصول إلى جبهة سياسية موحدة تتولى رعاية القضية الوطنية وتحديد مسارها وأبعادها من حيث الأهداف وآفاق التطور النظامي الديمقراطي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية على حد سواء -إلى صدور وثيقة شاملة بخصوص الأبعاد المذكورة، تكون ملزمة لكل المشاركين من اثني عشر فصيلا تنتمي إلى شطري الحركة السياسية المعروفين بالتيار الوطني والتيار الإسلامي.
لكن ذلك لم يحدث. وهكذا مرت فرصة ثمينة لبناء إجماع فلسطيني عام طالما تحرّق إليه كل المتعاطفين مع النضال الممتد لهذه الحركة.
الجهود ما زالت قائمة في هذا الاتجاه، غير أن ما يعنينا في هذا المقام أن من أبرز أسباب عدم بلوغ الحوار لغايته النبيلة هو التباين حول "وسائل الكفاح" الفلسطيني في هذه المرحلة من تطور القضية الوطنية وما يليها.
وموجز الأمر أن حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين بخاصة رفضتا استثناء أي وسيلة لتحقيق الأهداف الفلسطينية، بما في ذلك العمليات العسكرية والاستشهادية.
خلاف حول الأصول
والحق أن هذا الخلاف ينتكس بالحوار الداخلي الفلسطيني إلى المربع الأول؛ لأن النقاش يتعلق بأصل من أصول الحركة السياسية سبق أن فعل فعله في شرذمتها.
نقول ذلك وفي الأذهان أن التناظر بشأن أنجع الوسائل الكفاحية قد تلصص إلى هذه الحركة منذ أن نبذت قيادة منظمة التحرير العنف في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وتفاقم ليصبح حالة مرضية حين تم توثيق هذا النبذ في مواثيق صيغة أوسلو وتوابعها.
ذلك أن أحد بواعث الشقاق بين أنصار أوسلو ومعارضيها في المجال السياسي الفلسطيني هو الخلاف القديم المتجدد بخصوص الوسائل الكفاحية؛ فأنصار أوسلو وكيانهم المتمثل بسلطة الحكم الذاتي وثقوا تعهدهم باستبعاد الكفاح المسلح بكل أنماطه؛ الأمر الذي أنكره المعارضون.
أكثر من ذلك أن وثائق أوسلو تتضمن معنى توظيف أنصارها وسلطتهم في مطاردة المعارضين، وبخاصة من يقرن منهم القول بالفعل ويسعى لاستمرارية الكفاح المسلح.
ومؤدى ذلك تأهيل الحالة الفلسطينية للصدام الداخلي، وهو محذور أو محظور كاد أن يقع لغير مرة وفى أكثر من مناسبة، لولا أن الوعي بتداعياته فلسطينيا وعربيا حال دون ذلك حتى وقتنا الراهن.
ولعل ذلك هو ما دعا البعض إلى الاستبشار بالحوار الأخير، على أمل أنه قد يضيق مسافة ما بين القوى السياسية بوازع الإجماع على المصلحة العليا للقضية الوطنية، ويبعد هاجس التنازع وشبح الاقتتال بينهما إلى غير رجعة.
بيد أن هذا الاستبشار كان مبالغا فيه، والأمل لا سند له في التحليل الصحيح؛ لأن الانشطار القائم بين المتحاورين لا يتعلق بتفاصيل أو فرعيات أو جزئيات من طبيعة سطحية، وإنما بأصول الحركة السياسية؛ ليس من حيث الوسائل فقط، بل أيضا من حيث الأهداف، وأسس النظام السياسي الفلسطيني، وعلاقاته الإقليمية والدولية، وآفاق التسوية السياسية مع إسرائيل.
إن التوافق والإجماع الفلسطيني على وسائل النضال يحتاج إلى تحولات مسبقة أو موازية تطال منظورات القوى المختلفة وفلسفتها للصراع مع الصهيونية وإسرائيل وحلفائها، وأسلوب معالجتها لهذا الصراع قتالا ومقاومة أو تفاوضا.
كما يقتضي هذا التوافق إعادة نظر شاملة في أنماط التحالف التي بناها فريق أوسلو الفلسطيني على الصعد العربية والإقليمية والدولية، وإياب هذا الفريق إلى المواثيق الوطنية التي تم هجرانها، كالميثاق الوطني الفلسطيني، ومقررات المجلس الوطني.
وفي أقل الفروض، سوف يتعين على السلطة الفلسطينية الارتداد الكلى عن منهجية أوسلو التي تتعارض والمقاومة المسلحة، وإجراء قطيعة مع المسار السياسي الجاري منذ مؤتمر مدريد.
وهذه الشروط ومثيلها تبدو بعيدة عن تفكير السلطة ومناصريها، فضلا عن أن حدوثها يعني إثارة قضايا وتعقيدات عربية ودولية أمام حركة التحرير الفلسطينية بالكامل؛ لأنها سوف تتحرك في سياق معاكس للاتجاه العام في هذين الصعيدين.
مع التيار أم ضده؟
هذه الملاحظة الأخيرة مهمة جدًا؛ لأن الجدل الفلسطيني حول استمرارية المقاومة المسلحة -بما فيها النمط الاستشهادي- وكذا حول الأهداف وقضية بناء النظام السياسي، لا يدور في بيئة عربية ودولية محايدة.
فهناك تأثيرات قوية لهذه البيئة على سيرورة هذا الجدل ومحتواه، ومصيره أيضا. والنظام العربي الرسمي بالذات بات يحمل لواء السلام كخيار إستراتيجي وحيد حتى الآن، ولا نحسب أنه يحبذ خيار المقاومة أو ينحاز إلى القوى الفلسطينية المستعصمة به. بل العكس هو الصحيح، بما من شأنه وضع المقاومين في موقع خصومة -حتى لا نقول عداء- مع هذا النظام.
التحليل والنتيجة ينطبقان على موقف النظام الدولي بزعامة الولايات المتحدة، التي تعيش حالة اتساق وشراكة كاملة مع الحليف الصهيوني الإسرائيلي.
وهكذا فإن دعاة الخيار السلمي التفاوضي فلسطينيا يخوضون معمعة الجدل بشأن وسائل الحركة الوطنية في مناخ خارجي مُوات لهم، فيما يقع معارضوهم، من التيار الإسلامي وأجنحته بالذات، في وضع ضاغط مضاد.
مؤدى هذا كله أن تفعيل خيار المقاومة -ولعله قدر وليس خيارا- بكامل طاقته الفلسطينية، أي بإجماع القوى المنغمسة في الشأن الوطني، يتطلب انعطافات بنيوية وفكرية بالغة الحدة، داخليا (فلسطينيا)، وعربيا، ودوليا، يصعب تصورها في الأجلين القريب والمتوسط.
وفي الوقت ذاته ليس من المتوقع أن تدع القوى المستعصمة بهذا الخيار السلاح جانبا وتنضم إلى ركب المفاوضين بلا بديل.
فهذا التحول يمس الأسس الفلسطينية الأيديولوجية والعقدية الدينية التي تحف بحركتها السياسية في ميدان القضية الوطنية.
إن الأخذ بأسباب الكفاح المسلح وصولا إلى الأنماط الاستشهادية، هو في صلب هذه الأسس. وترك هذا الجانب أو التسامح مع هجرانه، يضعف صدقية هذه القوى ويجوف سياساتها.
مرجعية القوة ومرجعية القانون
ثم إن التحالف الصهيوني الإسرائيلي الأمريكي، بممارساته وسياساته الإرهابية على مدار الساعة، ورغبته المشفوعة بعامل القوة في فرض الاستسلام الكامل على الجانب الفلسطيني، لا يترك فرصة لمعسكر خيار التفاوض كي يستقطب التأييد الشعبي الجارف وراءه، لا فلسطينيا ولا عربيا!
المراد بذلك أن هذا التحالف لم ينبذ استخدام القوة والعنف، وهو يسعى لتطويع المقاومة الفلسطينية (العربية)، فلماذا يتعين على هذه المقاومة أن تضع السلاح؟
يردد أنصار المقاومة هذا السؤال، ويردفونه بالقول بأن القوة هي المرجعية العليا للمفاوض الإسرائيلي، بينما يحاول الشريك الفلسطيني أن يتخذ من الشرعية القانونية الحقوقية الفلسطينية مرجعية له.
وقد ثبت يقينا على مدار عقد التفاوض أن الموازين تعمل لصالح الرؤية الإسرائيلية، فلماذا لا يعدل هذا الشريك إلى استخدام ما يتاح له من عناصر القوة اقتداءً بالنموذج الإسرائيلي ذاته؟
هنا يجيب التفاوضيون بأن موازين القوى لا تسمح للحركة الفلسطينية بهذه المعادلة. ويذهب بعض محازبيهم إلى أن الحديث عن استمرارية المقاومة في ظل هذه الموازين، هو عمليا انتحار فلسطيني!
نظرية الاستعمار والتحرير
مجمل هذا التحليل يشي بأن الترجيحات بين مفهومي التفاوض بلا مقاومة والمقاومة بلا تفاوض، ليس بوارد للوصول إلى نتيجة مجدية لقضية فلسطين في وقت قريب.
لقد انقلب الجدل حول هذه المسألة إلى إشكالية معقدة في وجه طموح الوحدة الوطنية الفلسطينية، ومع ذلك فإن أحد المداخل التي يمكن الاجتهاد بطرحها لمعالجة هذه الإشكالية هو الاحتكام إلى نظرية الاستعمار والتحرير، مع أخذ خصوصية الحالة الفلسطينية بعين الاعتبار.
خلاصة هذه النظرية
أولا:
إن موازين القوى بين القوة الاستعمارية وحركات التحرير كانت دوما في صالح المستعمرين.
ثانيا:
إنه لا مناص من التفاوض بين المستعمرين وحركات التحرر طالما أن أحدهما لا يتمكن من استئصال الآخر أو هزيمته بالكامل.
ثالثا:
اختلال موازين القوى والدخول في التفاوض السلمي لم يستتبعه تخلي واحدة من حركات التحرر عن أدوات المقاومة السلمية والعنيفة بحسب الظروف، قبل بلوغ أهدافها والاقتناع العام بهذه الأهداف.
رابعا:
حالة التحرر الوحيدة التي أسلمت قيادها للوسائل غير العنيفة هي الحالة الهندية، وهذه لا يقاس عليها فلسطينيا بأي قياس وليس هذا موضع التفاصيل. أما حركات اللاعنف الناجحة في شرق أوروبا قبل عشر سنوات فلا تتعلق بالاستعمار والتحرير، إنما بعملية التحول الديمقراطي.
خامسا:
العنف والقوة هما عماد القوى الاستعمارية بصفة عامة، غير أن نمط الاستعمار الصهيوني الاستيطاني يعظم القوة ويستند إليها ابتداءً وانتهاءً على نحو بالغ الاستثنائية، ويكاد يكون من المستحيل دحر هذا الاستعمار بأدوات التفاوض البحتة واللاعنف والمقاومة السلمية.
سادسا:
لم يسبق لأي مفاوض عن حركة تحرير من استعمار استيطاني بالذات أن بلغ غاياته وظهره مستند إلى الحائط. ورغم أهمية نصرة الرأي العام الدولي لحركات التحرير فإنه لا يكفى لتحقيق الاستقلال والتحرر؛ فالمفاوضات تترجم في كل الأحوال ثمرات النضال بكل الأدوات الممكنة دون استبعاد المقاومة العنيفة.
يستطيع المفاوض الفلسطيني الاسترشاد بهذا الإطار النظري التجريبي. ومناط فض إشكالية القوى الفلسطينية حول المقاومة والتفاوض السلمي هو القدرة على المزاوجة بينهما وفقا لأرقى أنواع التنسيق، بحيث يتم توظيف البندقية والاستشهاد في سياق إستراتيجي متفق عليه، وهذا أمر جائز وممكن وضروري، ومن أجله فليتنافس المتنافسون ويتحاور المتحاورون.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.
|