English

 

الاثنين. فبراير. 5, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
أهم الأخبار  

طبيعة المشروع الإيراني في المنطقة

د. باكينام الشرقاوي

نجاد وبوش لمن تكون الغلبة؟
نجاد وبوش لمن تكون الغلبة؟
ثمة عدد من الأوراق الإقليمية تمسك بها إيران بشكل شبه كامل، وهذه الأوراق تتسم بأنها تتكامل فيما بينها بما يمنح إيران نفوذا واضحا وتأثيرا حقيقيا في مختلف الملفات الإقليمية وفي سائر القضايا في إقليم الشرق الأوسط، بشكل غير مسبوق. والتوظيف الإيراني لهذه الأوراق يخدم المشروع الإيراني الإقليمي الجديد في المنطقة؛ لذا يمكن استشراف هذا المشروع من خلال قراءة وإدراك طبيعة التوظيف الإيراني لما تمتلكه طهران من أوراق إقليمية.

أوراق إيران الإقليمية

يمكن رصد أهم الأدوات التي تستخدمها إيران لبلورة دورها الإقليمي الجديد في منطقة الشرق الأوسط على النحو التالي:

أولا، العلاقات مع حزب الله، يعد حزب الله إحدى الأوراق الرابحة والداعمة لما يسمى معسكر المقاومة: إيران وسوريا وحزب الله وحماس. فقد مثّل الدعم المتواصل من قبل سوريا وإيران لحزب الله أحد أهم ملامح الخريطة الإقليمية الجديدة، وإن اختلفت درجة التمسك به والتشديد عليه من طرف لآخر. وقد أثبت هذا المحور (إيران- سوريا- حزب الله) استمرارية ملحوظة وصمودا في مواجهة الضغوط الدولية المتكررة والحذر والتحفظ الإقليمي.

وعلى الرغم من مغالطات بوش العديدة والتي ألقت باللوم على حزب الله في إشعال الحرب الأخيرة في لبنان وألقت على سوريا وإيران "كمؤيدين لحزب الله" مسئولية إنهاء الحرب، فإنها ولا شك مؤشر على أهمية هذا المحور الإقليمي كفاعل رئيسي في التفاعلات الإقليمية.

لم يكن العدوان الوحشي الإسرائيلي على لبنان لتأمين إسرائيل من خطر صواريخ حزب الله فقط، بل الأهم التمهيد لأي ضربة "وقائية" أمريكية محتملة ضد البرنامج النووي الإيراني. فقد رأى البيت الأبيض ضرورة نزع أسلحة حزب الله، خاصة الصواريخ لإمكانية استخدامها ضد إسرائيل في حالة تبني الخيار العسكري تجاه البرنامج النووي الإيراني. فقد أراد بوش تحقيق هدفين في آن واحد، تعقب إيران -كأحد محاور الشر- ومواقعها النووية من جانب، وتعقب حزب الله كجزء من الاهتمام بدمقرطة لبنان التي تعد "جوهرة الديمقراطية في الشرق الأوسط".

وعلى الرغم من تأكيد إيران مرارا أن دعمها لحزب الله دعم روحي وسياسي بالأساس، فإن التقارير الأمريكية تتحدث عن مساعدات إيرانية عسكرية مهمة لحزب الله. حيث ساعد المهندسون الإيرانيون حزب الله في إنشاء الأنفاق والمخابئ تحت الأرض وإمداد حزب الله بالأسلحة المتطورة (المضادة للدبابات والمضادة للسفن) وتدريب كوادره عليها. وكان الاعتقاد الإسرائيلي السائد أنه من السهولة ضرب هذه الأنفاق والصواريخ والمخابئ من الجو؛ الأمر الذي اعتبره الأمريكيون عرضا موجها لإيران. إلا أن مجريات المعركة على الأرض فاجأت الجميع، وأضحت الحملة الإسرائيلية التي واجهت صعابا غير محسوبة بمثابة إنذار للبيت الأبيض لا لإيران. فإذا كانت أقوى قوة عسكرية في المنطقة قد عجزت أمام دولة صغيرة مثل لبنان -4 ملايين نسمة- فكيف يمكن مواجهة دولة مثل إيران تملك عمقا إستراتيجيا كبيرا وسكانا يربو عددهم على السبعين مليونا.

إن صمود حزب الله الذي غيَّر حسابات الكثيرين، وقدرته المتواصلة على ضرب شمال إسرائيل بالصواريخ بالرغم من الضرب الإسرائيلي الضاري وجّهت ضربة قاسية لمن يؤمن داخل البيت الأبيض بضرورة استخدام القوة ضد إيران وللقائلين بأن القصف الجوي على إيران سيخلق حالة من العصيان الداخلي ويقود إلى الثورة.

ومن ثم فقد قدمت الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان فرصا إقليمية إضافية لإيران، عكس ما كان مخططا له من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، حيث "انقلب السحر على الساحر". وهنا أضافت التطورات الأخيرة تعضيدا إضافيا لمكانة إيران الإقليمية وزادت من قوتها على الردع دوليا -خاصة تجاه الولايات المتحدة- وانجلى ذلك بوضوح في اختيار إيران هذا التوقيت بالذات للإعلان عن تدشين مصنع لإنتاج المياه الثقيلة في آراك. ففي هذه اللحظة الفاصلة بالذات، يمكن لإيران أن تجني ثمار المناخ العربي غير الرسمي العام الداعم لمفهوم المقاومة والمدرك لإمكانياتها من جانب وأن تستفيد من صدمة المفاجأة التي فجّرها صمود حزب الله وجعل إسرائيل والولايات المتحدة تعيدان كثيرا من حساباتهما وتتحسسان الطرق الجديدة الواجب اتباعها لإحكام السيطرة على المنطقة.

ثانيا، بالنسبة للملف العراقي، لعل نية إيران أصدق ما تكون في الدفاع عن حكومة ديمقراطية منتخبة في العراق بسبب الأغلبية الشيعية في النسيج المجتمعي العراقي التي تسمح على الأقل بوجود حكومة ذات أغلبية شيعية لا تناصب إيران العداء إن لم تكن حليفا لها.

وقد قدمت المسألة العراقية بعض الفرص للنظام الإيراني من أهمها وجود نفوذ إيراني في الجنوب الشيعي العراقي -حتى وإن اختلفنا حول مداه وعمقه. فكثيرا ما يتم تناول الحضور الإيراني الخاص في هذه المنطقة على أساس أنه تدعيم لدور إيران الإقليمي في محاولته لموازنة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.

معادلة شاقة

وأصبح على إيران تحقيق المعادلة الصعبة: استثمار موارد نفوذها في الجنوب العراقي للدرجة التي تدعم من الدور الإيراني في المنطقة وتوسع من الحضور الإيراني، ولكن إلى الحد الذي لا يستثير عداء أمريكيا مفتوحا وبالدرجة التي تستمر معها الحاجة الأمريكية لإيران في الساحة العراقية.

ومن هنا رغبت الولايات المتحدة في التوافق مع إيران حول دور الشيعة في عراق المستقبل؛ ففي سعيها لمجابهة المقاومة السنية ترتكز واشنطن على الدور الكردي والشيعي في العراق. بل احتاجت واشنطن أكثر للتفاوض مع إيران لبحث كيفية إدخال السنة في المعادلة السياسية لتحييدهم وليس مع القوى العربية. ففي جميع الأحوال، تحولت إيران لأن تكون القوة الإقليمية الرئيسية الفاعلة في العراق في ظل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية واحتكارها للتخطيط المستقبلي لعراق ما بعد صدام وتحييد إن لم يكن إبعاد القوى العربية عن الساحة العراقية، اللهم إلا بالقدر والشكل اللازم لتأمين الوجود الأمريكي وفي التوقيت والكيفية التي تراها واشنطن.

ويجب ألا نغفل أن إيران تمتلك ورقة ضغط على مستوى آخر في إطار الشأن العراقي وهى إمكانية ضرب القوات الأمريكية في العراق مباشرة -إذا ما تأزمت الأمور-، فعلى سبيل المثال يمكن لإيران تحويل 130 ألف جندي أمريكي في العراق وحدها إلى شبه رهائن،
خاصة في ظل وجود بعض عناصر الحرس الثوري في جنوب العراق، وهو ما أشار إليه رافسنجاني عندما سئل عن مخاطر محاصرة القوات الأمريكية لإيران من كافة الجهات حيث علّق بتساؤل آخر مؤداه من يحاصر من؟.

ثالثا، فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي فإن إيران تبدي اهتماما بهذا الصراع ليس لمحض البعد العقائدي والديني بل بناء على حسابات الأمن القومي الإيراني؛ فقد أضحت فلسطين خط مواجهة أساسيا على مستوى التوازنات الإستراتيجية الإقليمية. ويعد الموقف الرافض للوجود الإسرائيلي من أهم المؤشرات الدالة على درجة عالية من الاستمرارية في الموقف الإيراني.

كما أن الموقف الإيراني المعلن من القضية الفلسطينية لم يتغير ولم تتبدل الرؤية الإيرانية لوسائل الحل الحاسمة: وهي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة، وعودة جميع الفلسطينيين، وإقامة استفتاء ديمقراطي حر وإنشاء حكومة مستقلة في القدس تعبر عن المسلمين والمسحيين واليهود. إلا أنه في ظل استقرار هذه الرؤية الفكرية، تتغير السياسات المرحلية وفق مقتضيات كل فترة.

ولذا يمكن ملاحظة أن إيران في أواخر التسعينيات وخاصة بعد أحداث سبتمبر باتت تتلافى في أحيان كثيرة توجيه النقد اللاذع لمن يخطو خطوات تجاه التسوية السلمية لحل الصراع العربي الإسرائيلي. بل سعت في أحيان أخرى إلى تهدئة الأوضاع، كما دلت مساعي إيران خلال ما سمي بثورة الأرز لتهدئة ردود أفعال حزب الله وتركيز نشاطه كمؤسسة سياسية.

كما أن حماس تعتبر وهي في السلطة أحد أبعاد تدعيم النفوذ الإيراني والتدليل على محورية دور المقاومة -التي تمثل إيران أحد رموزها في المنطقة-. وقد كانت إيران أولى الدول التي قدمت مساعدات إلى حكومة حماس بحوالي مائة مليون دولار؛ الأمر الذي مثّل ضغطا غير مباشر على الدول العربية، حيث تلتها قطر بتقديم عشرين مليون دولار.

رابعا، بالنسبة لورقة النفوذ الشيعي، تشير بعض الآراء إلى إمكانية استخدام إيران الأقليات الشيعية في دول الخليج؛ فسيناريو الصعود السياسي للشيعة والذي يخدم النفوذ الإيراني لا يقتصر على العراق فقط بل يمتد لدول خليجية أخرى. كما تحدثت قيادات سعودية وأردنية عن الهلال الشيعي وضرورة الانتباه إلى مخاطره، إلا أنه من الملاحظ أن التركيز على البعد المذهبي للمنافسة بين إيران والدول العربية انطلق أساسا من أصوات عربية، والتي تبدو مستفيدة من إحياء هذا التمييز وتعظيم الإدراك به.

وقد امتد الأمر في إثارة الشق المذهبي إلى أن بدأت أصوات بعض الوجوه الدينية السعودية خلال الضرب الإسرائيلي للبنان تعلن أن المسألة ليست سياسية بل مذهبية: أطلق الشيخ عبد الله بن جبرين فتواه التي تحرم على المسلم الانضمام أو الدعم أو حتى الدعاء لحزب الله. إلا أنه على الجانب الآخر، نلاحظ تجاهلا إيرانيا للمسألة المذهبية في الخطابات الإيرانية الرسمية على تنوعها في مقابل التركيز على البعد الإسلامي في سياساتها الخارجية.

الطموح النووي الإيراني

خامسا، البرنامج النووي الإيراني، تتوجس الأطراف الإقليمية خاصة الخليجية تجاه البرنامج النووي الإيراني، خاصة أن البرنامج السلمي للطاقة النووية قابل للتحول إلى الأغراض العسكرية متى توفرت الإرادة السياسية لذلك -حتى وإن كان هذا التطور يستلزم أيضا خطوات أخرى مهمة أكثر تعقيدا من الناحية التكنولوجية والعسكرية. وعند إثارة إشكالية الاستخدامات العسكرية لبرنامج إيراني النووي (إذا جرى التسليم بذلك)، كان التساؤل الرئيسي ما الهدف من استخدامه؟ ومع من؟ وهو موجه ضد من؟ واقتربت الإجابة من أحد احتمالين أو كليهما: أما الردع فهو موجه للدول النووية الأخرى في الدائرة الإقليمية لإيران وعلى رأسها إسرائيل ثم الهند وباكستان. وأما الابتزاز فسيوجه للدول غير النووية في المنطقة وعلى رأسها الدول الخليجية التي تعاني مجتمعة من خلل إستراتيجي كبير مع إيران على كثير من الأصعدة.

إن استمرار إيران في برنامجها النووي بنجاح -حتى لو ظل مقصورا على الاستخدامات السلمية- سيعيد هيكلة التوازن الإقليمي، بما يمنح إيران قولا في الصراعات الإقليمية وفي تحديد أولويات المنطقة وسيمتد الأمر للتأثير على مسارات التنمية في المنطقة؛ وهو ما يعني التأثير في مكانة إسرائيل سلبا؛ وهو الأمر الذي يزيد من "عصبية" الولايات المتحدة ومن تعنتها في التعامل مع هذا الملف.

ويجب الإشارة إلى أن السياق الإقليمي للملف النووي الإيراني ما زال يطرح قيودا كثيرة بالرغم من زيادة الفرص الإقليمية أمام إيران. فقد قابل عدد من الأطراف الإقليمية تطوير إيران لبرنامجها النووي بعدم الترحيب؛ فعلى سبيل المثال استخدم وزير الخارجية الم. كما أن الخليجيين يرون في مد النفوذ الإيراني تهديدا لأمنهم القومي وليس لردع إسرائيل -ولهم الحق في تعريف مفهوم أمنهم القومي الذي قد يختلف عن رؤية دول المشرق العربي.صري لفظ "غير مريح" للتعبير عن التطورات في هذه القضية

دور إقليمي إيراني أوسع

وفي النهاية يجب الانتباه إلى تزايد الفرص أمام دور إقليمي إيراني أوسع وتنوع وتكامل الأوراق التي تستخدمها إيران من أجل خلق بيئة إقليمية مواتية أكثر لمصالحها، وبما يصب في خدمة مشروعها الإقليمي الذي من شأنه الصعود بإيران كقوة إقليمية أولى في الشرق الأوسط، وهي جميعها أمور مشروعة لكل دولة تبحث عن صيانة وتعظيم مصالحها.

غير أن ما يستوجب التأكيد عليه هو أن الملف النووي الإيراني له وجهان لا ينفصلان في سبيل تأثيره على مشروع إيران الإقليمي؛ فحوزة إيران للسلاح النووي تعني موازنة القوة النووية الإسرائيلية ولكن أيضا تخلق خللا رهيبا في التوازن الإستراتيجي في الخليج.

إلا أنه بسبب خصوصية الوضع الجغرافي وحساسية هذه المنطقة لأي اختراق إيراني محتمل من أي نوع، تسعى الدول الخليجية لعدم توجيه ضربة عسكرية ضد إيران بالرغم من الضغوط الأمريكية، حيث إن الدول الخليجية ستكون أول المتضررين -شاءت أم أبت. فتحقق مثل هذا الخيار العسكري يعني إقدام إيران على استخدام أدوات خطيرة في الصراع مثل ضرب آبار البترول الخليجية أو إغلاق مضيق هرمز، بما يشكل تهديدا خطيرا للمصالح الحيوية لدول الخليج.


مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات