|
| بعد لبنان هل تشتعل الحرب مع إيران؟
|
بعد الاستفاقة من أثر الصدمة نحتاج إلى وقت طويل لمعرفة خفايا وملابسات الحرب الإسرائيلية على لبنان من جهة ومحاولة استشراف ملامح الفترة الآتية في ضوء تداعيات هذه الحرب على غير جهة وأكثر من صعيد.
ويمكن حصر هذا الجانب التحليلي بالجولات الارتدادية للزلزال المدمّر الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية، من جهة، واستطرادًا: ماذا عن الآتي إلينا وإلى المنطقة في ضوء المنازلة الأمريكية - الإيرانية بعد انتهاء فترة الإنذار الوارد في قرار مجلس الأمن الدولي عند منتصف ليل الخميس - الجمعة كموعد أخير لإعلان طهران عن وقف كل أعمالها وبرامجها بكل ما يتصل بتخصيب اليورانيوم.
وحتى كتابة هذه السطور ليس ما يوحي في الأفق القريب أو البعيد تسجيل أي تراجع فعلي عن المواقف المتصلبة ما بين السلطات الإيرانية والولايات المتحدة ومعها مجموعة من الدول الأوروبية.
نذر حرب إقليمية
والتساؤل الكبير الذي ساد الأجواء خلال العدوان الإسرائيلي والمرحلة التي أعقبت ذلك وهو: هل المنطقة مقبلة على حرب إقليمية؟
إن التبصر في دقائق الأمور وتفصيلاتها يفيدنا بوضوح أن ما جرى حتى الآن هو حرب إقليمية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تكرار ما ورد من واشنطن ومن إسرائيل من أن الحرب الإسرائيلية - الأمريكية كانت بالإضافة إلى مواجهة عناصر "حزب الله"، الأسلحة الإيرانية والدعم السوري. وانطلاقًا من هذه الفرضية فإن أمريكا ستعتبر ما يمكن أن تقدم عليه في مسألة التعاطي مع "الحالة الإيرانية" هو من قبيل ردة الفعل!.
ومن حق المواطن العربي "والشرق أوسطي" أن يسأل ما إذا كانت رياح الحرب ستتجه نحو إيران بعد لبنان؟ خاصة أن لهذا التساؤل الشرعية والحيثيات والأسباب والاعتبارات الموجبة له.
وطالما أن الحرب على لبنان كانت بالأصالة عن إسرائيل وبالوكالة عن الولايات المتحدة، فلا شيء يمنع الشركاء في حالتي الحرب والسلام متابعة العمل المشترك، طالما أن إسرائيل إيهود أولمرت باعت، وأن أمريكا جورج دبليو بوش اشترت المعادلة التي تقول بأن ما يجري في لبنان وربما لاحقًا في إيران! يتصل اتصالاً مباشرًا بسلامة الأمن القومي الأمريكي.
وإذا ما وضعنا الأمور على مقياس مخططات وتوجهات الرئيس الأمريكي والتصور الذي يعمل عليه والمتعلق بتركيبة الشرق الأوسط الجديد، بحضور وإشراف مباشرين من جانب القابلة القانونية! المشرفة على عملية الولادة الدكتورة كوندوليزا رايس، إذن لو جمعنا كل هذه المعطيات دفعة واحدة لخرجنا بمجموعة من الوقائع والحقائق.
تدويل المسألة اللبنانية
بعد تواصل اكتمال إعداد القوات الفرنسية والإيطالية وانضمامها إلى ما تبقى من عناصر "اليونيفيل"، يكتمل نصاب "التدويل" في لبنان. وليس مطلوبًا من الغيارى المزايدين في الشأن الوطني ألا يعترفوا بذلك؛ لأن ما كتب قد كُتب... ولأن الكتائب العسكرية تمخر عباب اليمّ عبر ناقلات الجنود المولجة بهذه المهمة.
ولا ننسى أن هذه القوات نفسها كانت لأيام قليلة خلت في حالٍ من التردد طبعًا وفق تصور صناع القرار من السياسيين، فوجدنا الرئيس جاك شيراك يأمر بإرسال مائتي جندي فقط... وكذلك كان الحال مع إيطاليا، وتبدلت الصورة.. الأمر الذي يؤكد حدوث تطورات ما وتداولات معينة أدت إلى مثل هذا التغيير، على أن تتولى فرنسا قيادة القوات في جنوب لبنان لغاية الشهر الثاني من العام المقبل 2007، وبعدها تنتقل القيادة إلى إيطاليا.
وقد لا يكون الأمر مستعصيًا على الفهم السياسي لبعض ما يجري كي نلاحظ وجود حالة من صراع النفوذ عبر المشاركات في القوات الدولية والتي ستعرف باسم "نيو يونيفيل". كيف؟
- بالنسبة لفرنسا فهي ترحب ولا شك بعودة دورها التاريخي والتقليدي إلى لبنان، كما يؤكد ترجمة أماني الرئيس الفرنسي الشخصي والسياسية حيال لبنان.
- بالنسبة إلى إيطاليا هذا الحليف الجديد لخلافة القيادة الدولية اعتبارًا من شهر فبراير 2007. وكذلك كان الأمر مع رومانو برودي رئيس الوزراء الإيطالي عندما بدا متحمسًا لإرسال عدد كبير من القوات الإيطالية، ثم جرى التعديل المعلوم في المواقف. والحقيقة التي يجب أن تقال إن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 وبما حفل من غموض وضبابية جعل باريس وروما تتأكدان من سلامة وأمن القوات المرسلة إلى الجنوب اللبناني حتى لا يتعرضوا إلى المواجهة مع عناصر مسلحة.
وقد ساعد التفسير الذي صدر عن الأمم المتحدة والقائل إنه ليس من صلاحية هذه القوات تجريد سلاح "حزب الله" فساد الشعور بالطمأنينة. إلا جورج بوش، وجون بولتون، حيث يجري العمل على استصدار قرار ثان يركز بشكل خاص على محور القرار 1559 والمتصل بنزع سلاح "حزب الله"، ونكمل لائحة المشاركين في القوة الدولية. فهناك تركيا التي أعربت وباندفاع عن رغبتها في المشاركة الأمر الذي يكرس بروز دور جديد لتركيا أكثر فعالية، سواء لجهة تشجيع التيار الإسلامي الوسطي والمعتدل، أو لجانب سعي تركيا أكثر فأكثر وتقريب رحلة انضمامها إلى مجموعة السوق الأوروبية المشتركة. فضلاً عن أي دور تركي يحظى بتأييد الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية إجمالاً. كذلك يجب عدم نسيان استعداد دول إسلامية أخرى إلى قوات حفظ السلام كإندونيسيا ومثل هذه المشاركة من شأنها أن تبدد الصورة النمطية عن "الإسلام الإرهابي"!.
وفي ضوء إجراء هذه الجولة البانورامية قد يصل بنا التحليل والاستنتاج إلى ما يلي:
هل إن حرب لبنان والثمن الباهظ الذي دفعه الوطن كل الوطن سيؤدي إلى بوابة تفضي نحو سلام إقليمي؟
وتكمن أهمية مثل هذا التساؤل الكلام الذي يتردد عن احتمال فتح باب التفاوض بين إسرائيل وسوريا لتقرير مصير مرتفعات الجولان. وهنا يندرج الخبث الإسرائيلي عندما يُصِرّ إيهود أولمرت على إجراء مفاوضات مباشرة مع الحكومة اللبنانية لحل القضايا العالقة. ويطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي هذه الفكرة ويعلم جيدًا أن لبنان لن يوافق بأي حال -الآن- على عقد أي نوع من أنواع المفاوضات المباشرة.
إن الحرب تفرز في العادة حقبة سلام، لكن في... "الحالة اللبنانية" لا ينطبق عليها هذا الأمر بهذا الشكل. بل ما يخشى منه أن يكون للعدوان الإسرائيلي العديد من الإفرازات من نوع آخر هو مزيج من التأجيج ومن التصعيد ومن الاختلافات في الآراء على كبائر الأمور وعلى صغائرها.
إسرائيل.. ضياع ومراجعة ذات
لقد عمد أولمرت إلى إطالة أمد الحصار المفروض على لبنان جوًّا وبحرًا وهو بذلك يمضي في مسلسل العقاب الجماعي للشعب اللبناني، علمًا بأن هذا الموقف المزاجي والحاقد يخالف مضمون القرار 1701.
لقد كان الموقف في قمة الذل والهوان عندما أصرّ إيهود أولمرت على إعلان متابعة الحصار على لبنان وإلى جانبه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان مصغيًا إليه دون إبداء أي تعليق، وهو الذي وصف استمرار الحصار بأنه حالة من الإذلال!.
لقد أطلق الرئيس نبيه بري في احتفال ذكرى غياب الإمام موسى الصدر صيحة مدوية مطالبًا بتحدي هذا الحصار، ويبقى انتظار معرفة ردة فعل أولمرت الذي ما زال يمضغ الفشل السياسي الذي أصابه، والفشل العسكري الذي أصاب جيشه في الحرب العدوانية ضد لبنان.
وفي محاولته امتصاص أو احتواء موجة الغضب العارمة في إسرائيل عمد في الأيام الأخيرة إلى إدخال تعديلات جذرية على تصريحاته وآخر ما قاله... "لم يكن تدمير "حزب الله" هو هدف الحرب... إن الأمور كلها لم تَسِر على ما يرام وكما كنا نرغب. لم نكن مستعدين ولم نحقق دائمًا الأهداف المتوخاة... أكرر.. الأمور لم تسِر كما يجب!".
هذا مسئول إسرائيلي بارز يُقِرّ بالفشل. ولا بأس من إضافة تعليق وزير خارجية فرنسا فيليب دوست بلازي الذي قال فيه: "إن الضياع ومراجعة الذات يسودان إسرائيل بعد الحرب الأخيرة".
وفي المناسبة يجب التوقف عند ظاهرة لافتة. فقد عمدت الدوائر الإسرائيلية إلى تعميم معلومات مضللة عن الخسائر التي أصيبت بها شأنها في ذلك شأن الإعلام العربي في نكسة حزيران 67 وحتى أيامنا هذه.
لقد كتب آري شافيت في صحيفة "هاآرتس"... "ما الذي يتوجب فعله؟ منع استئناف الحرب في لبنان والانتصار فيها إذا تجددت بالرغم من ذلك. منع اندلاع الحرب مع سوريا وإحراز الانتصار عليها فيها. منع حصول إيران على القنبلة النووية وردعها إذا أصبحت دولة نووية عظمى. إعادة بناء الجهاز السياسي فورًا وإيجاد قيادة وطنية جماعية وبلورة إستراتيجية قومية بين ليلة وضحاها. إحداث تغير في النظام الحاكم. قيادة ثورة إقليمية وإعادة بناء الجمهورية الإسرائيلية".
وهذا الكلام ليس إلا ذلك النموذج عن موجة الانتقاد العارمة التي يتعرض لها إيهود أولمرت ووزير الدفاع عمير بيريتس، والآن ضم إلى اللائحة وزيرة الخارجية تيسيبي ليفني.
ما بعد النكسة
وطالما أن إسرائيل هي في موقع الهزيمة فلا بد لها أن تبحث عن "انتصار بديل عن الضائع" والتوقعات تندرج ضمن السياق والبنود التالية:
- محاولة انقضاض إسرائيل على "الوضع الإيراني" والقيام بهجوم خاطف لها وللولايات المتحدة تحت شعار أن إيران النووية تشكل خطرًا على الأمن القومي الإسرائيلي وعلى أمن الولايات المتحدة... والسلام العالمي، معيدة بذلك ما فعلته طائراتها في حقبة الثمانينيات عندما قصفت مفاعل تموز في العراق.
وإذا ما تمكنت من ذلك رغم عامل المغامرة الذي تنطوي عليه هذه الخطوة فإنها تعيد إلى الشراكة الإسرائيلية - الأمريكية بعض الاعتبار بعد حرب لبنان.
- إن حرب إسرائيل في لبنان لم تنتهِ بعد، فهي تُعِدّ لها فصولاً من نوع آخر غير التدمير الهمجي الذي اعتمدته كاللجوء إلى سياسة خطف أو تصفية بعض العناصر القيادية سواء من "حزب الله" أو من الوجوه اللبنانية البارزة. يضاف إلى ذلك أن إسرائيل لم تنسحب نهائيًّا من الأراضي اللبنانية وهي التي تركت ما يزيد على مائة ألف لغم وشظايا من القنابل العنقودية التي يمكن أن تنفجر عند لمسها. لذلك سيعاني لبنان طويلاً من الانتقام الإسرائيلي.
- ستترك الآن الساحة أمام فريق المحافظين الجدد في أمريكا مقابل فريق المحافظين القدامى والجدد في إيران؛ لتجنب وقوع المواجهة العسكرية إذا أمكن وإلا... وفي هذه السياق ظهرت مقالات تحليلية إسرائيلية جاء في بعضها ما يلي: "... من فشل في العراق إلى سقوط في غزة... إلى الهزيمة في لبنان: المحافظون الجدد في أمريكا ألحقوا ضررًا فادحًا بسياستهم الشرق أوسطية، والآن يأتي دور أتباعهم في إسرائيل لإكمال المهمة".
- وفي العودة إلى لبنان الطالع من تحت ركام الحقد الإسرائيلي فالمؤمل ألا تقتصر عملية إعادة بناء الجسور على الطرق التي تعيد أوصال الوطن إلى بعضها البعض، بل أن يتعدى ذلك إلى عملية بناء الجسور الوطنية بين مختلف أطياف الشعب اللبناني؛ ليعود الترابط الفعلي لا الشكلي بين الزعماء الوطنيين لا أن تستأنف فصول التناحر على مكاسب صغيرة وعلى مناصب أصغر.
المنطقة بين رهانين
فإذا كان اللبنانيون لن يخرجوا من هذه الحرب بالكثير من العبر لإعادة لبنان الجديد: البشر والحجر، فإن تكرار الحروب والمآسي هو الذي ينتظرهم لا سمح الله.
لذا المطلوب الترفع إلى أقصى درجات الوطنية والتفاني الحقيقي في سبيل لبنان واللبنانيين؛ إذ يكفي لبنان تكرار مسلسل: التعمير ثم التخريب... ثم إعادة التعمير... لإعادة التدمير من جديد، وهكذا...
سئل بن جوريون رئيس الوزراء المؤسس لدولة إسرائيل: متى تكون آخر الحروب؟ أجاب: عندما تزول إسرائيل من الوجود. باعتبار أن هزيمة إسرائيل في حرب واحدة تعني نهايتها.
وتبقى المنطقة حبيسة الرهانين: بين إصرار الرئيس محمود أحمدي نجاد على تخصيب اليورانيوم ودخول نادي الكبار النوويين، وتهديدات الرئيس جورج دبليو بوش الباحث عن أي انتصار في المنطقة مقابل الغوص الخطر في المستنقع العراقي.
*نقلاً عن جريدة الحياة بتاريخ 3-9-2006.
|