English

 

الخميس. يناير. 26, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
أهم الأخبار  

القمة 6 للاتحاد الإفريقي.. رضوخ للغرب

محمد جمال عرفة

القادة الأفارقة لدى افتتاح القمة السادسة للاتحاد الإفريقى بالخرطوم
القادة الأفارقة لدى افتتاح القمة السادسة للاتحاد الإفريقى بالخرطوم
قررت القمة الخامسة للاتحاد الإفريقي التي عقدت في مدينة سرت بليبيا (يوليه 2005) أن يتم الأخذ بنظام الانتخاب لاختيار رئيس الاتحاد الإفريقي ومبدأ التناوب على الرئاسة بين الكتل الإفريقية (الشرق والوسط والشمال والجنوب والغرب). وبعد نحو 6 أشهر فقط على اتخاذ هذا القرار، قررت القمة السادسة الأخيرة التي انعقدت في السودان (23-24 يناير 2006) تأجيل هذا التناوب وإلغاء حق "الشرق" في الرئاسة هذا العام، و"اختيار" أنجولا من "الوسط" رغم عدم رغبة الرئيس الأنجولي كما قيل، وبالتالي حرمان الخرطوم من الرئاسة التي ترشحت لها.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما معنى أن يعلن البيت الأبيض والخارجية الأمريكية والرئيس "بوش" معارضتهم لانتخاب السودان والرئيس عمر البشير رئيسا للاتحاد الإفريقي قبل ساعات فقط من قمة الخرطوم، ثم تثير عدة دول إفريقية تلك الإشكالية رغم أن السودان المرشح الوحيد للرئاسة، لتستنزف القمة مشاورات اليومين في بحث الخروج من مأزق الهيمنة الأمريكية على قمة الاتحاد وتقرر في النهاية استبعاد الرئيس البشير وتأجيله للعام المقبل.

لقد وصلت التدخلات الأوربية "الخفية" والأمريكية "العلنية" في شئون الدول الإفريقية لاستبعاد السودان من رئاسة الاتحاد حد إعراب الرئيس الأمريكي عن "قلقه" من تولي السودان الرئاسة في الوقت الذي كانت فيه لجنة رئاسية إفريقية سباعية تقرر من سيتولى الرئاسة، ثم إشادة واشنطن باستبعاد السودان من رئاسة الاتحاد، ما أظهر الاتحاد كأنه استجاب للرغبة الأمريكية.

عدم استقلالية القرار الإفريقي

 

 الرئيس السوداني عمر البشير في أثناء كلمته في افتتاح القمة السادسة للاتحاد الإفريقي

ومع وجاهة السبب الذي دعا بعض الدول الإفريقية للاعتراض على تولي السودان رئاسة الاتحاد الإفريقي، وهو أن حكومة البشير ستكون في حال توليها الرئاسة الحكم والخصم في آن معا، أي سيكون عليها بحكم رئاستها للاتحاد حفظ الأمن في إقليم دارفور، والتفاوض مع متمردي دارفور، فإن طريقة تناول قضية رئاسة السودان والتركيز على هذه المسألة كان أقرب لأن يكون استجابة للضغوط الأمريكية، خاصة أن واشنطن اعتبرت أن القرار "يبعث برسالة واضحة تفيد بأن المنظمة الإفريقية التي تضم 53 دولة لن تقبل بانتهاكات حقوق الإنسان".
ومعلوم أنه قد سبق للسودان أن تولى رئاسة منظمة دول مكافحة التصحر والتنمية (إيجاد) التي تضم دولا من شرق إفريقيا، في وقت كانت هذه المنظمة تلعب دورا مهما في حل مشكلة النزاع في جنوب السودان بين الخرطوم وحركة التمرد الجنوبية، ولم يعترض أحد وقتها أو أثرت رئاسة السودان على مسيرة التفاوض لحل مشكلة الجنوب التي انتهت بتوقيع اتفاقات ماشاكوس ثم نيفاشا.

المقارنة بين الحالتين توضح أن أخطر ما أظهرته معركة رئاسة الاتحاد الإفريقي الأخيرة -رغم تجاهل البعض إبراز أن الضغوط والاعتراضات كانت من جانب دول إفريقية وليست أمريكية بالوكالة- هو عدم استقلالية القرار الإفريقي، وتبعيته للغرب، وأن القلق والرغبة التي أعلنها الرئيس الأمريكي بعدم انتخاب الدول الإفريقية للسودان تحولت إلى أمر واقع و"قرار" جرى تنفيذه على الفور؛ ما يشوه صورة الاتحاد الإفريقي الاستقلالية.

أيضا أظهرت هذه النتيجة أنه حتى أكثر مؤيدي السودان مثل مصر وليبيا ودول شمال وشرق إفريقيا، لم يصمدوا في وجه هذه الضغوط الأمريكية واختاروا توجيه النصيحة للسودان بالبحث عن مخرج أو حل وسط لهذه الأزمة بما يظهر الاتحاد كأنه متعاف لا منقسم!.

ودفع ذلك الموقف بعض المراقبين إلى تفسير غياب الرئيس المصري حسني مبارك الذي تدعم بلاده رئاسة السودان للقمة الإفريقية والذي أضعف فرص السودان، بأنه لا يرجع إلى إصابته بنوبة برد كما أعلن المتحدث باسم الرئاسة المصرية، وإنما يعود، كما أعلن مصدر دبلوماسي مصري لصحيفة المصري اليوم، إلى "الضغوط الأمريكية على الدول الإفريقية لرفض رئاسة السودان للاتحاد الإفريقي في دورته الحالية، حيث ترى واشنطن أن السودان ليس كفئا وهو أمر يتعارض مع ورقة مصر التي ترى أحقية السودان في رئاسة الاتحاد وحضور الرئيس مبارك كان سيعني إحراجا لمصر".

أسباب الضغوط الغربية

ويمكن إرجاع هذا الموقف الغربي، وتحديدا الأمريكي، تجاه مسألة رئاسة السودان للاتحاد إلى أنه رغم "شكلية" رئاسة الاتحاد الإفريقي، فإنها ميزة سياسية للدولة التي تتولى الرئاسة لأنها أشبه بالاعتراف بمكانة هذه الدولة ورئيسها، وبالتالي جواز مرور لها نحو العالمية بحكم اتصالات رئيس الاتحاد بالمنظمات والمؤسسات الدولية والدول الكبرى. وتولي السودان كان سيعني رفضا إفريقيا لسياسة الحصار الأمريكية والعقوبات عمليا، كما أنه سيعطي الخرطوم ميزة الندية في علاقاتها مع الغرب، وهو ما ترفضه واشنطن ودول أوربية عديدة تسعى لاستعمال أساليب الضغط السياسية ضد السودان.

وربما ما يؤكد هذه الحقيقة هو قول الرئيس البشير في كلمته أمام الرؤساء الأفارقة إن السودان يتطلع إلى دور إفريقي أعلى صوتا في عمليات صنع القرار داخل المؤسسات النقدية والمالية الدولية وفي الأمم المتحدة، ما يشير ضمنا لرغبة السودان في قيادة الاتحاد الإفريقي في اتجاه عالمي للتأثير في عمليات صنع القرار في العالم تجاه القارة الإفريقية وهو ما كان يقلق دولا غربية سعت لتحجيم دور حكومة السودان خاصة أنها تعتبرها ذات توجه إسلامي.

وقد نفذت الرغبة الأمريكية رغم سعي البشير لإزالة هذه المخاوف الغربية من توليه رئاسة الاتحاد عبر سلسلة إجراءات عملية، أبرزها انضمام السودان للآلية الإفريقية للمتابعة ومراجعة الحكم (نيباد) التي تنص على عدة إجراءات تصب في خانة احترام حقوق الإنسان، والتشديد على الالتزام بقضايا حقوق الإنسان واحترام المرأة.

ويبقى السبب الأكثر بروزا لنزوع الإفريقيين نحو تحقيق الرغبة الأمريكية هو اعتماد الكثير من الدول الإفريقية على المعونات والمساعدات الأمريكية في ظل سياسة التغلغل الأمريكية النشطة الجديدة في القارة الأفريقية كأحد أعمدة الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في العالم باعتبار إفريقيا منجما للمواد الطبيعية والمعدنية وبحيرة جديدة للنفط الذي ثبت وجوده في العديد من الدول، وربما يضاف لهذا السبب خشية بعض الدول الإفريقية والولايات المتحدة استمرار الحكومة السودانية في نشر أفكارها لدى دول الجوار رغم مشاركة وزراء جنوبيين بالحكومة السودانية.

نتائج القمة الإفريقية

أثرت قضية رئاسة الاتحاد الإفريقي سلبا على أعمال القمة السادسة؛ إذ أهملت العديد من القضايا المهمة التي كان من المفترض أن تبحثها القمة، وهو أثر سلبي سوف يستمر مفعوله طوال عام 2006 لحين انعقاد القمة السابعة للاتحاد في عام 2007 فضلا عن أنجولا سوف تقضي فترة رئاسة الاتحاد وكأنها تحصيل حاصل وبدون برنامج حقيقي يمكن تطبيقه إزاء عدم رغبة رئيس أنجولا الأولية في تولي بلاده رئاسة الاتحاد هذا العام.

ويحسب للسودان أنه ركز على أهمية إنجاح القمة وهي منعقدة على أرضه أكثر من تركيزه على قضية رئاسته للاتحاد، حيث كان فريق من المسئولين السودانيين يصر على حق السودان في الترشيح والاحتكام إلى التصويت الذي تأخذ به الدول الإفريقية لرئاسة الاتحاد، خاصة أن الدور على دول شرق إفريقيا لرئاسة الاتحاد الإفريقي ولم ترشح أي دولة من الشرق نفسها للرئاسة، بينما تغلبت وجهة نظر الفريق الآخر الذي رأى الأولوية في تفويت الفرصة علي الضغوط الغربية التي تسعى لاستمرار التضييق علي السودان وحصاره، والتركيز على نجاح القمة والحفاظ على وحدة الاتحاد الإفريقي واستقراره بصرف النظر عن رئاسة السودان للاتحاد.

وقد ثمن عدد كبير من القادة الأفارقة الموقف السوداني، وأعلنت القمة الإفريقية السادسة تقديرها لموقف السودان بتنازله عن رئاسة الاتحاد الإفريقي لدول وسط القارة "تفاديا للانقسام وتعزيزا لوحدة القارة لمواجهة التحديات الحالية"، كما أشادت القمة "بموقف البشير وحكمته لتفادي أي انقسام وبجهوده لتحقيق السلام الشامل متمنين النجاح للسودان خلال مرحلة الإعمار والتنمية". وقال دكتور لام أكول وزير الخارجية السوداني في مؤتمره الصحفي في ختام فعاليات القمة السادسة للإتحاد الإفريقي: إن السودان كان يمكن أن ينال منصب الرئاسة الذي أجمعت عليه غالبية الدول لو أصر على التصويت ولكنه تفادى ذلك حفاظا على وحدة القارة وحتى لا تكون تثبت سابقة (الفوز بالتصويت) على رئاسة الاتحاد الإفريقي.

ويبدو أن معنى التنازل السوداني، والقبول بإعمال قاعدة الانتخاب والتناوب الجغرافي للرئاسة من العام المقبل 2007 وليس العام الجاري، هو تفويت الفرصة وإفشال مخطط غربي لإضعاف الاتحاد وعدم إعطاء واشنطن ودول أوربية أخرى فرصة الصيد في خلافات الدول الإفريقية بشأن قضية شكلية كقضية من يرأس الاتحاد الإفريقي.

أمام هذا الوضع وضيق الوقت، حرص المسئولون السودانيون على أن تخرج قمة الاتحاد الإفريقي السادسة بعدة توصيات مهمة في ختام أعمالها، منها قضية الرئاسة نفسها كي لا يعاد إثارتها العام المقبل أيضا، ومن هذه التوصيات:

1 - توصيات للجنة المعنية بدراسة موضوع رئاسة الاتحاد الإفريقي شملت قرارات بالتأكيد على تولي السودان لرئاسة الاتحاد الإفريقي للعام 2007م، وأن يتم الالتزام بمبدأ التناوب بين الأقاليم الجغرافية عند انتخاب رئيس الاتحاد.

2 - أقر مؤتمر القمة نتائج انتخاب قضاة "المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" التي أجريت على مستوى المجلس التنفيذي، وعددهم 11 قاضيا. وهو تطور إيجابي يرد به السودان ضمنا على المبررات الأمريكية لحرمان السودان من الرئاسة بدعوى عدم احترام حقوق الإنسان ومجازر دارفور.

3 - أصدر المؤتمر قرارا باعتبار العام 2006م عاما للغات الإفريقية، وعبرت قرارات المؤتمر عن القناعة بأن القيم الثقافية الإفريقية والتراث الثقافي الإفريقي يجب أن يوفرا الأساس للتعليم على كافة المستويات وأن تمثل اللغات الإفريقية وسائل للتدريب والثقافة والعمل على محو الأمية الثقافية بالقارة ونشر الثقافة الصحية. وقال الرئيس البشير إن القمة استهدفت إنشاء منظمة على غرار اليونسكو حيث يتحد التعليم مع الثقافة ويربط ذلك بالوسائط التي تمتد لتشمل التعليم والصحة، استلهاما من تجربة الهند والصين وماليزيا التي حققت نفعا بإزالة "التبعية المعرفية".

4 - أقر المؤتمر تقرير الأنشطة السنوي التاسع عشر للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ودعا المجتمع الدولي وبالخصوص وكالات الأمم المتحدة المعنية إلى تقديم الدعم والمساعدة للبلدان الإفريقية المهددة خاصة في القرن الإفريقي وإقليم شرق إفريقيا من جيبوتي وإثيوبيا وكينيا والصومال إنقاذا لملايين الأرواح البشرية التي يهددها الجفاف.

موجز القول، إن محنة الخلاف على رئاسة الاتحاد الإفريقي في قمة الخرطوم، ربما تكون مفيدة بالتالي في استكشاف مواطن الخلل والضعف في الاتحاد كي يسهل علاجها. ولكن مشكلة الضغوط الغربية والأمريكية ستظل عائقا علي ما يبدو أمام انطلاق هذا الاتحاد الإفريقي للتعبير عن مصالح أبناء القارة بعيدا عن التأثيرات الخارجية.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات