English

 

الاثنين. ديسمبر. 11, 2000

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الإسرائيلي

 
أهم الأخبار  

حين يفكر باراك بصوت مرتفع

ياسر الزعاترة

Image
في الخامس والعشرين من شهر تشرين أول/ أكتوبر 2000م ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك خطاباً مهمًّا وخطيرًا في وزارة الدفاع في تل أبيب أمام جمع من أهم النخب السياسية والعسكرية والأمنية في الدولة العبرية. وقد كان من المفترض أن يكون الخطاب سريًّا - حسب المصادر الإسرائيلية - إلا أنه تسرب إلى وسائل الإعلام، حيث قامت مجلة "نتيف" العبرية التي تصدرها جهات يمينية بنشر نصه الكامل. ويكتسب هذا الخطاب أهميته الآن من كونه يشكل بوضوح معالم التفكير الإستراتيجي الذي يتبناه باراك عشية الانتخابات التي ستجري في غصون 60 يومًا.

خطاب باراك مُوجَّه إلى اليمين المتطرف

ثمَّة أكثر من ملاحظة مبدئية على الخطاب يمكن إيرادها قبل الشروع في تحليله: أولها طبيعة الجهات التي وُجِّه إليها الحديث، وهي هنا عسكرية وأمنية ضالعة في التوجه صوب اليمين المتطرف إضافة إلى حضور ثلاثة من عتاة اليمين السياسي وعلى رأسهم أرييل شارون. وهذه الملاحظة ضرورية؛ لأن طبيعة الحضور تؤثر على نوعية الخطاب.

الملاحظة الثانية تتعلق بالتوقيت: فقد جاء الخطاب في نهاية الأسبوع الرابع لانتفاضة الأقصى، حيث كان باراك والمجتمع الإسرائيلي بمختلف أطيافه في ذروة الارتباك، كما أنه جاء - وهذه نقطة مهمة - بعد يومين فقط من انعقاد القمة العربية في القاهرة والتي شكلت رغم كل الملاحظات تطوراً مهمًّا على صعيد الخطاب العربي حيال الدولة العبرية.

في ضوء ذلك يمكن القول: إنه ليس من السهولة بمكان تصنيف الخطاب المذكور على أنه برنامج سياسي بقدر ما هو محاولة لاستجداء حكومة طوارئ أو وحدة وطنية من الليكود والأحزاب المتطرفة الأخرى. بَيْد أن ذلك لا يحول دون قراءته بوصفه يمثل نمط التفكير الذي يحرّك الجنرال باراك، وطبيعة الخلفيات التي تؤثر في صياغة فكره وحركته السياسية في آن واحد.

قبل الشروع في قراءة الخطاب على نحو تفصيلي واستقراء دلالاته لا بد من الإشارة إلى جانب مهم في شخصية باراك فَضَحه الخطاب. ويتمثل ذلك الجانب في إعجابه الشديد برئيس الوزراء الراحل إسحق رابين الذي وصفه بقول "قائدي ومعلمي"، إضافة إلى نظرته السلبية لرموز اليسار الإسرائيلي، الذين وصفهم مرة "بجوقة اليساريين"، ومرة "طغمة اليسار النجسة"، ومرة ثالثة بـ "الروح الآثمة المتمثلة باليسارية اليهودية" والتي هي "الأسوأ من العدو الخارجي".

الدولة الفلسطينية كارثة قومية

يعتقد باراك - وكما تعلم من قائده رابين - بأن "الدولة الفلسطينية لن تقوم إلا على أنقاض إسرائيل". وهو السبب الذي من أجله عارضها رابين معتبراً أن كياناً عربيًّا مستقلاً في أرض إسرائيل الغربية يشكل "كارثة قومية". وحسب باراك فإن هناك أرضًا شرقية تتمثل في الأردن، حيث يرى أن "هناك دولة فلسطينية بكل معنى الكلمة قائمة منذ عشرات السنين في الأردن يتمتع الجمهور الفلسطيني فيها بأغلبية تامة تصل إلى نسبة 75%".

لا حاجة إلى القول بأن الدولة التي يعنيها باراك ومعلمه رابين هي المستقلة ذات السيادة.

أما الحكم الذاتي مقطع الأوصال فهو مطلب إسرائيلي، وهو - حسب (الجنرال) - يحقق هدفين: الأول: "فصل معظم السكان العرب في الضفة الغربية عن إسرائيل بما يقلّص بدرجة كبيرة من التهديد الأمني"، أما الثاني فهو "سد الطريق أمام أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية عن طريق الفصل الإقليمي".

مسألة توزيع الكيان الفلسطيني في كانتونات أكد عليها باراك، واتهم نتنياهو بأنه جلب كارثة على إسرائيل عندما باع في (واي) 92% من "يهودا والسامرة"، متيحًا الطريق لتحقيق تواصل إقليمي بين جيوب الحكم الذاتي بما يفضي لدولة فلسطينية.

وقد كان لافتًا تركيز باراك على أن "الدولة الفلسطينية هي اختراع مصري، كل غايته وهمُّه هي إعداد لوح قفز لتدمير إسرائيل، فليس للدولة الفلسطينية أي مغزى آخر". وبالطبع، يفتخر باراك بأنه رفض تطبيق اتفاق (واي) الذي وقعه نتنياهو خشية الوقوع في الفخ المذكور.

ولما كان السؤال الذي لا بد أن يطرح تعليقاً على هذا الحديث يتصل بماهية التفاهمات التي جرت في كامب (ديفيد2) فقد توقف باراك عندها بإسهاب، حيث برر موقفه ذاك بطريقة مدهشة، عبر القول بأن تفكيره كان منصبًّا على "كيفية جمع شتات الجمهور الإسرائيلي في بوتقة حاسمة حول إجماع قومي"، وهو ما لم يكن متاحاً عبر وضع عوائق في طريق مسيرة السلام. فكان رأيه هو دفع الوضع إلى الانفجار.

كان ذلك في كامب ديفيد، حيث أوضح باراك بأنه باع هناك "ظاهريًّا" كل شيء قائلاً: "لن أنسى أبدًا يدي التي ارتعدت حينما وقّعت على الوثيقة المخيفة التي انطوت على مقامرة بوجود دولة اليهود"، مضيفًا "لكن عليكم الاعتراف بأن المقامرة نجحت كما يجب، فالشهية العربية وصلت إلى حدود غير محتملة من ناحيتهم. وعندما مرت أيام وأسابيع دون أن يحصلوا على جبل الهيكل (المسجد الأقصى) ولا على القدس، وكذلك بعدما رفضت بشدة وحزم تطبيق اتفاق واي ريفر جاءت اللحظة التي اشتعل فيها فتيل التفجير العربي حيث انفجرت الشحنة بكامل قوتها".

وزاد باراك على ذلك بقوله: "خلال ساعات قليلة ظهرت البربرية الإسلامية على حقيقتها، وكشف العدو عن وجهه.. إنه التعطش العربي للدم الذي عبر عن نفسه في هتافات "اذبحوا اليهود" في إسرائيل وخارجها".

الرد على الانتفاضة

كان مطلوبًا بعد ذلك أن يقنع باراك مستمعيه بخطته لقمع الانفجار الذي خطط له حسب قوله عبر مقامرته الفذة. وتتمثل تلك الخطة في جملة من النقاط:

أولاً: توجيه رسالة واضحة وحازمة لمصر - العدو الأخطر لدولة اليهود - بشأن ما سيواجهه أعداء إسرائيل في حال ما قرروا مهاجمتنا.

ثانيًا: توجيه رسالة واضحة إلى "أصدقائنا" في الغرب بأن لا يغرقوا في الأوهام، فإسرائيل لا تنوي أن تكون تشيكوسلوفاكيا ثانية، من أجل الديمقراطيات الأوروبية التي تسعى إلى خفض أسعار النفط عبر التضحية بإسرائيل.

ثالثاً: تصفية جميع القيادات في غزة ونابلس ورام الله وأريحا بضربة ساحقة مركزة واحدة، بما يؤدي إلى القضاء على البنية التي تقف وراء الاضطرابات.

رابعًا: "يجب أن نوقف فورًا تشغيل العرب في إسرائيل".

فلسطينيو 48

عندما وجه باراك خطابه المذكور كانت سخونة ما جرى في المناطق المحتلة عام 1948 مازالت تلفح وجهه، ولذلك فقد تحدث عن الفلسطينيين في تلك المناطق بلهجة موغلة في العدائية، حيث وصفهم بـ "الطابور الخامس"، وبأنهم "تخطوا للمرة الأولى الحد الفاصل بين العداء السلبي والتأييد العلني للعدو"، وتحدث عن استغلال نواب الكنيست العرب للديمقراطية الإسرائيلية لتدميرها من الداخل. وأعرب عن استيائه من تمتع "عرب إسرائيل" بما وصفه "حق التآمر علينا ضد كيان الدولة". وللرد على ذلك قدم باراك جملة مقترحات هي:

أولاً: يجب أن تحل فورًا جميع التنظيمات التآمرية لعرب إسرائيل.

ثانيًا: إخلاء جميع القرى العربية غير القانونية التي أقيمت على أراضي الدولة (العبرية) بصورة فورية، وإعادة سكانها إلى الأماكن والبلدات التي قدموا منها.

ثالثًا: تهميش فعل النواب العرب ومعهم اليساريون بتوحيد الأحزاب الصهيونية في نضال مشترك على شكل ائتلاف يضم مئــة عضو كنيست على قاعدة برنامج يهودي صهيوني.

التحديات الخارجية للدولة العبرية

حسب باراك فإن ثمة ظواهر ثلاث تتضافر لتشكل تهديدًا لوجود دولة إسرائيل هي:

أولاً: تعاظم التطرف الإسلامي الذي لا يقبل أي كيان يهودي مستقل، وهدفه الواضح هو تدمير دولة إسرائيل.

ثانيًا: تحضيرات مكشوفة للحرب من جانب مصر "التي يعد جيشها هو الرابع في العالم"، وتصعيد سباق التسلح وانتشار أسلحة الدمار الشامل.

ثالثًا: تصاعد الكراهية لإسرائيل في وسائل الإعلام العربية وكتب التعليم والمساجد وتوجيهات الجيوش، بما يحوّل الحرب ضد دولة اليهود إلى واجب وفرض أخلاقي.

التحدي الداخلي

كان تقييم باراك للوضع الداخلي طاعنًا في التشاؤم، ليس بسبب الفجوة الآخذة في التقلص كل يوم في ميزان القوى العسكري بين الجيش الإسرائيلي والجيوش العربية، بل بسبب ما أسماه "الحالة المتقدمة للعفونة وترهل القيم التي تقوّض وتنخر معنويات الجمهور (الإسرائيلي) والتي تنعكس على الجيش الإسرائيلي، وليس سرًا أن قوات الاحتياط التي تمثل ثلثي القوات المقاتلة في حالة انهيار".

وتحدث باراك عن أحقاد الأشقاء والاغتراب تجاه مستوى صانعي القرار، والهرب من المواجهة، والشعب المصاب بالعمى وضعف البصيرة بسبب وسائل الإعلام المهيمن عليها من "طغمة يسارية"، وما يؤديه كل ذلك من شرذمة للمجتمع.

الرد على التحديات

في الرد على التحديات المشار إليها قدّم (باراك) جملة من المقترحات، وهي:

أولاً: عزل العدو الداخلي ممثلاً في اليسارية الراديكالية المتحالفة مع العدو وتوحيد الأحزاب الصهيونية في نضال مشترك على قاعدة برنامج يهودي صهيوني.

ثانيًا: رفع قامة يهود الشتات الذين يتطلعون إلينا بذهول وجزع على مصير دولة اليهود.

ثالثًا: تقوية النفوذ اليهودي في الكونجرس الأمريكي، مركز القوة الأكبر والأهم في العالم.

رابعًا: استقطاب المجموعة الأوروبية واستغلال ذاكرة الأوروبيين التاريخية، عبر تذكيرهم بأن الهزيمة التي لحقت بهم في (حطين) أواخر القرن الثاني عشر أوصلت الإسلام إلى مداخل فيينا في نهاية القرن السابع عشر. وأوضح بارك ذلك بالقول: نحن نمثل بالنسبة لهم الخندق الأمامي للثقافة الغربية في هذه المنطقة.


كاتب متخصص في الشأن الفلسطيني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات