|
| سياسات حكومة شارون لا تلقى إدانة تذكر من اللجان الأمريكية العديدة |
إذا كانت إحدى عجائب عصر القوة الواحدة في عالم اليوم هي السعي لتفصيل قوانين دولية على مقاس قادة وجنود أمريكا بحيث لا يخضعون للاتفاقيات الدولية المتعلقة بمحاكمة مجرمي الحرب مثلا، فقد أضاف الأمريكان عجيبة أخرى لعالم اليوم تتمثل في تفصيل قواعد خاصة للحريات الدينية وحقوق الإنسان مستمدة من الدستور والمصالح الأمريكية ليحاكموا على أساسها دول العالم ويصنفوها بين معسكري الخير والشر!.
ففي سعيهم لإخضاع العديد من دول العالم لهيمنتهم، شكل الأمريكيون العديد من اللجان التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية والكونجرس والتي يُصدر كل منها تقريرا سنويا.. فهناك تقارير: لجنة الحريات الدينية، ولجنة حقوق الإنسان، وقائمة الدول الإرهابية، ولجنة معاداة السامية، ولجنة أسلحة الدمار الشامل، وجرائم الحرب وغيرها الكثير ممن تستخدمها الإدارة الأمريكية كسيوف مسلطة على رقاب الدول التي لا تسير في ركاب السياسة الأمريكية وتسميها واشنطن "مارقة".
ولأن غالبية التقارير الصادرة عن الخارجية الأمريكية هدفها الأساسي هو خدمة السياسة الخارجية، فهي تتسم بعدم الحياد وتركز على ما يخدم المصالح الأمريكية في نهاية الأمر.
وخطورة مثل هذه التقارير أنها تعد مبررا للإدارة الأمريكية كي تمارس ضغوطا وتفرض قيودا على الدول المتهمة بانتهاك حريات الأديان، فوفق نظام إدارة الحريات الدينية تختار الحكومة الأمريكية من يطلق عليها "الدول التي تثير قلقا خاصا" في هذا المجال، بحيث تقرر نوع العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي تعتزم فرضها عليها.
ووفقا لهذا النظام أيضا تنتظر الحكومة الأمريكية 15 ردا من 15 جهة رسمية أمريكية ما بين مؤسسات وهيئات سياسية وأخرى اقتصادية، منها 8 ردود دبلوماسية و7 ردود اقتصادية، بحيث تقرر -في ضوء ردود الأفعال هذه- العقوبة التي تقررها على الدول المخالفة لحرية الأديان.
ومع أن الواقع العملي يقول إن واشنطن لم يسبق أن اتخذت أي إجراءات ضد أي دول متهمة بانتهاك حرية الأديان على مدار الأعوام الأربعة الماضية، فإنه لا يجب أن يعتبر هذا قاعدة، رغم أنه دليل في الوقت نفسه على أن هذه التقارير ليست سوى وسيلة وأداة من أدوات السياسة الخارجية للترغيب والترهيب.
ومن هذه الزاوية يأتي تقرير الحريات الدينية ليصب كل النواقص وانتهاك الحريات الدينية على الأعداء التقليديين لأمريكا، فضلا عن اتهام دول أخرى صديقة بانتهاك الحريات الدينية بهدف الابتزاز. وبناء على هذه المعايير الأمريكية الخاصة للحريات والتسلح وحقوق الإنسان -التي لا تطبق على أمريكا نفسها- أصبحت دولة مثل العراق وليبيا وسوريا وحتى مصر مخالفة؛ لأنها تقتني أسلحة دمار شامل (إسرائيل مستثناة!!)، وأصبحت دول مثل مصر والسعودية مهددة بتقارير الحريات الدينية، ودولة مثل السودان متهمة بالتطهير العراقي، وهكذا، بحيث تستخدم هذه التقارير التي تصدر عن لجان تابعة للخارجية الأمريكية في منح أو منع المعونات من جانب الكونجرس، وفي تحديد أعداء أمريكا.
ولأن معايير التقييم أمريكية في الأساس -بدليل قول السفير جون هانفورد مسئول شئون الحرية الدينية بالخارجية الأمريكية والمشرف على التقرير في مقدمة تقرير 2002 إنه يستند إلى "القيم الأمريكية الأساسية"- فقد أصبح من الطبيعي أن تعتبر تقارير الحريات الدينية الأمريكية "انتشار الإباحية" تقدما في أفغانستان، وسعي السفارة الأمريكية في مصر للدفاع عن الشواذ جنسيا ومنع ما أسمته (المقالات المعادية للسامية) في الإعلام المصري من خلال الاتصالات الفورية مع الصحفيين نوعا من الدفاع عن الحريات الدينية!.
وإحدى أخطر هذه اللجان التي بدأ التفكير فيها عام 1996 في عهد وزير الخارجية الأمريكي وارين كريستوفر وخرجت للوجود عام 1998 ويرأسها سفير أمريكي ويعاونه 20 من رجال الدين المسيحي والمثقفين بينهم مسلم واحد، وأصدرت 5 تقارير حتى الآن، هي "لجنة الحريات الدينية " التي نشأت بهدف متابعة الانتهاكات التي تجري للحريات الدينية في العالم ويمتد نشاطها لحد الدفاع -وفق المعايير الأمريكية الخاصة للحريات- عن حريات الشواذ جنسيا والبهائيين وشهود يهوه وأي جماعة دينية منحرفة لا تؤمن بالأديان السماوية.
ازدواجية المعايير
وخطورتها أنها -بحكم طبيعة تكوينها وأعضائها الإنجيليين واليهود- تركز على رصد ما الانتهاكات الدينية في البلاد الإسلامية وتغض الطرف عن انتهاكات كثيرة تحدث ضد المسلمين في أمريكا نفسها وأوربا، الأمر الذي ينطوي على ازدواجية واضحة في التعامل مع القوى الإسلامية والحركات اليمينية المسيحية، بحيث لا تتطرق مثلا إلي الإهانات التي يوجهها القساوسة الأمريكان للإسلام رغم أنهم يحصلون على نصف مليون دولار من ميزانية الحكومة الأمريكية كدعم، ولا لتلك التي يوجهها الحاخامات اليهود للدين الإسلامي.
(ملحوظة): الحكومة الأمريكية تخصص 500 ألف دولار للمؤسسات الإيمانية أو الدينية للقس (بات روبرتسون) الذي قال إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- قاطع طريق، والإسلام دين شرير، ولم تمنع هذا الدعم عنه ولا جرى ذكره في تقارير عن انتهاكات أمريكا للحريات الدينية!.
ولأن هدف اللجنة في المقام الأخير هو المصالح الأمريكية، فمن الطبيعي أن يتميز عمل هذه اللجنة وبقية لجان الحريات وحقوق الإنسان الأمريكية بالازدواجية في المعايير، والانتقائية الشديدة، وعلى سبيل المثال زار وفد من لجنة الحريات الدينية كلا من مصر والسعودية وإسرائيل عام 2001، وعندما حان وقت إعلان تقارير الحريات الدينية عن الدول الثلاثة صدر تقريران فقط ينتقدان مصر والسعودية بشدة، وأعلن رئيس اللجنة آنذاك (إبرام وليامز) -وهو أحد صقور اليمين المتطرف الموالي لإسرائيل- أنه تم حجب التقرير الخاص بإسرائيل وعدم إذاعته رغم أن هذه الفترة شهدت انتهاكات إسرائيلية بشعة لحريات المسلمين الدينية ومنعهم من الصلاة في الأقصى والحرم الإبراهيمي وقتل مصلين واعتداءات على مساجد وهدمها ومذبحة جنين بحجة ضرب المقاومة الفلسطينية!.
مصر والسعودية والسودان.. اهتمام خاص
وإذا كانت واشنطن قد استغلت تقارير لجنة الحريات الدينية أسوأ استغلال ضد الدول العربية والإسلامية بشكل خاص، فهي قد اهتمت بشكل أخص بالتقارير الصادرة عن مصر والسعودية والسودان واستفادت منها في الضغط على الدول الثلاثة وتهديدها بعقوبات وخفض معونات، بل وعقوبات دولية.
وقد ظهر هذا في تضمين التقارير المنشورة اسم السعودية لأول مرة عام 2001 بعدما دخلت الخلافات بين الرياض وواشنطن مرحلة الصدام عقب تفجيرات 11 سبتمبر ورغبة الرياض في إخلاء المواقع العسكرية الأمريكية هناك، كما ظهر في التركيز على ما سمي انتهاكات ضد المسيحيين في جنوب السودان، والتطهير العرقي في غرب دارفور تمهيدا لانتزاع تنازلات من الخرطوم في اتفاقات نيفاشا وقبول تدويل قضية دارفور.
أما التقارير الصادرة عن مصر فقد ظلت على الدوام تحظى بأهمية خاصة نظرا لتحركها ضمن أهداف أمريكية واضحة تسعى للعب على وتر الأقلية المسيحية في مصر، بحيث تصدر تقارير عن انتهاكات الأديان والحريات وحقوق الإنسان أو امتلاك أو تطوير أسلحة قبل أي زيارة للرئيس المصري إلى أمريكا بهدف الضغط والحصول على تنازلات.
والجديد الذي لفت الأنظار في جولة لجنة الحريات الدينية التي تزور مصر في الفترة من 16 إلى 23 يوليه 2004 الحالي هو تركيز وفد لجنة الحريات الدينية الأمريكي على "يهود مصر" لأول مرة، إضافة إلى قضايا البهائيين والشواذ جنسيا والشيعة رغم قلة عددهم، بعدما كانت الوفود السابقة تسعى لبحث أحوال الأقلية المسيحية في مصر بشكل أساسي في الزيارات السابقة.
فالوفد الأمريكي -الذي ضم اثنين من الموالين لإسرائيل هما: فيليس جاير نائبة رئيس لجنة الحريات الدينية بالكونجرس الأمريكي، رئيسة معهد جاكوب بلاوتشتاين، القريبة من المؤتمر اليهودي العالمي، وجوزيف كرابا المشهور بمعاداته للعرب- اهتم بزيارة معابد يهودية في مصر لاستقصاء أحوال اليهود في مصر رغم أن عددهم حاليا يعد على أصابع اليد الواحدة ويعيشون في وئام مع بقية المصريين، كما سلم السلطات المصرية ملفًا كاملا عن أملاك اليهود بمصر وأماكنها حصل عليه من إسرائيل، وأوصى بعودة هذه الأملاك لأصحابها بحجة أنهم تركوها عقب حرب 1948 وثورة يوليو 1952 وهربوا.
وأهمية هذا التركيز الأمريكي على ملف يهود مصر أنه طرح إسرائيلي مقدم بواسطة الأمريكان ومكمل لتحركات الحكومة الإسرائيلية والمؤتمر اليهودي العالمي للحصول على تعويضات من الدول العربية عما يسمى أملاك تركها اليهود العرب وهاجروا لإسرائيل ويقدرها الإسرائيليون بعشرة مليارات دولار!!.
وربما لهذا ظهرت انتقادات عنيفة للزيارة من جانب قوى سياسية إسلامية وقومية وإعلامية مصرية خاصة لحد وصف الزيارة بأنها "مشبوهة" وأنها -كما قال الدكتور محمد مرسي رئيس الكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين- "زيارة لخدمة الصهيونية العالمية"، وأبدى مثقفون مصريون استغرابهم من غض هذه اللجنة الطرف عن الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنع الفلسطينيين حتى من الصلاة في المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي، بل وعدم رصد اللجنة انتهاكات أمريكا نفسها للحريات الدينية.
وصدر أقوى نقد للجنة من جانب جماعة الإخوان (رغم أنها سبق أن انتقدت ممارسات الحكومة المصرية ضد الجماعة) حيث وصف الدكتور محمد حبيب -النائب الأول للمرشد العام للجماعة- لجنة الحريات الدينية الأمريكية بأنها "تمثل إحدى الأدوات الأمريكية للتدخل الواضح والسافر في شئون البلاد، وأنها إحدى وسائل الضغط والابتزاز التي تمارسه الحكومة الأمريكية ضد الحكومات العربية والإسلامية من خلال اللعب بورقة حرية الأديان والأقليات وحماية حقوق الإنسان من أجل تنفيذ أجندة المشروع الأمريكي في المنطقة والتي عادة ما تتطابق مع مشروع العدو الصهيوني الرامي إلى السيطرة والهيمنة على المنطقة وتفتيت دولها وإضعاف كياناتها".
كذلك انتقدت منظمات حقوقية ازدواجية المعايير لدى الأمريكان في هذه التقارير الصادرة فيما يخص دولا معينة ودولا أخرى، ورفض مثقفون مصريون دعوات لعقد لقاءات مع اللجنة.
القضية الخطيرة بالتالي فيما يخص لجنة الحريات الدينية الأمريكية وتقاريرها وباقي اللجان الأمريكية وتقاريرها، أنها تسير على نفس المنوال الذي تتبعه الإدارة (الحكومة) الأمريكية، والمتعلق برفض المعايير الدولية وتطبيق معايير خاصة منبثقة من الثقافة والتاريخ والمصالح الأمريكية.. ففي حالة الحاجة لعقاب مجرمي حرب أمريكان يجب أن تكون المحاكم والقوانين الأمريكية -في عرفهم- هي المرجع ولا يجوز مساءلة هؤلاء أمام محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية أو بموجب قوانين غير أمريكية!.
وعلى الطريقة نفسها، يجب عقاب الدول التي تخالف "المعايير الأمريكية للحريات" حتى لو كانت قيودا ضد الشواذ أو البهائيين، وعدم الالتفات لأي ممارسات إجرامية أخرى أو انتهاك للحريات الدينية قد يصدر من جنودهم هم أو من حكومتهم ضد الأقلية المسلمة في أمريكا مثلا.. فهم يعتبرون قتل العراقيين في العراق، والعدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني "دفاعا عن النفس"!.
ووفق مقاييسهم للحريات الدينية أيضا يجوز منع الفلسطينيين والعراقيين من الصلاة وقصف مساجدهم باعتبار أنهم "إرهابيون"، كما يجوز دعم المنظمات المسيحية اليمينية في أمريكا، أما المنظمات الخيرية الإسلامية فإرهابية، وتغيير مناهج التعليم الدينية وتقليصها وغلق معاهد دينية في الدول العربية يدخل ضمن الحرب على الإرهاب!.
المسألة إذن مصالح في مصالح، وكلما كثرت اللجان الأمريكية والتقارير، سهل ذلك للإدارة الأمريكية والكونجرس تحزيم الدولة المراد افتراسها بحزمة من القيود طلبا للرضوخ وتقديم التنازلات!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|