|
| رائد صلاح .. معالجة خاصة للحركة الإسلامية |
شهدت الآونة الأخيرة واحدة من أشد حملات التحريض التي تعرض لها الفلسطينيون داخل دولة الاحتلال. فقد استغلت دوائر صنع القرار السياسي والأمني -وكذلك وسائل الإعلام الإسرائيلية- مشاركة عدد من سكان قرية "البعنة" من منطقة "الجليل" شمال الأجزاء الفلسطينية المحتلة في عام 1948 في التخطيط والمساعدة على القيام بعملية صفد الاستشهادية التي قامت بها "كتائب عز الدين القسام" الجناح العسكري لحماس قبل شهر لنزع الشرعية عن أكثر من مليون فلسطيني يعيشون داخل إسرائيل ويحملون هويتها.
الحملة على فلسطينيي 48
وقد خرج عدد من وزراء اليمين في الائتلاف الحاكم عن طورهم في مهاجمة الجمهور الفلسطيني داخل الخط الأخضر (خط الهدنة الفاصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 والأراضي الفلسطينية المحتلة في 1967). فقد اعتبر وزير البنى التحتية المتشدد "إيفي إيتام" رئيس حزب "المفدال" أن المواطنين الفلسطينيين في دولة الاحتلال "سرطان في جسم الدولة يتوجب استئصاله بأقصى سرعة قبل أن يقضي عليها". أما وزير القضاء الإسرائيلي الذي يعتبر من "حمائم" الليكود فقد دعا إلى تطبيق إجراءات القمع التي ينتهجها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة على المواطنين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أيضا. وأصدر وزير الأمن الداخلي عوزي لانداو تعليماته لأركان مكتبه في البحث في سن قوانين تبيح هدم بيت كل فلسطيني داخل الخط الأخضر يساهم في تنفيذ أي عملية فدائية للمقاومة الفلسطينية.
وهناك من ساسة اليمين -مثل النائب "ميخائيل كلاينر" زعيم حركة "حيروت"- من دعا إلى إعادة فرض النظام العسكري على الفلسطينيين في دولة الاحتلال، في حين دعت وزيرة التعليم والتربية "ليمور ليفنات" إلى إعادة النظر في قيام الدولة بمنحهم المزايا الاقتصادية الاجتماعية نفسها التي تمنح لليهود، سيما مخصصات الضمان الاجتماعي ومخصصات البطالة.
أما وسائل الإعلام الإسرائيلية فقد صبت الزيت على النار، وتبارى الكتُّاب والمعلقون- حتى بعض أولئك الذين يوصفون بأنهم "يساريون ليبراليون"- في التحريض على المواطنين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. وزخرت الصحافة الإسرائيلية بتقارير تدعي أن مظاهر مشاركتهم في عمليات المقاومة ضد إسرائيل إنما تعكس نزعتهم الانفصالية عن الدولة. وقد انعكست حملة التحريض هذه على الرأي العام اليهودي في إسرائيل. فحسب استطلاع للرأي العام أجري بتاريخ (30-8-2002) ونشرته صحيفة "معاريف" فإن 72% من اليهود في إسرائيل يرون في المواطنين الفلسطينيين في دولة الاحتلال خطرا أمنيا على الدولة.
حمى القوانين العنصرية
في معرض تبريره لسن قوانين عنصرية تمييزية ضد فلسطينيي الخط الأخضر اقتبس جدعون ساعر سكرتير الحكومة الإسرائيلية عبارةً لفيلسوف الثورة الفرنسية "جان جاك روسو" التي قال فيها: "حين تقتضي الضرورة سن قوانين جديدة، فإن هذه الضرورة تبدو ظاهرة للعيان في كل مكان". وبموجب هذا المنطق، فإن ساعر لا يرى مفرا من سن أي قانون في سبيل تحجيم ما يعتبره ظاهرة "جنوح فلسطينيي الخط الأخضر للتآمر على الدولة". وبحكم موقعه فقد صاغ ساعر عدة قوانين عنصرية تمييزية ضد المواطنين الفلسطينيين في دولة الاحتلال أجازها البرلمان، ومن ذلك:
1- صوَّت البرلمان الإسرائيلي على قانون يحظر على أي شخص يؤيد الكفاح المسلح في المشاركة في الانتخابات أو تشكيل حزب، وقد فصل هذا القانون كمحاولة لقطع الطريق على جميع النواب الفلسطينيين الحاليين في الكنيست للمشاركة في الانتخابات المقبلة، بحجة إعلان تأييدهم للكفاح الذي خاضه "حزب الله" والكفاح المسلح الذي تخوضه حركات المقاومة الفلسطينية.
2- أقر البرلمان مشروع قانون يحظر على الفلسطينيين في دولة الاحتلال السكن في عدد من المدن الجديدة التي أقرت الحكومة إنشاءها.
3- أقر البرلمان مشروع الميزانية للعام 2003 مع التعديلات المقترحة عليها التي تتضمن تقليص مخصصات الأولاد التي تمنحها وزارة الرفاه الاجتماعي للأسر الفلسطينية داخل إسرائيل، بدعوى أن أرباب هذه الأسر لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي.
ومن جهته -ورغم ميله بشكل عام إلى الصمت وترك المجال لوزرائه لشن الحملة على المواطنين الفلسطينيين في دولة الاحتلال- أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون موقفه بشكل جلي عندما قال: "إن من حق الديمقراطية اتخاذ الخطوات التي تراها مناسبة لكي تحمي نفسها". وادعى شارون أن نسبة من الفلسطينيين في إسرائيل يستغلون الديمقراطية الإسرائيلية من أجل العمل ضدها.
وإلى جانب ما سبق هناك العديد من مشاريع القوانين التي تقدم بها ممثلو التيار اليميني الديني والعلماني في البرلمان ضد الفلسطينيين في إسرائيل وتنتظر التصويت عليها.
لكن الخطوة الأكثر خطورة التي أقدمت عليها الحكومة الإسرائيلية كانت بلا شك قرار وزير الداخلية الإسرائيلي الحاخام إيلي يشاي -زعيم حركة "شاس"- القاضي بسحب الهوية الإسرائيلية من اثنين من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر بدعوى أنهما شاركا في عمليات المقاومة ضد إسرائيل. وقد اتخذ يشاي هذا القرار غير المسبوق على الرغم من أن الاثنين لم تتم إدانتهما في المحكمة، وحتى الشرطة لم تقدم ضدهما أي لوائح اتهام. وقد رفض يشاي بعناد أن يتم تأجيل تطبيق القرار حتى يناقشه القضاء الإسرائيلي!
ومن المفارقات التي تؤكدها تقارير الشرطة الإسرائيلية أن عدد اليهود الإسرائيليين الذين تآمروا على أمن دولة الاحتلال كان أكبر بكثير من عدد المواطنين الفلسطينيين فيها الذين ساهموا في عمليات المقاومة، فقبل شهر تقريبا كشف النقاب في إسرائيل عن مجموعة من المستوطنين في منطقة الخليل -بعضهم ضباط في الجيش- قامت ببيع أسلحة لمجموعات مسلحة فلسطينية، وقد استخدمت هذه الأسلحة في الهجوم على المستوطنة ذاتها التي يسكن فيها هؤلاء المستوطنون، وأسفر الهجوم على مقتل العديد من سكانها.
"معالجة خاصة" للحركة الإسلامية
إذا كان المواطنون الفلسطينيون في دولة الاحتلال يتعرضون بشكل عام لحملة نزع الشرعية، فإن الحركة الإسلامية -سيما الجناح الذي يتزعمه الشيخ رائد صلاح ويرفض المشاركة في العملية السياسية- يتعرض لحملة أشد، ويعد الشيخ صلاح هو رجل العامة الوحيد في إسرائيل الذي يصدر وزير الداخلية بحقه قرارا يحظر عليه بموجبه مغادرة إسرائيل. وحسب تقرير قدمته الدوائر الاستخبارية الإسرائيلية إلى حكومة شارون مؤخرا، فإن الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ صلاح تعتبر "أخطر ألون الطيف السياسي في فلسطينيي الخط الأخضر". ويحذر التقرير بشكل خاص من جهود الحركة لإضفاء طابع إسلامي على المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل. وترى الدوائر الاستخبارية أن نجاح الحركة الإسلامية في ذلك يعني أن تنضم أوساط أخرى من فلسطينيي الخط الأخضر إلى دوائر العداء للدولة.
وتشير هذه الدوائر إلى ما يسمونه "توظيف الحركة الإسلامية لقضية المسجد الأقصى" من أجل التحريض على الدولة. وفي هذا السياق برزت دعوات داخل المحافل السياسية والصحفية للإعلان عن "الحركة الإسلامية" كحركة خارج القانون وحظر نشاطها، إلا أن قادة الأجهزة الأمنية يرفضون هذه الدعوات بالقول بأن حظر أنشطتها سيحولها للعمل بشكل سري؛ الأمر الذي يعني مضاعفة الخطر الأمني الناجم من أنشطتها، ويقترحون عوضًا عن ذلك ما أسموه "معالجة خاصة" عبر سحب تراخيص المؤسسات الخيرية التابعة للحركة؛ بدعوى أنها تقدم مساعدات لحركات المقاومة، وتقييد تحركات قادتها وإعاقة أنشطتهم، وهنا تدرس الحكومة سن قانون يحظر على أعضاء "الحركة الإسلامية" دخول المسجد الأقصى.
الخطر الديموغرافي هو الدافع
على الرغم من كل المسوغات التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية للتحريض ضد المواطنين الفلسطينيين في دولة الاحتلال، فإن السبب الرئيسي وراء هذه الحملة -الذي لا يحبذ مسئولو الدولة الحديثة عنه بشكل علني- هو الخطر الديموغرافي الناجم عن وجود أكثر من مليون فلسطيني داخل دولة الاحتلال، وقرابة ثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. فحسب التقرير السنوي الذي أصدره مجلس الأمن القومي الإسرائيلي فإن التوقعات تؤكد أنه بحلول العام 2020 سيعيش في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة خمسة عشر مليون نسمة، 45 % منهم فقط هم من اليهود؛ الأمر الذي يعني في النهاية فشل الحركة الصهيونية في تحقيق أهم أهدافها، وهو إقامة دولة بأغلبية يهودية مطلقة ومستقرة، كما يقول الجنرال عوزي ديان رئيس مجلس الأمن القومي.
وفي حال استمرار احتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة، فإن أمام إسرائيل خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تطبق نظام تفرقة عنصرية واضح المعالم ومؤسس على قوانين واضحة لا تتيح للفلسطينيين المشاركة في الحياة السياسية، وبالتالي تضمن بقاء السيطرة على هذه البلاد للأقلية اليهودية، وإما أن تواصل منح الفلسطينيين داخل الخط الأخضر حقوقهم السياسية؛ الأمر الذي يعني التسليم بانتقال الحكم في إسرائيل للسيطرة العربية، وهذا ما لن تقبله إسرائيل. ويجزم "شموئيل رومخ" -أحد قادة الاستخبارات الإسرائيلية السابقين- بأن إطناب المستويات السياسية والأمنية في الحديث عن تورط المواطنين الفلسطينيين في دولة الاحتلال في عمليات المقاومة هو أمر مبالغ فيه، ويعكس في الوقت نفسه فزع المؤسسة الحاكمة في إسرائيل من آثار انقلاب الديموغرافيا لصالح الفلسطينيين.
من هنا برزت في الآونة الأخيرة دعوات من أشخاص محسوبين حتى على اليسار للإسراع في التوصل لتسوية سياسية مع الفلسطينيين تتضمن نقل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل مع الإقليم الجغرافي الذي يتركزون فيه إلى الكيان الفلسطيني الذي من المفترض أن ينشأ في أعقاب التوصل لهذه التسوية، لتتخلص دولة الاحتلال -مرة وللأبد- من الخطر الديموغرافي. وحتى ساسة محسوبون على اليمين الإسرائيلي يؤيدون أي تسوية تضمن التخلص من الآثار الديموغرافية للوجود الفلسطيني داخل إسرائيل.
لكن المعضلة الكبرى التي تواجهها إسرائيل هنا تكمن في أن الفلسطينيين في دولة الاحتلال يرون أنفسهم -بحق- أصحاب الأرض الحقيقيين، ويعتبرون هذه الدعوات مجرد دعوات للطرد ليس إلا، وهم يشددون على أنهم يناصرون نضال إخوانهم في الضفة والقطاع من أجل التحرر، لكنهم في نفس الوقت يشددون على أنهم سيبقون حيث هم في وطنهم وأراضيهم.
باحث في الشؤون الإسرائيلية، كاتب متخصص في الشؤون الإسرائيلية ، مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية- غزة.
|