|
| سعد الدين العثماني |
أكد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية "سعد الدين العثماني" أن التوجه الجديد للحوار مع الإسلاميين المعتدلين لدى بعض الفاعلين في السياسة الخارجية الأمريكية -وليس كل الإدارة الأمريكية- هو أمر إيجابي ويكشف عن تشكل توجه مضاد للتوجه المعادي للحركات الإسلامية، مرجعا أسباب هذا التحول إلى عوامل ذاتية ترتبط بالمراجعة النقدية من القوى الحية في المجتمع الأمريكي لمسار السياسة الخارجية الأمريكية وعوامل أخرى موضوعية أبرزها الحضور السياسي للتيارات الإسلامية ذات المرجعية الدينية مقابل تراجع التيارات العلمانية وإسهامها الفعال في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والرفض القاطع للإرهاب بينما لم تؤد سياسات الأنظمة الحاكمة إلى الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي للمواطنين.
وقد رهن حزب العدل والتنمية المغربي مشاركته في الحوار بأن يكون قائما على تغيير حقيقي في السياسة الأمريكية بالتوقف عن الانتهاكات الصارخة في المنطقة العربية وليس مجرد استخدام شعارات براقة دون تطبيقها.
وفيما يلي نص الحوار:
نشهد ونسمع طوال الأسابيع الماضية تصريحات متعددة بشأن تغير إستراتيجي في السياسة الخارجية الأمريكية باتجاه قبول الحوار مع الإسلاميين المعتدلين في المنطقة وبوصولهم للحكم بطرق ديمقراطية بوجه عام. كيف ترون هذا التحول في السياسة الأمريكية؟ وما هي دوافعه من وجهة نظركم، وكيف ستتعاملون معه؟
هذا التحول هو في الحقيقة تحول في رأي بعض الفاعلين في السياسة الخارجية الأمريكية وليس كل الإدارة الأمريكية. وهو يكشف عن تشكل توجه مضاد للتوجه المعادي للحركات الإسلامية، وبالتالي فهو أمر إيجابي باعتباره قد يصبح مستقبلا مدخلا لتحولات سياسية على صعيد العلاقة بين الشمال والجنوب، كفيلة بتدشين مرحلة أكثر فاعلية في الحوار بين الثقافات والحضارات. كما أن هذا الأمر قد يكون مدخلا لتحولات حقيقية على صعيد العلاقة بين الأطراف السياسية داخل البلدان العربية في اتجاه تصحيح المناخ السياسي العام.
دوافع هذا التغيير في موقف عدد من الفاعلين السياسيين الأمريكيين في اعتقادي متعددة، منها ما هو ذاتي مرتبط بنتائج السياسة الأمريكية وفعالية الضمائر والقوى الحية في المجتمع الأمريكي، ومنها ما هو موضوعي مرتبط بأداء القوى والتيارات الإسلامية ووضع الأنظمة في علاقتها بتطوير الحياة الديمقراطية في بلداننا. فمن جهة ما هو ذاتي يمكن التوقف عند التطورات المتلاحقة في المرحلة الأخيرة وخصوصا منها التورط الأمريكي في احتلال العراق والمقاومة التي واجهها، وما نتج عنها من مأزق حقيقي للجيش الأمريكي وللسياسة الأمريكية في المنطقة. كما أدى الاحتلال وما صاحبه من انتهاكات وفضائح ضد الشعب العراقي -إضافة إلى سياسة الانحياز السافر للكيان الصهيوني- إلى تزايد التوجس من أمريكا وسياستها، وأحيانا وجود حالة عداء وكراهية تجاه الإدارة الأمريكية؛ وهو ما يعي الأمريكيون انعاكاساته المباشرة حالا واستقبالا على مصالحهم الحيوية. وهكذا وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام تحدي مراجعة مواقفها وسياستها تجاه الدول العربية والإسلامية، وتجاه التيارات الإسلامية على وجه الخصوص. وفي السياق ذاته يأتي الدور المهم الذي قامت به الجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي -على الرغم من التجاوزات والضغوطات التي تعرضت لها- استطاعت أن تجد في النخب الأمريكية من أكاديميين وإعلاميين وسياسيين من يتعاطف مع قضاياها، وينتقد السياسة الرسمية الأمريكية. وهذه الأصوات بذلت جهدا كبيرا للتأثير على القرار الرسمي وتعديل مواقفه، وحشد الرأي العام الأمريكي ضد انحيازه للكيان الصهيوني وتجاوزاته لحقوق الإنسان العربي والإسلامي في الولايات المتحدة وفي العراق وفلسطين.
وأما الجانب الموضوعي في تحول موقف الإدارة الأمريكية نحو القبول بالحوار مع الحركات الإسلامية، فيرتبط أساسا بتصاعد الحضور السياسي للتيارات ذات المرجعية الإسلامية في الشارع العربي والإسلامي في مقابل تراجع التيارات العلمانية من جهة، وكذا التقدم الكبير الذي حققته التيارات ذات المرجعية الإسلامية في تفعيل خيار المشاركة السلمية والمدنية وتقدمها النوعي في مجال التمثيل الديمقراطي لمختلف الشرائح الاجتماعية في مؤسسات تدبير الشأن العام بفعالية ونزاهة؛ وهو ما يجعل عملية عزلها أو تشويهها عسيرة إن لم نقل مستحيلة. يضاف إلى ذلك ما عبرت عنه العديد منها من رفضها القاطع للإرهاب وحرصها على تمييزه عن المقاومة المشروعة للاحتلال كما تعرفها المواثيق الدولية، ورفضها المساس بالمدنيين الآمنين. كما يضاف إليه ما عبرت عنه من اعتدال وتوازن ومرونة في التعامل مع مختلف التيارات السياسية المخالفة ومن تبن للديمقراطية والدفاع عن الحريات الفردية والجماعية. وكذلك ما أبانت عنه العديد منها من قدرة على الإسهام الفعال في الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي لبلدانها من خلال المشاركة السياسية في تدبير الشأن العام. ولعل تجربتي حزب العدالة والتنمية التركي وحزب العدالة والتنمية المغربي تعدان نموذجين لمدى قدرة هذا النوع من الأحزاب الوطنية المتجذرة شعبيا على دعم الديمقراطية والعمل وفق قواعد العمل السياسي الحديث والدفاع عن مبادئها وبرامجها بما يحفظ المصالح العامة ويحقق النهضة والتنمية والسلم لمجتمعاتها وعموم البشرية.
ومن بين أسباب هذا التحول -موضوعيا دائما- ما خلفته سياسة بعض الأنظمة العربية التي لم تستطع أن تحقق إنجازات تذكر على المستويين الديمقراطي والتنموي، بل أدت ممارساتها أحيانا إلى أحداث مؤسفة وإلى مساس خطير بالاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي للمواطنين.
وكما لا يخفى أيضا أن هناك دورا مهما لمؤسسات البحث والدراسات الإستراتيجية الغربية في تصحيح النظرة إلى الحركات الإسلامية، ورفض النظرة التعميمية إليها، من خلال التقارير التي تعدها بشكل دوري بشأن دراسة التركيبة الاجتماعية والثقافية والفكرية للمجتمعات الإسلامية، وما كشفت عنه من وجود اختلافات فيما بين الحركات الإسلامية نفسها على مستوى التصور والمنهج وعلى مستوى تنزيل التصورات. كما كشفت تلك الأبحاث عن مدى شعبية الحركات الإسلامية داخل مجتمعاتها، وحقيقة موقعها الحيوي حاضرا ومستقبلا، وبالتالي فإنها لن تستطيع تجاهلها باعتبارها طرفا أضحى أساسيا في كل عملية تحول في المنطقة.
أما أسلوب تعاملنا مع أي مبادرة للحوار فلن يكون إلا الاستجابة له؛ لأن التواصل والحوار من مرتكزاتنا الأساسية في بناء العلاقة مع كل الفرقاء داخليا وخارجيا. وليس هناك أي مانع من ذلك إذا كان صريحا واضحا. والحوار لا يعني التخلي عن المواقف المبدئية أو السكوت عن المظالم، بل الحوار بحث مستمر عن المشترك لتجليته وتثبيته والبناء عليه. وهو أيضا ثبات على المبادئ والمواقف، ودفاع ومقاومة بالحجة والدليل، وحث وتحفيز لتغيير السلوك غير المقبول والرؤى غير الصحيحة.
على أي أساس يمكنكم الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، وما هي الضوابط التي يمكن لكم ولهم وضعها لمثل هذا الحوار؟ وكيف ستتعاملون مع تلك الضوابط؟
يجب أن يتم الحوار في إطار الاحترام المتبادل والصراحة والحرص على المصالح المشتركة. والصراحة تقتضي التعبير الواضح عن المواقف. فلا يمكننا السكوت عن استمرار دعم الإدارة الأمريكية السياسي والمالي والعسكري للمخططات الصهيونية. ولا يمكن السكوت عن التنديد باستمرار احتلال العراق، وفضائح سجونه، وبانتهاكات حقوق الإنسان في غوانتانامو. وإذا كانت الإدارة الأمريكية صادقة في دعوتها إلى الحوار، فإن سياستها يجب أن تشهد هي الأخرى تحولا ملموسا إزاء هذه القضايا.
وأذكر هنا أننا في حزب العدالة والتنمية بالمغرب، عندما نلتقي بمسئولين أمريكيين في مناسبة من المناسبات، كنا دائما واضحين وصريحين في التعبير عن مواقفنا. لكننا اعتذرنا لمؤسسات تابعة للإدارة الأمريكية عن الحضور أو المشاركة في أنشطة سياسية أو ثقافية أو إعلامية نظرا لإمعان هذه الإدارة في انتهاك الشرعية الدولية وانتهاك حقوق الإنسان، وخصوصا الإنسان المسلم في أكثر من بلد.
وأما الحوار مع أوربا فنحن كنا سباقين إلى الدعوة إليه، ولم نترك مناسبة لقاء مع وفود سياسية أو دبلوماسية إلا استثمرناها لربط جسور الحوار والتعارف، وتم في كثير من الأحيان اقتراح برامج مشتركة ثقافية أو تنموية.
هل توجد نقاط التقاء بينكم وبين الإدارة الأمريكية، وما هي طبيعة تلك النقاط؟ وهل هناك مصلحة للقوى الإسلامية في الحوار مع الأمريكيين، وأية فئة من الأمريكيين تفضلون؟
وجود نقط التقاء بيننا وبين الإدارة الأمريكية مرتبط بحقيقة استعدادها للمساهمة في إحلال السلام في العالم ونشر قيم العدالة والحرية والديمقراطية التي ترفع شعاراتها. فإذا كان هذا الاستعداد حقيقيا فإن نقط الالتقاء ستبرز. والاستعداد برهانه التغيير الحقيقي للسياسة الأمريكية على الأرض. ومن المعروف أيضا أن الإدارة الأمريكية تتكون من أطراف ذات رؤى مختلفة. فمجموعة اليمين المحافظ أكثر شراسة في معاداة مصالح الأمة الإسلامية، وكانت المحرك الأساس للسياسة الأمريكية نحو احتلال العراق وذلك منذ سنة 1992. وهي التي تتبنى مقولة محاربة الشر، وهو يعني في مفهومها كل من يرفض الاستسلام للإرادة الأمريكية وللطغيان الصهيوني. وقد اختلفت الإدارة الأمريكية فيما بينها على الوسيلة إلى احتلال العراق. فهناك من يرى اللجوء إلى منظمة الأمم المتحدة لاستصدار قرار بذلك، بينما المتطرفون كانوا يدافعون عن اللجوء المباشر والمنفرد لاستخدام القوة المسلحة، وبالتالي للاحتلال. لكنهم جميعا يرون احتلال العراق على الرغم من تباين الأهداف النهائية لكل طرف.
أما الشعارات التي ترفعها الإدارة الأمريكية منذ مدة، من مثل الديمقراطية والحرية، فإن تلك الإدارة أول من اغتالها في الواقع بدعم الدكتاتوريات، والمشاركة في إجهاض عدد من التجارب الديمقراطية في بداياتها. لذلك -كما قلت آنفا- التغيير يجب أن يكون في الفعل لا في القول وحده.
أما باقي الأمريكيين -أفرادا ومؤسسات مدنية- فليس هناك أي مبرر لرفض الحوار معهم، بل العكس تماما، يتعين ذلك الحوار نصرة لقضايانا وتوضيحا لمواقفنا. وهذا النوع من الحوار قد يثمر تفهم باحثين أو إعلاميين أمريكيين لها، والتحاقهم بالمعارضين للسياسات والممارسات غير العادلة والمنحازة للإدارة الأمريكية.
ما هي نقاط الخلاف الرئيسية؟ وهل الدعم الأمريكي لإسرائيل أو احتلال العراق مثلا يمثل عقبة أمام التلاقي بينكم وبين واشنطن أم لا توجد عقبات جوهرية؟
تلك فعلا عقبات جوهرية للالتقاء مع الإدارة الأمريكية. لأن ما وقع في فلسطين والعراق هو مجازر وتدمير رهيب لمقدرات شعوب، ونهب بشع للخيرات، وإفساد للحياة وإحلال للفوضى وضرب للسلم. إذن من الطبيعي أن يبحث كل طرف في أي صراع عن الجهات الأقرب إلى مواقفه للتنسيق معها وتشكيل جبهة معارضة للمظالم الدولية سواء كانت سياسية أو اجتماعية. وما حركة مناهضة العولمة إلا نموذج لهذا النوع من النضال. وأظن أن على المسلمين أن يكونوا في طليعة هذه الحركات أو ينضموا إليها وينسقوا معها لتعديل موازين القوى في العالم نحو حد أدنى من العدل والسلم ما دام الظلم الذي يتعرضون له هو الأكثر عنفا في العالم.
ما هي آليات التغير والإصلاح التي تفضلونها، الاستعانة بالجماهير أم الحوار مع الأنظمة، وما هي أسبابكم في كلتا الحالتين؟
ليس هناك في رأينا تعارض بين الأمرين. فالنموذج الذي نصبو إليه هو أن تتعاون الأنظمة والقوى السياسية والمؤسسات المجتمعية والجماهير لنهضة الأمة وتنميتها. وقد مرت فترات في تاريخنا القديم والحديث وقعت فيها صراعات أكلت الأخضر واليابس، وأضرت بالجميع؛ لأنه وإن انتصر فريق ظاهريا فما هو بمنتصر، ما دام المجتمع يخرج من الفتنة محطما متضررا مفوتا لمصالحه. ويجب أن يعي الجميع أنه لم يعد ممكنا مزيد من ضياع الوقت والجهد والإمكانيات. وهذا لا يمنع من أن تسلك الحركات السياسية والمجتمعية سبلا لمقاومة الفساد والتخلف والدفع نحو الإصلاح بما لا يضر بالمصالح الكبرى للبلد وللأمة.
ماذا عن الاستعانة بالخارج لفرض الإصلاح، ومتى يصبح بديلا مطروحا، وهل يمكنكم اللجوء إليه؟
إن أي إصلاح يجب أن ينطلق من ذاتنا، من شعوبنا ونخبنا ومؤسساتنا وأنظمتنا. أما الاستعانة بالخارج فلم يجر علينا طيلة تاريخنا المعاصر إلا الويلات. وهو يجر إلى نوع جديد من الاستعمار، ويشل الطاقة الذاتية للمضي نحو الإصلاح. ثم ما هي ضرورتها ما دمنا ننطلق من أننا قادرون على تحقيق الإصلاحات الضرورية إذا وضحت الرؤية وحسن الفعل. وأكثر من هذا فقد أثبتت التجارب أن الخارج كان باستمرار عائقا للإصلاح وليس معينا عليه.
والذي يدفع البعض إلى الاستعانة بالخارج إما سعيهم ليصب الإصلاح المزعوم في مصالحهم، ويعطيهم امتيازات السلطة والمال، وإما لاستعجالهم النتائج. وعملية الإصلاح تحتاج إلى صبر وطول نفس، وإقناع مختلف الأطراف والمكونات. وتحتاج إلى معرفة بالمعوقات وكيفية التغلب عليها أو مداراتها. والأمر في الأخير كله لله، ولكل أجل كتاب.
|