English

 

الثلاثاء. مايو. 10, 2005

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أمريكا الشمالية

 
أهم الأخبار  

حتى ينجح الحوار الأمريكي والأوربي مع الإسلاميين *

منير شفيق

منير شفيق
منير شفيق
ردت قيادة الإخوان المسلمين في مصر على محاولة السفارة الأمريكية في القاهرة، ومن بعدها الإتحاد الأوربي لفتح حوار معها، إذ طالبتهما بدخول البيوت من أبوابها، أي المرور عبر وزارة الخارجية المصرية بحيث يتم الحوار بحضور من يمثلها. وبهذا أثبت الإخوان المسلمون عبر هذا الموقف الصحيح والمبدئي والبعيد النظر أنهم حريصون على سيادة الدولة، وعدم السماح للدول الكبرى بالعبث في شئونها الداخلية وأمنها، أكثر من الحكومة المصرية نفسها التي راحت تتساهل في مثل هذا التدخل من قبل السفارة الأمريكية أو السفارات الأوربية. وقد كثرت الاتصالات بمواطنيها من وراء ظهرها.

أخذ الإخوان المسلمون هذا الموقف بالرغم من أن لهم مصلحة ذاتية في أن تأتي أمريكا، أو الإتحاد الأوربي لمحاورتهم، فيما السلطة المصرية ترفض الاعتراف بحقهم في ممارسة دورهم السياسي السلمي بالطرق الشرعية، أسوة بالأحزاب الأخرى التي سمح لها بذلك. هذا من دون التطرق إلى ما يعانونه من عنت واعتقالات بين الحين والآخر؛ مما يغري باغتنام تلك الفرصة لابتزاز الحكومة. لكنهم، بالتأكيد، غلبوا المبادئ وحماية سيادة الدولة. وهذا عكس ما فعله "رفعت السعيد" أمين عام حزب التجمع؛ إذ حاور السفارة الأمريكية من دون استئذان حتى شركائه في تحالف المعارضة.

موقف الإخوان المسلمين يمثل المعارضة المسئولة، ويشكل نموذجا للاقتداء به على مستوى أحزاب المعارضة، لا سيما على مستوى النخب والمنظمات غير الحكومية التي راحت تلطخ أيديها بتلقي المساعدات الخارجية من بعض الدول الكبرى أو المنظمات غير الحكومية التابعة لها، أو المنسقة معها. وبديهي أن من يمد يده للمساعدات الخارجية سيجد نفسه، بعد حين، قد تحول إلى طابور خامس حتى لو لم يرد ذلك أو يتقصده.

طبعا ليس المقصود إغلاق باب الحوار أو رفضه، وإنما إبعاده عن تدخل السفارات على طريقة قناصل الدول الكبرى في القرن التاسع عشر. فالحوار يكون إما على مستوى الحكومات مقابل حكومات، وإما على مستوى أحزاب أو مؤسسات ثقافية أو اجتماعية مقابل أحزاب أو مؤسسات موازية، أو يكون من خلال وزارة خارجية البلد المعني إذا أرادت حكومة أجنبية أن تحاور حركة سياسية أو حزبا أو جماعة أو فردا.

ويجدر أن يشار في هذا الصدد إلى أن نقاشا واسعا أخذ يتسع داخل إطار القوى الإسلامية المعتدلة، علماء وجماعات وأحزابا، وراح يدور حول كيفية مواجهة مبادرات الحوار وليس على مبدئه، فهو مرغوب فيه وقد استند في ذلك إلى الآية القرآنية الشهيرة: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، الأمر الذي كشف من الذي يجب أن تُلقى عليه دروس "ضرورة الاعتراف بالآخر" أو الحوار معه. فسياسات الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالآخر كانت دائما من جانب الدول الكبرى وليس من جانب الإسلاميين أو العروبيين أو الوطنيين. فاندفاع الإسلاميين المعتدلين نحو الحوار يدل على أن من أغلق بابه كان الجانب الأمريكي - الأوربي. وبالطبع يجب أن يفتح الحوار في الآن نفسه مع الروس والصينيين والهنود، خصوصا أن بين المسلمين وهذه الأطراف قضايا عالقة وإشكالات تخص أقليات مسلمة عندهم تحتاج إلى حلول. قد تخرج من حوار مثابر وإيجابي بدلا من الانفصال والحرب الأهلية.

ولكي ينجح الحوار الإسلامي - الأوربي أو الإسلامي- الأمريكي بعد أن يحدد مستواه الصحيح، واستنادا إلى تجربة الحوارات مع القيادات الفلسطينية والعربية الرسمية، يجب أن يبدأ بأجندة فيقع في آخرها وليس في أولها الموضوع الفلسطيني أو الموقف من الحلول المقترحة للقضية الفلسطينية. وذلك إذا أريد أن يقوم الحوار على العلاقات الثنائية أولا وما يمكن أن يدرج في خانة الاتفاق والتفاهمات، فهنالك قضايا كثيرة يمكن الاتفاق حولها مع الأوربيين والأمريكيين، بما فيها مثلا الحد من الهجرة، أو تشجيع الهجرة المضادة والتعايش والتعاون بين الأديان والحضارات والثقافات ووضع سقوف مسيطَر عليها للصراعات أو الخلافات السياسية. هذا وثمة قضايا متعلقة بالعنصرية واللاسامية وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وحق الشعوب في اختيار أنظمتها، وذلك إلى جانب الحفاظ على البيئة ومحاربة الإرهاب والفقر والمرض والجريمة المنظمة وما شابه من قضايا. ثم هنالك سلسلة من النشاطات المشتركة ذات الطابع البحثي والإعلامي والفني والأدبي والثقافي يمكن القيام بها لتعزيز توجهات الحوار.

أما لماذا يجب أن يترك الموضوع الفلسطيني أو الإسرائيلي من قبل الجانبين إلى آخر الأجندة، فالسبب يعود إلى عدم ثبات موقف الأمريكيين والأوربيين وتركهم الأمر في نهاية المطاف إلى المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية. أي إلى ما يمكن أن يوافق عليه قادة الدولة العبرية. فالأمريكيون والأوربيون تراجعوا عن كل القرارات الدولية التي سبق أن وقعوا عليها أو صاغوها بأيديهم ابتداء من القرارين 181 و194 مرورا بقراري 242 و338 وصولا إلى الموقف من خريطة الطريق والجدار والمستوطنات. فالذي حدث في التجربة الماضية كان انتزاع الموافقة الفلسطينية والعربية الرسمية على تلك القرارات خطوة بعد خطوة. ومن دون أن يأتوا بموافقة إسرائيلية مقابلة، ومن دون أن يثبتوا هم عند تلك القرارات أو يضغطوا ولو بمجرد الموقف باتجاهها. ولهذا يجب أن يقال للأمريكيين والأوربيين ما دامت حكوماتكم لا تمتلك موقفا محددا ثابتا حتى من القرارات الدولية التي وافقت عليها، أو من البيانات الرسمية التي أصدرتها فيما مضى، وتركت الأمر كله للمفاوضات -فلا حاجة إلى مناقشة الموضوع ولا فائدة ترجى سوى جرنا إلى تقديم تنازلات مجانية وبلا مقابل من الطرف الإسرائيلي. وهذا ما لا يقبله عاقل يريد للحوار أن يتأسس على الالتزام المتبادل بما يتفق عليه، وليس على المناورة، أو على تقلب المواقف بين سنة وأخرى، وأحيانا بين شهر وآخر، وفي أغلب الأحيان مع كل معركة انتخابية أمريكية أو أوربية.

تبقى نقطة تحتاج إلى تشديد عليها. وهى ضرورة أن يكون الحوار معلنا وشفافا، وأن يخضع للنشر تفصيلا أو ملخصا، وبدقة، كل ما يتم فيه.


*مقال نشر بجريدة الحياة 1/5/2005 تحت عنوان "..عن الحوار الأمريكي والأوربي مع الإسلاميين"

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات