English

 

الجمعة. نوفمبر. 28, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » شؤون عالمية

 
أهم الأخبار  

تفجيرات تركيا.. إسرائيل تعزف لحن "الذلة" و"المسكنة"

محمد عبد القادر

انفجارات تركيا وظفتها إسرائيل سياسيًّا
انفجارات تركيا وظفتها إسرائيل سياسيًّا
شهدت مدينة إستانبول التركية يوم السبت 15-11-2003 انفجارين متزامنين أمام معبدي "بيت إسرائيل" و"نيفا شالوم"؛ وهو ما أسفر عن وقوع أضرار مادية فادحة في المعبدين: تدمير 60 سيارة، 200 محل تجاري، مصرع 25 بينهم 6 يهود، إصابة 300 منهم 9 في العناية المركزة؛ وهو ما دفع البعض لوصف موقع الحادث بأنه أصبح أشبه بساحات الحرب، من كثرة الدماء والدمار وألسنة الدخان الكثيفة التي غطت المكان.

وقد أحاطت الاتهامات في بادئ الأمر "بالجبهة الإسلامية لفرسان المشرق الأكبر"، بعد أن أعلن مجهول في اتصال تليفوني مع وكالة أنباء الأناضول‏‏ أن هذه المنظمة هي التي نفذت الانفجارين، احتجاجًا على اضطهاد المسلمين‏.‏ وعلى الرغم من أن هذه "الجبهة" تأسست في عام ‏1985 ونشطت في منطقة إستانبول منذ العام 1993، فإنها قد طوت في طي النسيان منذ توقيف زعيمها "صالح ميرزابيوغلو" عام 1998، والحكم عليه بالمؤبد بسبب محاولة انقلاب.

لذا فقد كان واضح ًا منذ البداية للمسئولين الأتراك والإسرائيليين، بالإضافة إلى وسائل الإعلام في البلدين، أن هذه المنظمة لا تملك القدرات التي تؤهلها للقيام بعملية بمثل هذه الضخامة دون مساندة خارجية. وساهم في ترسيخ القناعة ذلك البيان، الذي تلقت عدة جرائد عربية نسخًا منه، تعلن فيه "كتائب الشهيد أبو حفص المصري" (التابعة لتنظيم القاعدة) مسئوليتها عن الحادث، مشيرًا إلى أن هذه الأعمال "لن تتوقف عند بغداد والرياض وإستانبول وجربة (تونس) والناصرية وجاكرتا.. حتى تصل إلى وسط عاصمة طاغوت العصر".

استهداف الرأس وليس الذيل

وعلى الرغم من أن هذا الحادث قد يكون غير مستغرب في ظل الانفجارات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة [من نوع العمليات التي تجرى يوميًّا في العراق، أو على شاكلة تلك التي جرت في إندونيسيا والمغرب، ومؤخرًا في الرياض، فضلاً عن الحوادث العديدة المشابهة التي شهدتها تركيا خلال العام الحالي، ناهيك عن الانفجار الضخم في مكتب تابع لجهاز الموساد الإسرائيلي بمدينة كركوك في الحادي عشر من الشهر الجاري (نوفمبر 2003) شمال العراق]، فإنه يبقى له خصوصيته، ودلالته المغايرة نسبيًّا لتلك الحوادث والانفجارات التي سبقته، سواء داخل تركيا أو خارجها، وذلك في ظل عدة اعتبارات لعل من أهمها:

أولاً: إن هذا الحادث باعتباره الأكثر التصاقًا زمنيًّا بسابقه، والذي شهده مجمع المحيا السكني في الرياض، يوحي بأن منطقة الشرق الأوسط برمتها مقدمة على مرحلة ملتهبة، في ظل الدفعة المعنوية الهائلة التي حصلت عليها هذه الجماعات، جراء الانتصارات المتوالية التي تحققها المقاومة العراقية إزاء القوات الأمريكية وغيرها من القوات الحليفة في العراق.

ثانيًا: إن هذه التفجيرات أسفرت عن مصرع أتراك مسلمين من المارة وسكان الحي، إلا أن هذا لا ينفي عنها أنها استهدفت أماكن دينية يهودية بالأساس؛ وهو ما يدرأ عنها أي مظهر من مظاهر الانتقام من تركيا جراء تعاونها مع الأمريكان، أو العقاب جراء موافقة الجمعية الوطنية التركية على إرسال قوات تركية إلى العراق للمساهمة في إعادة إعماره وإن لم تأتِ ثمارها. ومن ثَم فهي رسالة -ضمن عدة رسائل- موجهة إلى الدولة الصهيونية وحليفتها الكبرى، وصل بعضها.. والبعض الآخر تشي التطورات الراهنة إنه لن ينتظر طويلاً.

ثالثًا: إن هذا الحادث أعقبه مباشرة حريق متعمد للمدرسة اليهودية في مدينة جانيي في منطقة سان ديني بباريس، والذي أتى عليها كاملة دون وقوع ضحايا أو إصابات‏؛ وهو ما دفع "ينسيم زفيلي" (السفير الإسرائيلي لدى باريس) في تصريحات للإذاعة الإسرائيلية، إلى القول إن عددًا متزايدًا من الجالية اليهودية في فرنسا قلقون بشأن مستقبلهم في البلاد وسط تصاعد معاداة السامية‏،‏ مشيرًا إلى أن ما يتراوح بين ألفين وخمسمائة يهودي يغادرون فرنسا سنويًّا إلى إسرائيل‏.‏ هذا من جهة؛ ومن أخرى، لأن هذه التفجيرات ترافقت مع جدل واسع النطاق، جراء استطلاعات الرأي الأوروبية الأخيرة، التي اعتبرت إسرائيل أكثر خطرًا على السلام والأمن العالميين من إيران وكوريا الشمالية.

لذا فلن نعدو إذ ن ما قلنا، إن تفجيرات إستانبول هي الحلقة الأكثر سخونة في سلسلة التفجيرات والأحداث الأخيرة، ليس لأن نتائجها الأضخم، ولكن لأنها استهدفت اليهود مباشرة؛ وهو ما يشي إلى تحول رئيسي في أسلوب عمل هذه الجماعات. فبدلاً من استهداف الأمريكيين المساندين لإسرائيل والمحتلين للعراق، أو بدلاً من استهداف العرب المتخاذلين، أضحى المستهدف هو العدو الرئيسي. أي بمعنى آخر، فإن العصا أضحت توجه إلى رأس الثعبان وليس إلى ذيله، إن صح التعبير وصاغ.

الطائفة اليهودية في تركيا

في الأشهر الماضية، شهدت تركيا اغتيال طبيب الأسنان اليهودي "يوسف يحيى" الذي كان يعيش بإستانبول‏، كما تم الشهر الماضي اغتيال "مويس كونر" أحد كبار التجار اليهود بإستانبول‏؛‏ وهذه العمليات شكلت تحذيرًا لأفراد الطائفة اليهودية بإستانبول إلى الدرجة التي هزت أفراد هذه الطائفة، وأدت إلى رحيل عدة أسر إلى إسرائيل مؤخرًا‏.‏ وعلى الرغم من ذلك، فلا يمكن القول إن هذا التفجيرات -وما سبقها من أعمال- وصل إلى حد الظاهرة بالشكل الذي يترك أثرًا سلبيًّا على وضع اليهود داخل نسيج الدولة التركية؛ نظرًا لأن الجمهورية الديمقراطية العلمانية، التي طالما رآها المستشرق "برنارد لويس" نموذجًا بناء وفعالاً يمكن تطبيقه في الدول العربية بصفة عامة والعراق بصفة خاصة، هي دولة لم يحضها تراثها الإسلامي أبدًا على الكيد لليهود؛ كما أنها تحتفظ بعلاقات إستراتيجية بالدولة اليهودية.

ومن ناحية ثانية ، لأن هذه التفجيرات قامت بها منظمة عالمية طالت يدها من قبل الولايات المتحدة نفسها؛ وهو ما حرص على تأكيده رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أوردغان"، حين أشار إلى ضرورة وضع خطة لمحاربة ما أسماه الإرهاب الدولي، قائلاً في مؤتمر صحفي عقده في مطار إستانبول لدى عودته من قبرص: إن الطريقة التي نفذ بها الهجومان تدل على أنه أبعد من أن يكون محليًّا، مشيرًا أن له أبعادًا دولية. هذا فضلاً عن أن اليهود الأتراك، الذين يبلغ عددهم حوالي 35 ألف يهودي، يحملون إرثًا إيجابيًّا للأتراك تمتد جذوره إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك حين فتحت الآستانة أبوابها أمام جحافل اليهود القادمة من الأندلس بعد سقوطها على يد الملك الأرغواني فرديناند والملكة إيزابيلا عام 1492، وبعد أن خيرتهم محاكم التفتيش بين تغيير ديانتهم أو مغادرة البلاد.

إسرائيل تعزف لحنها المعهود

على الرغم من الإدانة الواسعة لانفجارات إستانبول، والتي شملت عددًا كبيرًا من الدول بينها الولايات المتحدة والفاتيكان وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وباكستان ومصر وسوريا ودول أخرى، فإن إسرائيل سعت إلى توظيف الحادث واستغلاله؛ فدعت العالم أجمع إلى محاربة "قوى الشر". وأتت تصريحات المسئولين الإسرائيليين تصب في اتجاه واحد، فقال وزير خارجيتها "سيلفان شالوم" في أول رد فعل إسرائيلي على "أن الحادث يأتي في إطار موجة التحريض ضد إسرائيل واليهود في العالم العربي، بالإضافة إلى تصاعد مظاهر العداء للسامية وإسرائيل في بعض المدن الأوروبية".

فالآلة الإعلامية الصهيونية، على ما بدا، لم تضيع وقتًا لاكتساب التعاطف. فالفرصة أضحت مواتية للربط بين الاعتداء على يهود تركيا في الانفجارين اللذين هزا إستانبول، والموقف الذي أبداه الأوروبيون من خلال استطلاعات الرأي الأخيرة. وقد آتت تصريحات الحاخام "مارفين هير" (مؤسس ورئيس مركز سيمون فيزينتال اليهودي لحقوق الإنسان في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية) شاملة وجامعة لكل ما يرغب الإسرائيليون في قوله، حين أكد أن الهجوم على المعبدين اليهوديين -وما أعقبهما من حرق مدرسة يهودية في فرنسا- جزء من إستراتيجية طويلة المدى للجماعات الإسلامية المتشددة، تهدف إلى إخراج اليهود من أوروبا‏.‏ واتهم "هير" وسائل الإعلام الأوروبية بخلق مناخ معاد ضد اليهود، مما جعلهم عرضة للاعتداءات بسبب انتقادها الحاد لإسرائيل‏،‏ بشأن ممارساتها ضد الفلسطينيين، كما اتهم القادة الأوروبيين باللين في إدانة التفجيرات الانتحارية والمعاداة للسامية‏. فيما سعت أميرة "أرنون" -قنصل إسرائيل في إستانبول- من خلال تصريحاتها، إلى النيل من دول أخرى يأتي على رأسها كل من سوريا وإيران؛ فقالت: إن "منظمة كبيرة" قد تكون مدعومة من دولة أجنبية تقف على الأرجح خلف الاعتداءين. ورأت القنصل أن الإرهابيين لم يستهدفوا اليهود فقط، من خلال مهاجمتهم المجموعة اليهودية في إستانبول، بل كذلك العلاقات الجيدة التي تربط بين إسرائيل وتركيا.

لذا فيمكن القول إن إستراتيجية التعامل الإسرائيلي التي وضحت عقب تفجيرات إستانبول اعتمدت على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها: دحض الاتهامات التي وجهت إليها من خلال استطلاع الرأي الأوروبي الأخير؛ وبث إيحاء أن مثل هذه الاستبيانات من شأنها أن تؤجج مشاعر الكراهية لليهود. أما المحور الثاني، فتمثل في المحاولة الإسرائيلية لتأكيد ثوابت العلاقات التركية الإسرائيلية، وأن هذه العلاقات لا تزال بمنأى عن أي ضرر أو سوء، في حين تجلى المحور الثالث والأخطر من خلال محاولة الزج بأطراف إقليمية أخرى وتحميلها مسئولية الحادث، مثل حزب الله اللبناني وطهران.

نصيحة إلى دول الجوار

ولعل انتقاد وزير العدل التركي جميل شيشيك للدول التي ترعى الإرهاب -قائلاً: "إن بعض تلك الدول أرسلت إلينا برقيات تعزية؛ ولكن ما قيمتها وهم الذين يؤوون الإرهابيين ويحمونهم"- يوضح أن التحركات الإسرائيلية قد تؤتي ثمارها ما لم تتحرك دول الجوار الإقليمي، وفي مقدمتها إيران، خاصة بعد إشارة المحققين الأتراك إلى أن المتهمين كانا قد زارا إيران أكثر من ست مرات خلال الثمانينيات؛ وتلقيا هناك تدريبات على استخدام الأسلحة والمتفجرات؛ وهو ما قد يشكل تطورًا خطيرًا له انعكاساته على العلاقات التركية - الإيرانية التي كانت آخذة في التحسن.

لذا يبقى أن تؤكد هذه الدول أن العنف الذي يهدد سلامة المجتمعات ويؤدي إلى مقتل المدنيين ، مسألة مرفوضة؛ ولا يقبله أحد. وأن تعلن رفضها التام لهذه الأعمال قولاً وعملاً، بل واستعدادها إلى التعاون مع تركيا سياسيًّا واستخبراتيًّا لوأد أية محاولة مستقبلية تستهدف أمن واستقرار أيٍّ منها، حتى تتجنب الأهداف الإسرائيلية الرامية إلى عزل تركيا عن محيطها الإقليمي، وبل والرامية إلى إضفاء حالة من العداء على هذه العلاقات، بما لا يخدم إلا مصالحها الصهيونية الخالصة.


باحث في العلوم السياسية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات