English

 

الخميس. يناير. 16, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الإسرائيلي

 
أهم الأخبار  

الانتخابات ومستقبل الصهيونية في إسرائيل

جلال الدين عز الدين علي

أيهما ينتصر.. الأيديولوجي أم الثقافي الاجتماعي؟
أيهما ينتصر.. الأيديولوجي أم الثقافي الاجتماعي؟
تكتسب الانتخابات الإسرائيلية القادمة في 28 يناير 2003 أهمية بالغة بالنسبة إلى مستقبل دولة الاحتلال إسرائيل، والصراع العربي - الإسرائيلي؛ فهي لا تمثل مجرد تنافس دوري معتاد على السلطة بين حزبين أو اتجاهين فكريين، ولكنها أبعد من ذلك بكثير للأسباب التالية:

هذه الانتخابات يعاد فيها الاعتبار للنظام البرلماني بعد أن تأكدت نتائج وخيمة لتطبيق النظام شبه الرئاسي من خلال فصل انتخابات رئيس الوزراء عن انتخابات الكنيست، وتصويت "المواطن" الإسرائيلي ببطاقة لكلٍّ. 

هذا الأمر لا يعكس مجرد محاولة للوصول إلى نظام أفضل للانتخابات، وإعادة الاعتبار للمجلس التشريعي (الكنيست) مقابل السلطة التنفيذية، أو للحزب على حساب مرشح رئاسة الوزراء، رغم أهمية ذلك من الناحية المؤسسية والديمقراطية، ولكنه يكتسب أهمية أبعد مدى باعتبار النتائج المشار إليها بعد تجربة الفصل بين انتخابات رئاسة الوزراء وانتخابات الكنيست، على المجتمع الإسرائيلي نفسه، ومستقبل أيديولوجية الدولة الصهيونية وهوية مجتمعها.

الاجتماعي والثقافي يحل محل الأيديولوجي

لقد أتاح ذلك الفصل في الانتخابات لكل منتخب أن يعبر عن هويته الإثنية في التصويت للحزب من جهة، وتفضيله لرئيس الوزراء في القضايا العامة، أو السياسة الكبرى بالأحرى، من الجهة الأخرى. وهكذا شهدت الحياة السياسية الإسرائيلية خلال دورتين انتخابيتين (1996-1999) قدرا عاليا من التعددية الإثنية، كما تجلى في تصويت الفلسطينيين (فلسطينيي 48) لأحزاب فلسطينية، واليهود المغاربة لحزبي شاس وجيشر، ومهاجري الاتحاد السوفيتي السابق لحزبي إسرائيل بعالياه وإسرائيل بيتينو، وحتى حركات السلام غير الحزبية انقسمت على أسس إثنية ودينية فوجدنا حركات سلام لليهود الشرقيين مثل "الشرق من أجل السلام"، وأخرى لليهود المتدينين مثل "سبل السلام"، إلى جانب الحركات اليهودية الغربية العلمانية السائدة...

وهكذا عكست الخريطة السياسية والبرلمانية لأول مرة وبشكل جلي التعددية الإثنية والثقافية في المجتمع الإسرائيلي التي كبتتها الصهيونية لعقود طويلة، وحصرتها في ثلاثة اتجاهات رئيسية هي الصهيونية العمالية ويمثلها حزب العمل، والصهيونية المراجعة ويمثلها حزب الليكود، والصهيونية الدينية ويمثلها حزب المفدال (ويلاحظ أن الأحزاب الثلاثة فقدت الكثير من قوتها لصالح الأحزاب القطاعية في الدورتين الانتخابيتين البرلمانيتين السابقتين). وكان سلوك هذه الأحزاب الإثنية قطاعيا لدرجة كبيرة، خاصة في أمور مثل اقتسام موازنة الدولة، والصراع على وزارة التعليم بين المتدينين والعلمانيين، والصراع على وزارة الداخلية بين "الروس" -كمهاجرين جدد يريدون تأكيد حقهم في المواطنة على أساس المشاركة في المصير- والمتدينين الأرثوذكس الذين يريدون تحديد هوية المواطن بناء على يهوديته التي يفتقر إليها "الروس".. وهو ما جعل قضايا الصراع الداخلي تحتدم بشدة حول أولويات اجتماعية وثقافية بدت للمحلل بصورة لم تكن بهذا الجلاء في وقت من الأوقات.

وبدا بوضوح في هذا السياق أن الإجماع الصهيوني لم يعد قائمًا، على الأقل بالدرجة نفسها  التي كانت منذ عقد أو أكثر من الزمان، عندما كانت الأحزاب الصهيونية -وخاصة العمل والليكود- تتقاسم ثلثي مقاعد الكنيست مناصفة تقريبا، وتترك القليل للهوامش التي تعبر عن توجهات إثنية وثقافية ودينية شاردة عن التيار العام الصهيوني. وباختصار، هذه المرحلة شهدت تواري الأيديولوجي لصالح الإثني والثقافي والديني.

إعادة الاعتبار للصهيونية

هذه النتيجة بالذات وليس أي شيء آخر هي التي كانت السبب من وجهة نظري في اتفاق الحزبين الكبيرين (العمل والليكود) اللذين يمثلان المدرسة الصهيونية بجناحيها العمالي والمراجع، على العدول عن النظام الانتخابي السابق، رغم أن مرشحيهما هما المستفيدان الأساسيان من ذلك النظام، واستعادة النظام البرلماني، علهما يعيدان الاعتبار إلى الصهيونية وليس فقط العمل البرلماني. وهنا أيضا تكمن دلالة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بين العمل والليكود التي انهارت مؤخرا، وتحبيذ شارون إجراء الانتخابات المبكرة على تكوين حكومة ضيقة تتلاعب بها المصالح القطاعية.

ومن فضل القول إن الحزبين الصهيونيين الكبيرين اتفقا- فيما اتفقا عليه- على توحيد رؤيتهما لمستقبل التسوية النهائية مع المفاوض الفلسطيني بناء على ثوابت صهيونية، تمسك بها كل من باراك وشارون على التوالي، وكانت السبب الهيكلي الأصيل وراء تفجر عملية التسوية واندلاع الانتفاضة الفلسطينية.

ولذا فالمعركة الانتخابية القادمة لن تدور حول توجهين مختلفين في الاقتصاد (رأسمالي وعمالي) أو في تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي (مع التسوية والدولة الفلسطينية وضدها)، ولكنها ستدور أولا وقبل أي شيء آخر حول مستقبل إسرائيل الصهيونية، وما إذا كانت الدولة (الصهيونية) ستنتصر على المجتمع (اللاصهيوني إلى حد بعيد).

دلالات التحول عربيا

هذه هي طبيعة المعركة، وهي تعني بالنسبة إلينا نحن العرب الكثير:

انحلال العقد الاجتماعي الصهيوني في هذه الانتخابات، وتثبيت الخريطة السياسية الاجتماعية الإثنية الثقافية التي تشكلت في ظل النظام الانتخابي السابق سيعنيان سقوط الصهيونية إلى الأبد كإطار جامع للمجتمع الإسرائيلي، وغلبة الأولويات الداخلية الاجتماعية والثقافية على اهتمامات السياسة الإسرائيلية. وهذا هو المتوقع، وإن يكن بشكل غير فج، بمعنى أن الحزبين الكبيرين سيظلان الكبيرين، ولكنهما لن يعودا لسابق مجدهما عندما كانا يشغلان ثلثي مقاعد الكنيست، ويتركان الثلث لتنازع الهويات غير الصهيونية الصرف، مثل المتدينين والعرب والشرقيين. لأن هذه القوى البازغة لا يتوقع أن تسلم مكتسباتها المؤسسية وعمقها الجماهيري المستند إلى قواعد اجتماعية حقيقية إلى الحزبين الكبيرين، من أجل إنقاذ الصهيونية، فهي من الأصل إما معادية للصهيونية (كالفلسطينيين والمتدينين الأرثوذكس) أو لا مبالية بالصهيونية وتتخذها مجرد مدخل إعلاني للاندماج في المجتمع الإسرائيلي "كالروس" الذين يبالغون في إظهار التوجهات الصهيونية في الوقت الذي يؤكدون فيه التعددية الإثنية بسلوكهم السياسي وتميزهم المؤسسي الحزبي والإعلامي والتعليمي... إلخ.

استمرار إسرائيل في تجاهل قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي والتمسك بالحد الأدنى المتفق عليه بين شقي الوسط (العمل والليكود) لن يمكن من تحريك عملية التسوية إلا بالشرط الذي أثبت الواقع فشله حتى الآن، وهو خنوع المقاومة الفلسطينية ورضاؤها بما هو أدنى من الحد الأدنى من مطالبها. ولذا سيكون على المقاومة أن تتوقع الأسوأ، وعلى القيادات السياسية الفلسطينية والعربية العمل بدأب لتحريك الواقع من خلال أفعال إيجابية نشطة دبلوماسية وكفاحية، مع تبني أنشطة إعلامية مقاومة، من أجل هدفين هما أولا: ترقية القضية الفلسطينية إلى الدرجة الأولى في اهتمامات الحلبة السياسية الإسرائيلية، والثاني هو زحزحة الإجماع الإسرائيلي حول هذه القضية إلى مستوى يتلاءم مع التطلعات الفلسطينية والعربية المشروعة.

لا جدوى من "العمل"

إن رسائل من قبيل إحياء ذكرى رابين والتعزية فيه من أجل تقوية "العمل" على "الليكود"، لن يكون لها أي مردود إيجابي، مثل المشاركة في دفن رابين نفسه؛ لأن الصراع الحقيقي لا يدور الآن بين الليكود والعمل، ولكن بين الليكود والعمل وفلول القوى الصهيونية من جهة، وبين المجتمع والنخب اللاصهيونية الجديدة من جهة أخرى، سواء اكتسى معنى اللاصهيونية العداء للصهيونية أو تمجيد ذكراها.

وعلى هذا فالمطلوب فلسطينيا وعربيا هو سياسات وسلوكيات تتجه إلى جوهر الصراع، وتؤثر في معادلاته من خلال فرض وقائع على الأرض، بمختلف الأدوات، وحسم الجدل العربي بين مؤيدي عملية نفضت إسرائيل يديها منها، وبين المقاومة بمختلف صورها التي يجب أن تكتسب سمة الخيار الإستراتيجي الآن. إن حسم هذا التذبذب، وملء الفراغ، وضبط الفوضى هو السبيل الأوحد لحسم التناقضات الإسرائيلية، وتوصيل رسالة قوية تؤثر في مسار الانتخابات القادمة باتجاه مصلحتنا العادلة.


 جلال الدين عز الدين علي باحث في الشئون الإسرائيلية - القاهرة   

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات