|
في استفهام مشوب بالابتهاج، قال أعداء حقوق الإنسان في إسرائيل: انظروا كيف يتصرف الأمريكيون في العراق؟ إطلاق نار عند الحواجز، وقتل مدنيين، وحالة شاملة من الحصار.. ها هي الولايات المتحدة الديمقراطية وزعيمة العالم الحر تتصرف مثلنا.
ويقول أحد التقارير: إن ضباط جيش الدفاع لم يستطيعوا إخفاء ابتسامتهم عند سماعهم التقارير الواردة عن الحرب في العراق. فمن الآن فصاعدًا لن يستطيع أحد أن ينتقد سلوكهم في المناطق [المحتلة في 1967]. وقد ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن إسرائيل سارعت بعرض خبرتها في مجال استخدام الدبابات والمروحيات والجرافات في قلب المدن ومخيمات اللاجئين على الولايات المتحدة.
كذلك عمت سعادة طاغية على أولئك الذين يريدون التضييق على الإعلام الإسرائيلي: انظروا كيف تقوم الولايات المتحدة بفرض رقابة على مشاهد الحرب في أجهزتها الإعلامية؟ وكيف أقالوا بلا أي تردد المراسل الشجاع "بيتر آرنت"؛ لأنه تجرأ على الإدلاء بآرائه في محطة تليفزيون العدو؟
إن الاستناد إلى سلوك الولايات المتحدة يُعتبر أحد الأضرار المصاحبة لهذه الحرب الخاسرة؛ فأمريكا ليست نموذجًا في أي شيء.. فدخولها هذه الحرب غير العادلة في العراق سلبها تمامًا حق أن تصبح نبراسًا للأغيار ولليهود في مجال احترام الحرية والأخلاق وحقوق الإنسان.
لذلك لا ينبغي أن نسارع باستنتاج أن ما هو مسموح لهم مسموح لنا. لا ينبغي لهم ولا لنا أن نقتل بلا داعٍ، وأن نعتدي على المدنيين أو إساءة معاملتهم وسلب حريتهم وتجويعهم وحرمانهم من مصدر رزقهم والعدوان على سيادتهم، أو تجنيد الصحافة من أجل أغراض الحرب.. إن أمريكا التي خرجت إلى حرب غير شرعية هي دولة احتلال بكل المعاني.
فقر وتمييز عنصري في الداخل
قبل أن تنطلق أول رصاصة على أول مواطن عراقي عند حاجز، لم تكن الولايات المتحدة قادرة على التباهي بأعمالها، سواء داخليًّا أو خارجيًّا؛ ففي الأعوام العشرين الأخيرة -على سبيل المثال- تم إعدام 816 شخصًا من السود في الولايات المتحدة. وتُظهر الأبحاث أن احتمال إعدام الأسْود الذي قتل أبيض أكبر 11 مرة من احتمال إعدام الأبيض الذي قتل أسود..
من ناحية أخرى يعيش أكثر من خُمس أبناء زعيمة العالم الحر تحت خط الفقر، وليس لـ41 مليون أمريكي تأمين صحي، من بينهم 8.5 ملايين طفل.. فهل هذا مجتمع عادل؟
إن 3.5 ملايين أمريكي مسجلون بأنهم بلا مأوى، في حين أن الرقم العام -وفقًا للتقديرات- يبدو مضاعفًا.
إن دولة تخرج لحرب تتكلف مئات المليارات من الدولارات، بينما لا تستطيع الاهتمام بملايين المشردين والأطفال الفقراء، لا يمكنها التباهي بمظهر المستنير والمحرر.
قتل ومساندة للديكتاتورية في الخارج
كذلك فإن سلوك الولايات المتحدة في الخارج لا يمكن أن يظل دائمًا نموذجًا أخلاقيًّا؛ ففي الحروب والعمليات العسكرية التي خاضتها بعد الحرب العالمية الثانية -مثل فيتنام وكمبوديا وغيرهما- والأنظمة القاتلة التي جاءت بها وقدمت لها العون قتلت واغتالت مئات الآلاف، منهم مدنيون كثيرون.
ولكن حتى لو كانت منارة العدل؛ فإن دخولها الحرب في العراق وتحويل جيشها إلى جيش احتلال يسلب منها الحق في أن تكون نموذجًا.. ويقول الصحفي "توماس فريدمان" (في حوار مع آري شابيط في ملحق هاآرتس أول أمس): إن الديمقراطية الأمريكية تصبح عدوانية في حالة ما إذا تم تهديدها. وجدير بالذكر أن الديمقراطية لا تصبح ديمقراطية لحظة أن تصبح محتلا. ففرنسا وبلجيكا وبريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل كلها ديمقراطيات مستنيرة، وكلها فقدت مصداقيتها عندما أصبحت دول احتلال.. وهذا واقع لا مفر منه.
المنطق الذاتي للاحتلال
إن لحظة ما تغرق الولايات المتحدة في وحل الاحتلال سيتحول الجنود المستنيرون اليوم إلى جنود غير إنسانيين غدًا، وسيفقدون بقايا صورتهم الأخلاقية؛ لأنهم سيقتلون ويهدمون ويعذبون، وسيتحول محتضنو الأطفال إلى مطارديهم، وسيصبح مضمدو الجراح حواجز أمام سيارات الإسعاف، وسيصبح المحررون سجانين، وستصبح إهانة الواقعين تحت الاحتلال وسلب حقوقهم أمرًا عاديًّا، وسيدفع الشعب العراقي المتحرر ثمنًا باهظًا من الضحايا، فضلا عن الجوع والإهانة، وحتى لو كان هذا الوضع مؤقتًا؛ فإن الشعب العراقي لن ينساه، هكذا هو الاحتلال في أزقة جباليا [بفلسطين] وشوارع بغداد.
إذا كان هناك درس واحد يمكن لإسرائيل أن تقدمه للأمريكيين؛ فهو أن أي احتلال أمر مجزع، يدوس الرازحين تحت الاحتلال ويفسد المحتل. ولو أمعن الأمريكيون النظر لحظة فيما يحدث في مخيم طولكرم وفي منطقة القصبة بنابلس؛ فسيرون مصيرهم الذي سيصبحون عليه بسرعة. فقد يدركون أننا -وليس الفلسطينيون- الذين خلقنا الوضع الحالي.
المحتل هو المحتل، سواء جاء من "دولة ديمقراطية تمتد منذ 200 عام"، أو من "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".
*صحيفة هاآرتس، 6-4-2003، نقلا عن مجلة "مختارات إسرائيلية"، القاهرة، مايو 2003.
|