|
| مظاهرات ضد ضرب العراق تعتبر بوش وبلير الشيطان الأعظم! |
بمجرد إعلان الرئيس الأسبق جورج بوش الأب عن عملية درع الصحراء ونقل القوات الأمريكية للخليج عام 1991 ألقى القس بيلي جراهام -أحد كبار مسئولي تيار المسيحية الصهيونية- خطابا في مقر إقامته في ولاية مينيسوتا قال فيه: "إن هذه الحرب في الخليج ستكون لها تأثيرات روحية هائلة على كل أمة وكل إنسان على وجه الأرض"!
ثم تبع ذلك بإلقاء عدة محاضرات عامة ركز فيها على القول بأن هناك "قوى روحية تعمل في الخليج" لتحميس الجنود الأمريكان المترددين من تكرار تجربة فيتنام. ثم أفصح جراهام أكثر عما يقصد فقال: "إن العراق له أهمية إنجيلية بالغة.. فهناك كانت جنات عدن الموطن الأول لآدم وحواء"، كما قال.
وحتى يحمّس جراهام الجنود والشعب الأمريكي أكثر للحرب ويوفر لهم الدافع الإيماني قال بأنه لا يعرف "إذا كانت هذه الإشارات (أي ما حدث على أرض العراق) تمهيدا للقدوم الثاني للمسيح المنتظر أم لا؟!".
أيضا قبل أن تبدأ حرب الخليج الفعلية لتحرير الكويت وضرب العراق عام 1991 أصدر بيلي جراهام بيانا جديدا تلاه على حشود من الأمريكيين في نيويورك، وكان مما قال فيه إنه "إذا كانت هناك دولة يمكن أن نقول عنها إنها جزء من الأراضي المقدسة فهي العراق!"، وأضاف: "يجب أن نضاعف صلواتنا؛ فالتاريخ أكمل دورته، ونحن نعود مرة أخرى لهذه الأراضي!!".
وقد تبدو هذه التصريحات غامضة تحتاج لشرح أكبر لإظهار مدى خطورتها.. فغالبية المهاجرين البريطانيين لأمريكا كانوا من أنصار حركة الإصلاح البروتستانتي، وهؤلاء يؤمنون بما يمكن أن نطلق عليه "العصر الألفي السعيد" القائم على حتمية عودة المسيح المنتظر، والدورة الكاملة للتاريخ التي سيعود من خلالها اليهود للأراضي المقدسة في القدس.
ولأن منفى اليهود الذي عادوا منه للقدس كما يزعمون كان بابل، فالبروتستانت الإنجيليون ممن يسمون بـ"الأمريكيين الأصوليين" -ومنهم بوش الأب والابن وجراهام وفالويل- وما يسمى "التحالف المسيحي" الذي يضم قرابة 20 مليون أمريكي، يؤمنون بأن العراق جزء من أراضي الكتاب المقدس؛ لأنها الموقع الجغرافي للبابليين السابقين، وأن عودة اليهود للقدس والسيطرة على بابل (العراق) علامات على اكتمال دورة التاريخ "الأيام الأخيرة" أو "نهاية العالم"، كما يقول بيلي جراهام!!
وحتى تتضح لنا أكثر خطورة هذه الأصولية الأمريكية، نشير إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان- الذي آمن بنفس المعتقدات- كان كثير الحديث عن حبه للفقرة التوراتية الواردة في المزمار (137) والتي تبدأ بعبارة: "لقد جلسنا على أنهار بابل، وأخذنا نبكي حين تذكرنا صهيون".
وعندما قدم بعض الصهاينة ترومان لبعض الحاضرين في المعهد اليهودي، ضمن احتفال بإنشاء الدول العبرية 1948، وقالوا عنه إنه الرجل الذي ساعد على خلق دولة إسرائيل، رد ترومان قائلا: "ماذا تعني بخلق؟!!، إنني قورش.. إنني قورش"، وكان يقصد بذلك تشبيه نفسه بالملك قورش الذي أعاد اليهود من منفاهم في بابل إلى القدس!!
وقد اعتقد بعض المحللين الأمريكيين أن حرص بوش الأب على قضاء ليلة ما قبل الحرب مع العراق عام 1991 مع هذا القس الإنجيلي بيلي جراهام هو محاولة لإقناع الرأي العام الأمريكي أنه -أي بوش- "أحد رجال الله"، ومن ثم محاولة كسب تأييد الأصوليين البروتستانت للحرب ودعمها، بيد أن آخرين كتبوا يقولون بأن قراءة جراهام للكتاب المقدس تختلف اختلافا تاما عن المعتقدات المسيحية للغرب وغالبية الأمريكيين، وإنه يستقي معتقداته من جذور عنصرية لمنظمة ماسونية يطلق عليها "الاتحاد البريطاني الإسرائيلي الدولي"، وهي منظمة صهيونية.
ويؤمن أعضاء هذه المنظمة البريطانية الإسرائيلية بالنظرية الدائرية للتاريخ، ويعتقدون وفقا لهذه النظرية أنه بعد 2520 سنة، ستتوالى وتتكرر بانتظام نوعية معينة من الأحداث، ومنها عودة اليهود كلهم للقدس والسيطرة على أرض بابل.
الأخطر من ذلك -وما يثير التساؤل- ما كتبه "هاورد تشو إيوان" في إحدى المجلات الأمريكية المحلية في ذلك تحت عنوان "الحرب في الخليج بمثابة صدى للحرب الصليبية الخامسة" التي جرت في الفترة من 1217-1221 ميلادية، ثم يمضي الكاتب يسرد تاريخ هذه الحرب ووقائعها، ويحذر من أن "هذه الحملة الخامسة على العالم العربي والإسلامي أيام صلاح الدين الأيوبي قد فشلت بسبب انفراط عقد التحالف بين الفرنسيين والإنجليز وباقي البلاد الأوروبية، وأن على التحالف الغربي القائم الآن في الخليج ضد العراق أن يستوعب هذا الدرس الذي قدمته لنا الحرب الصليبية الخامسة"!!
وهذه الفكرة الأخيرة تحديدا تناولها عدد من أنصار اليمين الأصولي المتطرف الأمريكي مؤخرا في سياق الاستعدادات لضرب العراق الآن مرة أخرى بدعوى الإرهاب، خاصة بعدما أبدت دول غربية منها ألمانيا وفرنسا تحفظها ورفضها لضرب العراق.
صورة طبق الأصل!
ولأن بوش الابن ينتمي لنفس المعسكر، كما يأخذ نصائحه من نفس أنصار هذا اللوبي الصهيوني المسيحي الذي لا يعبر عن موقف غالبية الكنائس الأمريكية الكبرى، فقد عادت نفس هذه الأقوال عن الطبيعية الدينية للحرب ضد العراق تتردد على لسان هؤلاء الناصحين الدينيين لإدارة بوش (القس فرانكلين جراهام مقرب من الرئيس بوش، ويرى أن الإسلام "ديانة الشر")، بل وعلى لسان مسئولين أمريكيين في إدارة بوش يؤمنون بنفس هذه المبادئ، على رأسهم وليم وولفيتس، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ووزير العدل أشكروفت.
ولكنهم هذه المرة -بعد 11 سبتمبر- طعموها بتصريحات عدائية واضحة ضد المسلمين ككل ومنهم العراقيون، حتى وصل الأمر بالقسيس "فرانكلين جراهام" ابن الداعية الإنجيلي السابق الإشارة له بيل جراهام وخليفته المحتمل للقول يوم 10 سبتمبر 2002: "ينبغي علينا الوقوف بوجه هذا الدين الذي يقوم على العنف"!، ويقول إن "إله الإسلام ليس إلهنا، والإسلام دين شرير وحقير"؟!
وفرانكلين جراهام له شعبية واسعة في أوساط المسيحيين الأمريكيين الإنجيليين، وسبق أن قرأ الصلاة في حفل تعيين بوش الابن رئيسا للولايات المتحدة، كما سبق أن قرأ أبوه بيل جراهام الصلاة في حفل تعيين بوش الأب.
بل إن بوش الابن نفسه سعى لخطب ود الأمريكان لضرب العراق بعبارات دينية عامة، ومنها قوله المشهور بتقسيم العالم إلى "محور خير ومحور شر" على غرار ما ورد في بعض كتب الإنجيل.
أيضا كان القس أشكروفت الذي يتولى منصب وزير العدل أكثر استخداما للعبارات الدينية، وكان له قاموس يتكلم به مليء بالمصطلحات الكنسية، حتى إن أحد الصحفيين الأمريكان كتب يقول بأنه الوحيد من الزعماء الذين وصفوا سقوطهم السابق في الانتخابات بـ"الصلب" (صلب المسيح)، ووصف حادثة الترقية والصعود بعد الخسارة بأنها كانت كـ"إنقاذ ورفع المسيح وعروجه للسماء"!!
ليسوا منا!
والغريب أنه بينما يجد صوت هذا المعسكر المنتمي للمسيحية الصهيونية والمرتبط بالمصالح الإسرائيلية طريقه بشكل مباشر إلى الشعب الأمريكي للتأثير عليه وإقناعه بأهمية الحرب لصالح أمريكا ولضرب ما يسمى بالإرهاب -لا تجد أصوات الكنائس الأمريكية الرافضة للعدوان على العراق أي صدى.
وإذا صدر عن أحد قيادات الأصوليين المسيحيين الأمريكان الذين يتغلغلون في الإدارة أي تصريح يجد طريقه للنشر على نطاق واسع وتساعده آلة الدعاية الصهيونية، بعكس بيانات الكنائس الأمريكية الرافضة للعدوان تماما، كما حدث في حرب 1991.
فقد أكد كبار القيادات المسيحية الأمريكية -في سبتمبر 2002- أن إقدام الولايات المتحدة على ضرب العراق يهدر سيادة الدول ويخرق القانون الدولي ويهدد السلام في المجتمع الدولي.
وطالبوا الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش -في بيان نشرته وكالات الأنباء- بالتراجع عن مخططاته لتوجيه ضربة عسكرية إلى العراق بهدف تغيير النظام الحاكم.
وقال البيان الذي وقع عليه "المجلس الوطني لكنائس المسيح في أمريكا" و"مجلس كنائس الشرق الأوسط": إن "الشعب العراقي عانى الكثير في السنوات الأخيرة، وإن العمل العسكري سيزيد من معاناته"، وإن "القيادات المسيحية الأمريكية تعارض لأسباب أخلاقية أن تقوم الولايات المتحدة بعمل حربي إضافي ضد العراق الآن".
وقال البيان: "لقد عانى الشعب العراقي ما فيه الكفاية خلال عقدين من الحرب والعقوبات الاقتصادية القاسية، والعمل الحربي ضد حكومة صدام حسين وما يستتبعه قد يؤدي إلى عدد كبير من القتلى والمصابين المدنيين، إضافة إلى زيادة معاناة جماهير واسعة من الأبرياء".
وطالب البيان الولايات المتحدة أن تتعاون مع الجهود الدولية لمراقبة أسلحة الدمار الشامل التي يملكها العراق، وذلك من خلال مبادرة إقليمية لمراقبة أسلحة الدمار الشامل.
كما أشار البيان إلى أن الإطاحة الأحادية الجانب بحكومات معادية يرفع من القلق في بلدان أخرى بخصوص احترام أمريكا لسيادتها كأوطان وللقانون الدولي.
ومعروف أن الحرب السابقة ضد العراق دمرت عددا من دور العبادة الإسلامية والمسيحية، منها 4 كنائس عراقية تاريخية وفق تأكيد بطريرك الكنيسة الكلدانية العراقية "روفائيل بيداويد".
عريضة مسيحية: الهجوم غير أخلاقي أو قانوني
والحقيقة أن هناك عشرات العرائض الأخرى التي كتبها قادة من الكنائس الأمريكية والأوروبية إلى الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء بريطانيا بهدف إثنائهما عن الحرب، ولكنها لم تُجْد أمام الشحن الحربي الذي يقوده الجناح المسيحي الصهيوني الذي تحركه جماعة القس جراهام وفالويل وغيرهما.
وإحدى هذه العرائض وجهت أيضا من رئيس الكنيسة الإنجليكانية البريطانية الجديد "روان وليامز" الذي وصف الهجوم على العراق بأنه سيكون "غير أخلاقي وغير قانوني"، وسلمها إلى "داونينغ ستريت" المقر الرسمي لرئاسة الوزراء البريطانية.
وجاء في العريضة: "إننا ناسف بشدة لأي عمل عسكري يعتبر أن موت الرجال والنساء والأطفال الأبرياء هو ثمن لا بد منه لمكافحة الإرهاب، لأن هذا يعني مكافحة الإرهاب بالإرهاب".
وأضاف أن "الحرب المزعومة ضد الإرهاب لا تبرر هجوما على العراق، وكل هجوم مقرر من أجل إزالة تهديد أسلحة الدمار الشامل العراقية يجب ألا يقدم على أنه حرب ضد الإرهابيين".
وتابع نص العريضة: "من المؤسف أن الدول الأكثر قوة في العالم تستمر في اعتبار الحرب والتهديد بالحرب أداة مقبولة في السياسة الخارجية، خارقة في الوقت ذاته أخلاقية الأمم المتحدة والتعاليم المسيحية".
ترى لمن تكون الغلبة في ترجيح الموقف من ضرب العراق أو وقف الحرب؟ وهل يفعلها لوبي المسيحية الصهيونية مرة أخرى وينجح في إتمام التحريض على محو العراق تماما بسبب عنف الحملة العسكرية المنتظرة؟
وهل تفتح هذه السياسة العقيدية الأمريكية الجديدة الباب بالفعل للحرب الصليبية الخامسة التي يتحدثون عنها؟!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|