|
| عولمة بالقوة
|
مقدونيا- بدأ قطار العولمة في التحرك قبل ربع قرن من الزمان، حين اجتمع زعماء الدول الصناعية السبع لمناقشة أمور العالم بشكل غير رسمي، في محاولة لصنع نوع جديد من الدبلوماسية السياسية، وتعزيز الدور العالمي لهذه الدول، في الوقت الذي كان الاتحاد السوفييتي ما زال يمثل الطرف الآخر من المعادلة، وكان يمثل تحديًا في وجه انتشار الفكر الرأسمالي الغربي.
وقد ناقشت المجموعة آنذاك العديد من الموضوعات العالمية الحرجة سياسيًّا واقتصاديًّا، وانتهت إلى ضرورة فرض العولمة بمفرداتها الاقتصادية والسياسية، بمعنى أن تعود إدارة العالم إلى هذه المجموعة، ويتم تشكيل مجلس إدارة برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وجدت المجموعة الفرصة متاحة لكي تفرض سياستها الاقتصادية على العالم عبر وسائلها المتعددة؛ وإن كان أبرزها اتفاقية التجارة العالمية، وفرض النظرية الغربية في الاقتصاد (اقتصاد السوق) على بقية دول العالم.
واعتبرت دول المجموعة أن نداءات الدول الفقيرة هي مجرد أصوات عابرة ستسكت بفعل الوقت؛ أو بفعل التدخل السياسي الذي أرادت المجموعة فرضه، حين اشترطت التغيير السياسي قبل أن تمدّ يد المعونة إلى أي دولة من الدول الفقيرة.
تمخَّضت العولمة فولدت فقرًا
في عالم اليوم يوجد مائتا ثري، يملكون أكثر مما يملك 2 مليار نسمة على وجه المعمورة ، كما أن أرباح التجارة العالمية يتم توزيعها على الشركات العالمية الكبرى التابعة للدول الصناعية الكبرى، حيث تسيطر هذه الشركات على ما يزيد عن ثلث التجارة العالمية.
وفي عالم اليوم، يتركز البؤس في الدول الفقيرة؛ فنصف فقراء أو بؤساء العالم يعيشون في آسيا، وربعهم في جنوب الصحراء الإفريقية. وهذه البلاد (الأكثر فقرًا) هي الأكثر تخلفًا في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية، وخلال العقد الأخير من القرن الماضي لم تحافظ سوى 3% من دول العالم على نموِّها الاقتصادي، وعلى معدلات الناتج القومي السنوي، بينما انخفض الناتج القومي في 80 دولة.
المتظاهرون.. من أين جاءوا وماذا يريدون؟
في نوفمبر 1999م – وأثناء انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالمية – بدأت مجموعات معارضة في الظهور على المسرح السياسي؛ وظهرت هذه المجموعات بشكل غير عشوائي. وأطلق تعبير معركة سياتل على هذه المظاهرة الكبيرة، التي عطَّلت الاجتماع، ونالت من كبار المسؤولين، واضطرت الشرطة إلى اتخاذ إجراءات عنيفة، وصلت إلى استخدام الهراوات والقنابل المسيلة للدموع.
وتعقب المتظاهرون كل اجتماع لمنظمة التجارة العالمية من سياتل إلى بلغاريا، ثم كيبك في كندا، ثم تعقَّبوا اجتماعات الاتحاد الأوروبي. وكان المشهد الأكثر دموية في جوتنبرج السويدية؛ إذ شهد العالم البوليس السويدي الوديع يتحول إلى وحش كاسر مع المتظاهرين.
وتعقبت هذه المجموعات، اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من واشنطن إلى بابوا بغينيا الجديدة؛ وجاء الدور على جنوة في إيطاليا لكي يصل عدد المتظاهرين إلى قرابة 200 ألف يمثلون قرابة 700 جماعة ومنظمة حول العالم.
والواقع أنه تم رصد حوالي سبعمائة منظمة وجمعية ورابطة قد شاركت في مظاهرة جنوة مؤخرًا؛ وتضم هذه المنظمات طيفًا واسعًا من الخلفيات السياسية والاجتماعية، فمن بينها: منظمات تدعو إلى المساواة مثل "المنتدى الاجتماعي لمدينة جنوة"، وهو الجهة الداعية للتظاهر في جنوة؛ وحركة "أسقطوا الديون"، ومقرها لندن، حيث تدعو إلى إسقاط ديون الدول الفقيرة؛ وحركة "يا باستا" الإيطالية، وهي راديكالية التوجه، وتدعو لمواجهة العولمة؛ وحركة "مقاومة التطبيع" البريطانية التي تعارض أنشطة الشركات العالمية متعدية الجنسيات؛ وحركة "الرداء العمالي الأبيض"، وهي حركة إيطالية اشتراكية تدعو إلى استخدام المنتجات المحلية والاستغناء عن المنتجات الدولية، وتدعو كذلك إلى مواجهة العنف البوليسي؛ وحركة "فاو FAU "، وهي حركة ألمانية ذات توجهات فوضوية.
يضاف إلى ذلك منظمات ذات سمعة عالمية في مجال الإغاثة والعون، مثل "أوكسفام"، و"العون المسيحي"، و"مكتب التنمية الكاثوليكي"؛ ومنظمات معنية بالبيئة وتجمعات عمَّالية تحاول الحفاظ على حقوق العمَّال في عصر الميكنة؛ وأخيرًا، حركات اشتراكية - وربما ذات توجهات شيوعية - تحاول التسلُّل إلى العالم من جديد.
وتتفق هذه التجمعات والحركات على أن النظام العالمي الجديد قد كشف عن وجهه القبيح، خصوصًا مع زيادة المعاناة الإنسانية، وزيادة معدلات الفقر، وارتفاع معدلات ديون الدول الفقيرة.
كما تتفق معظمها، على أنه يتوجب على مجموعة الثمانية البحث عن بدائل وأفكار جديدة، كما قال المتحدث باسم المنتدى الاجتماعي لمدينة جنوة - كريستوف إجيتون – "نحن هنا لنقول لهؤلاء إن الشعوب لديها أفكار حول مصير العالم". ويقول أيضًا: "التظاهر مهم.. نريد منهم أن يعرفوا حجمنا.. لسنا قلة".
هل حقَّق المتظاهرون أهدافهم؟!
يرى فريق من المحلِّلين الغربيين أن العنف الذي شاب المظاهرة الأخيرة قد أثَّر سلبًا على أهداف الحركات المضادة للعولمة؛ لأن التركيز الإعلامي انصبَّ حول العنف وليس على المطالب، وإن كانت شرعية. وقد ساهم هذا العنف في تشويه صورة هذه الحركات أمام الرأي العام العالمي الذي اتهم بعضها بالفوضوية والعبثية؛ وأنها مجموعات ذات أهداف لا تمتُّ بصلة لمصالح الفقراء الذين جاءوا من أجلهم.
على أنه في المقابل، فإن هذه المظاهرة قد نالت بقدر كبير من العولمة ومن الدول الكبرى ذاتها؛ وذلك من خلال المشاهد التالية:
-
العنف البوليسي والاحتياطات الأمنية الكبيرة أوضحت – بما لا يدع مجالاً للشك - أن الدول الكبرى مستعدَّة للذهاب بعيدًا، والإفراط في استخدام وسائل غير مشروعة دفاعًا عن مصالحها. وهذا بالطبع، يصطدم مع شعاراتها عن الحرية وحقوق الإنسان في التعبير والتظاهر؛ ويكفي أن قمَّة جنوة كلفت إيطاليا 110 ملايين دولار أمريكي من أجل الاستعدادات، منها 80 مليون دولار استعدادات أمنية.
-
التصريحات السياسية لكبار القادة السياسيين عبَّرت عن صعوبة الموقف الذي سببته تلك المظاهرات، واتَّضح منها أن القادة باتوا أكثر اهتزازًا في مواجهة حركة جماهيرية لا يزيد عمرها عن سنتين، حتى اضطر جاك شيراك إلى القول بأن هؤلاء الزعماء منتخبون من شعوبهم، وهذا يعني أن الأمر وصل إلى حد التشكيك في تمثيل هؤلاء الزعماء لشعوبهم تمثيلاً حقيقيًّا.
-
المتابعة الإعلامية اليومية الدقيقة لما يجري في جنوة، والأخبار التي تنقل إلى جميع بقاع العالم ساهمت ولا شك في نشر الفكرة، وكسب أنصار لها في العالم الثالث. وربما يشهد اجتماع منظمة التجارة العالمية القادم في قطر مولد حركات عربية مماثلة في مواجهة العولمة.
-
لوحظ أن أعدادًا كبيرة من المتظاهرين قد ارتدوا الكوفية الفلسطينية، وألقوا الحجارة على البوليس، وبعضهم هتف: "انتفاضة". وهذا يعني كسب مزيد من الأنصار في العالم العربي، وتأكيد تزامن الكراهية ضد الشقين الاقتصادي والسياسي للعولمة؛ فقد حمل هؤلاء الانتفاضة ورمزية مقاومة الاحتلال من فلسطين إلى جنوة. وهذا كسب سياسي ومعنوي كبير لهذه التجمعات، كما أنه كسب سياسي لقضية فلسطين، وتأكيد أن أضرار العولمة قد تجاوزت الزمان والمكان. كما لوحظ أن أعدادًا من المتظاهرين قد ارتدوا قمصانُا تحمل صورة المناضل الاشتراكي "جيفارا" في إشارة إلى النضال والثورة.
وإذا كان العالم في حاجة إلى هزَّة عنيفة لكي يستفيق؛ فقد نجح هؤلاء في ذلك؛ إذ أجبروا العالم المتقدم على دعم برنامج مقاومة الإيدز، وعلى التفاوض مع الدول الفقيرة. والأهم من ذلك، أن الدول الكبرى أصبحت تعمل ألف حساب لهذه التجمعات قبل أي لقاء لها أو لمنظماتها "العولمية" المتعددة.
العولمة إلى أين؟
يرى قادة العالم أن العولمة قد أفادت دولاً عدة حول العالم، وهذا وإن كان صحيحًا في جزء صغير منه – والذي تمثل في دخول تقنيات حديثة إلى دول متخلفة – فإن ارتباط الشقين السياسي والاقتصادي للعولمة يثير المخاوف في أنحاء عدة من العالم، فالعالم الثالث – الذي يحتاج إلى التطوير والتنمية – يرفض وبشدة أن يكون ذلك على حسب وصفة من قادة العولمة وصانعيها – ألا وهي ضرورة التغيير السياسي وفق الوصفة الغربية – وهي وصفة تحمل مخاطر الصدام والقتال داخل بلدان العالم الثالث، ولا تقدم للشعوب خبزًا و لا دواء، بل إنها أصبحت مصدر تهديد.
وقد أبرزت مقاومة العولمة ضرورة مراجعة أبعاد هذه العملية، ومن ذلك:
المعطيات الاقتصادية:
-
تحذير كبار الاقتصاديين العالميين - ومن بينهم أمريكيون - من استمرار الوضع العالمي الراهن، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا أمام إدارة الرئيس بوش، يتطلب منه البحث عن نظام بديل للتجارة العالمية، يسمح بمعالجة التدهور الراهن وإلا فسوف تواجه إدارة بوش خطرين عظيمين، أحدهما اقتصادي والآخر سياسي.
-
تحذير الخبراء الأمريكيين من أن المؤسسات العالمية تعاني عجزًا ديمقراطيًّا يساهم كثيرًا في إضعافها وفي زيادة المناوئين لها.
-
اعتراف المناصرين للعولمة بأنها - رغم فوائدها - ليست كافية في مواجهة الفقر والبؤس العالمي.
-
دعوة بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية إلى استثمار الحدث في جنوة والتفكير في بداية جديدة مختلفة.
المعطيات السياسية والثقافية:
-
تنامي العداء الرسمي للولايات المتحدة الأمريكية، حتى بين الدول الحليفة لها مثل فرنسا وألمانيا.
-
استمرار إصرار الولايات المتحدة على لعب دور القيادي الوحيد في العالم، دون أي اعتبار للشركاء الآخرين، مثلما حدث في اتفاقية كيوتو الخاصة بالبيئة.
-
الخطاب الإعلامي الثائر الذي فرض نفسه في اجتماعات (بون) الخاصة باتفاقية كيوتو، وأظهر حجم العداء التي تُكِنُّه شعوب العالم لأمريكا.
-
استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية من عضوية لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لأول مرة في تاريخها.
-
الإصرار الأمريكي على عدم لعب دور فعَّال في رفع الديون عن الدول المدينة، وتقديم صيغة "الديمقراطية هي الحل" على واقع يفرض صيغة "الخبز والدواء أولاً".
-
رفض الولايات المتحدة السماح لأوروبا والعالم بمنظماته الدولية بلعب دور في وقف العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، والسماح للآلة العسكرية لشارون بالقتل والتدمير، (وهو ما استنكره الرئيس الأمريكي السابق كارتر واعتبره نقصًا في سياسة بوش).
-
الخطاب الإعلامي المتعجرف للخارجية الأمريكية، والمقاوم لكل محاولة استقلالية لأي قطر في العالم، حتى الدول الشريكة مثل فرنسا.
-
التصدي الصيني للهيمنة الأمريكية الذي تمثَّل في إجبار طائرة التجسس على الهبوط، وإرغام أمريكا على الاعتذار.
-
الصمود الفلسطيني، وانتقال النموذج (الحجري) إلى العالم عبر وسائل الإعلام، وتجرؤ الفلسطينيين على التصدي وصمودهم ما يزيد على تسعة أشهر.
إن العاطفة الإنسانية المتنامية والوعي السياسي - الذي بدأ ينضج، وانفلات الآلة الإعلامية من القيد الحكومي لدول العالم الثالث - كلها عوامل ومعطيات تبشِّر ببداية عصر جديد، إن لم يكن بداية لوقف كلي للعولمة بمنظورها الراهن، فهو بداية حقيقية للتفكير بجدية في العولمة من جديد، بدلاً من اعتبارها قدرًا محتومًا لا مفرَّ منه.
|