|
بحلول اليوم الأول من كانون الثاني 2001 أغلق باب التوقيع على النظام الأساسي الذي اعتمده المؤتمر الدبلوماسي للمفوضين، المعنيّ بإنشاء محكمة جنائية دولية، والذي كان قد عُقد في روما/ إيطاليا من 15/6 إلى 17/7/1998.
وقبل انتهاء الموعد بساعات قليلة، سارعت الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" إلى تغيير موقفهما ووقعتا على ذلك النظام الأساسي، وذلك لأسباب تكتيكيّة؛ أي للتمكّن من متابعة ممارسة النفوذ في اللجان التحضيرية الأخيرة، التي تقوم بإعداد الترتيبات العملية النهائية لإنشاء المحكمة ودخولها مرحلة العمل.
عثرات في مرحلة الحبو
تتوافق الآراء إزاء فكرة إنشـاء محكمة جنائية دولية وضرورتها، وقد يوجد خلاف عميق في التصورات حول تحديد مدى وحجم صلاحيتها واختصاصاتها. ولكن في النهاية، أمكن التوصل إلى حلول متوازنة، وقُبل الاقتراح المؤيد لوجود محكمة دولية قوية ومستقلة. وأُقرّ أخيرًا باسم "نظام روما الأساسي" في تصويت سرّي جرى بنسبة مائة وعشرين صوتًا مؤيدًا ضد سبعة أصوات معارضة فقط.
وتعكس نسبة الأصوات المؤيدة في هذا التصويت في مضمونها رفضًا قاطعًا وواضحًا لدى المجتمع الدولي لسياسة القوة التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية ولموقفها المؤدي لشلّ مشروع المحكمة الجنائية وتجميده. ورغم وجود أسباب تدعو إلى التفاؤل، فإنه لم يتضح حتى الآن إن كانت هذه المحكمة ستتمكن من إثبات وجودها كمؤسسة قضائية دولية، فعّالة ومستقلة وعادلة، أم أنّها ستخضع لعامل القوة.
فمنذ البداية، حاولت الولايات المتحدة فرض أفكارها وتوجهاتها المقيِّدة للمحكمة الجنائية الدولية وصلاحياتها. فمع اللقاءات الأولى للجان التحضيرية المكلفة بالإعداد لنظام المحكمة المختصة بالجرائم الخطيرة - والتي شُكّلت بناءً على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (50/46) المؤرّخ في 11/12/1995 - شهدت المفاوضات خلافاً خطيرًا يصدر أساسًا عن فكرة الصراع القديم بين القوة والحق.. وينتج عن هذا الصراع تشكيكٌ في مصداقية القانون الدولي وفعاليته، وإعاقةُ عمل آليات التعاون الدولية.
مشروع قديم
بقي المشروع الرامي لإنشاء محكمة جنائية دولية دائمة - والمقرر في معاهدة منع الإبادة الجماعية الموقعة عام 1948 - مجمَّدًا لمدة نصف قرن تقريبًا جرّاء ظروف الحرب الباردة التي كانت تهيمن على النظام الدولي. وبعد انقشاع ضبابة هذه الحرب، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4/12/1989 من لجنة القانون الدولي أن تتناول مسألة إنشاء هذه المحكمة، فباشرت اللجان التحضيرية لمحكمة جنائية أعمالها استنادًا إلى مقترحات اللجنة القانونية.
وكانت الحروب التي نشبت في التسعينيات قد أشعلت جذوة هذه التوجهات، وأقنعت الجميع بالحاجة المُلحّة لإنشاء هذه المحكمة في أقرب وقت. فقد تجاوزت الجرائم المنظمة والخطيرة التي مورست في خضم هذه الحروب كل الحدود المرسومة في القانون الدولي الإنساني، وخاصة في سياق حروب يوغسلافيا السابقة وحروب رواندا. وانتهى الأمر بإنشاء محاكم جنائية مؤقتة استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي لعام 1993 و1994، حيث خُصِّصت لمحاكمة مجرمي الحرب في تلك الدول.
مساءلة الأفراد والتعامل مع الجرائم الأشد خطورة
وبدأت الأصوات تعلو حول السؤال عن عدم وجود مبدأ المسؤولية الفردية أمام القوانين على المستوى الدولي، فالمحكمة الدولية في لاهاي بهولاندا لا تتناول سوى النزاعات الجارية بين الدول، ومن هنا كانت ميزة المحكمة الجنائية الدولية الجديدة - التي ستنشأ إلى جانبها قريبًا - هي أنها تنظر في مخالفة القوانين الدولية من قِبل الأفراد.
وحسب "نظام روما الأساسي"، فمن واجبات المحكمة القضاء في الجرائم الأشد خطورة فقط، والتي تتركز على أربعة أنواع من الجرائم:
(1) جرائم الإبادة الجماعية.
(2) الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.
(3) جرائم الحرب.
(4) جرائم ما يُسمّى بالعدوان والذي لم يتم توضيحه بعد.
وقد تم التدوين والبناء القانوني للمحكمة الجديدة استنادًا إلى موارد ومراجع وأدوات قانونية موجودة سابقًا. فمثلاً تُعَدّ وثيقة محكمة نورنبيرغ الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية من أهم الأسس والمراجع لها، وتُضاف إليها النظم الأساسية للمحاكم الجنائية المؤقتة التي سبق ذكرها.
تطوير وتوسيع القانون الدولي الإنساني
إن نشأة المحكمة الجنائية الدولية تعني نشأة قوانين دولية جديدة، حيث أنها تتجاوز في تعريفها الشامل للجرائم المختلفة ما ورد في النصوص والبنود القانونية الدولية. فبالنسبة لتوصيف جرائم الحرب - وبموجب المادة 8 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية - لم يقتصر على ما تتضمنه الحروب الدولية من جرائم وتجاوزات قانونية، بل امتد ليشمل بالإضافة إلى ذلك تجاوزاتٍ أخرى تحدث في النزاعات الداخلية والحروب الأهلية. ويُعتبر هذا في سياق قواعد القانون الدولي تطويرًا وتوسيعًا لمفهوم جرائم الحرب حسب النصوص السابقة، ممّا يعني تثبيت تطور حديث في القانون الدولي الإنساني.
وقد قامت اللجان التحضيرية بعمل إبداعي بتعديدها ما يشكل جريمة ضد الإنسانية، حيث ذكرت - إضافةً للعناصر المعروفة كالقتل العمد أو التعذيب أو الاغتصاب - جرائم جديدة: منها الاستبداد الجنسي، والإكراه على البغاء والحمل أو التعقيم القسري، والعنف الجنسي، والاختفاء القسري. وبوضع هذه المادة، يضمن النظامُ الأساسي محاكمة هذه الأنواع من الجرائم خارج نطاق الحرب، أي في حالة السلام أيضًا.
ونظرًا لهذه المادة وغيرها، فلا يُستغرَب تهرّب "إسرائيل" من قبول هذه المعاهدة؛ إذ توفّر فرصة لضحايا اعتداءاتها أن يطلبوا النظر في جرائم قادتها ومواطنيها، ممّا يمكن أن يؤدي إلى محاكمتهم؛ ولذا لم تتقدّم للتوقيع على النظام الأساسي إلا من بعد ضمانات لحمايتها من جانب الولايات المتحدة.
العنف الجنسي إجرام خطير
يتميز النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية باعترافه بأن العنف الجنسي جريمة حربية وجريمة ضد الإنسانية خطيرة، فيتخطى بهذا التعريف ما ورد في وثائق المحاكم الجنائية المؤقتة، التي وضعت أول المعايير لهذه الجرائم البشعة. ويعتبر ذلك مكسبًا كبيرًا للقانون الدولي الإنساني؛ نظرًا لما حدث في حروب يوغسلافيا وكمبوديا والصومال وغيرها من إكراه على البغاء، وجرائم اغتصاب منظمة، اكتُشفت فيما بعد، ومنها ما ارتكبه جنود حفظ السلام الدوليون، ومنها مثلاً حكم صدر عن محكمة عسكرية في شهر أغسطس عام 2000 على جندي أمريكي - من القوات الأطلسية في كوسوفا - بالسجن مدى الحياة بسبب اغتصابه فتاة ألبانية في الحادية عشرة من عمرها وقتلها.
ولهذا يثير إنشاء محكمة جنائية دولية تفاؤلات كبيرة إزاء إمكانية معاقبة مرتكبي هذا النوع من الجرائم في المستقبل، فصلاحيتها ليست مقتصرة على محاكمة أفراد معينين مثل صانعي القرار السياسي أو قادة الجيوش فحسب، وإنما تشمل اتخاذ إجراءات ضدّ أي فرد قام بجريمة مذكورة في الوثيقة، بما في ذلك الجنود العاملون في إطار بعثات دولية.
أمريكا تريد وضعًا استثنائيًّا
تمسّ هذه الصلاحيات بالذات وترًا حساسًا لدى الإدارة الأمريكية؛ فتحاول الحكومة الأمريكية بمطالبها العديدة أن تحصل على قواعد خاصة استثنائية لجنودها ولمواطنيها، لكي تمنع عنهم يد القضاء الدولي. ويبرر رئيس الوفد الأمريكي "ديفيد شيفير" الموقف الأمريكي فيما يتعلق بجهود القوات السلمية؛ فيقول: إنه يجب تمكين المعاونين العسكريين والمدنيين من القيام "بمسؤولياتهم المشروعة"، دون أن "يتعرضوا لإجراءات قانونية جنائية لا مبرّر لها".
ويخشى الأمريكيون من ظهور مسلسل من السيناريوهات القضائية ذات الدوافع السياسية، تنطلق ضدّهم من جانب الدول التي تصفها الأدبيات السياسية الأمريكية بالدول الشريرة أو المارقة أو من جانب دول "العالم الثالث" عامة.
أمريكا تريد إخضاع المحكمة الجنائية لمجلس الأمن
وفي هذا السياق مثلاً، تطالب واشنطن بوجوب أن يستدعي استئناف الإجراءات القضائية في أيّ قضية، الموافقة الخاصة القائمة بذاتها من جانب الدول المعنية. وهو ما يعني فتح المجال أمام تلك الدول لرفض المحاكمة ولحماية المجرمين. وتعمل الولايات المتحدة الأمريكية على إقناع الدول الأخرى بجعل حق طلب استئناف عملية قضائية من صلاحيات مجلس الأمن الدولي فقط، وليس كما تنص الوثيقة الآن من صلاحية أطراف القضية والادّعاء العام للمحكمة الجنائية.
بهذا تسعى أمريكا إلى محكمة جنائية خاضعة لمجلس الأمن ولإرادتها هي، كعضو فاعل ومؤثر فيه. وتتعارض هذه المطالب تمامًا مع فكرة استقلالية وعدالة المحكمة؛ لأن محكمة كهذه - التي تريدها الولايات المتحدة - يمكن أن تفرض قضاءها على أفراد دول ضعيفة فقط، فيكون هذا بمثابة عفو عام ودائم تحصل عليه الدول القوية وأفرادها.
ولقد استخدمت الولايات المتحدة كل السبل المتاحة لها لفرض مطالبها على أعضاء اللجان التحضيرية؛ ومثال ذلك تهديد السيناتور الأمريكي المعروف "جيسي هيلمز" بأنه سيعمل على وقف تحويل المساعدات العسكرية الأمريكية إلى أي دولة تصدق على نظام روما الأساسي، ولكن في مؤتمر روما لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية لم يصوّت إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية سوى "إسـرائيل" والهند والصـين وثلاث دول أخرى. وهو ما يعتبر إخفاقًا للسياسة الأمريكية في هذه القضية.
والجدير بالذكر، أنّ المحكمة الجنائية الدولية تحتاج - لمباشرة أعمالها - إلى تصديق 60 دولة على نظامها بعد توقيعه المبدئي. وحتى ساعة كتابة هذه السطور بلغ عدد الدول التي صادقت على الوثيقة 27 دولة، من أصل 139 دولة موقعة مبدئيًّا عليها. وفي 31/12/2000، وقبل انقضاء الموعد المقرر للتوقيع المبدئي بالموافقة على الوثيقة، أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على توقيعها قبل فوات الأوان، ولأسباب تكتيكية فقط، كما بيّن الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" عندما قال في تعليق له: "توقيعنا هذا يفسح لنا مجالاً للتأثير على التطورات التالية في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، ودون توقيع لا مجال أمامنا لذلك". ومن الواضح أن خلفه - الرئيس الحالي "جورج بوش" - سيواصل السياسة الرافضة لاستقلالية المحكمة، فقد أوضح الناطق الرسمي باسم بوش "إري فلايشر" أنهم لن يحيلوا نظام روما الأساسي إلى مجلس الشيوخ الأمريكي بصيغته الحالية.
ميزات لا يمكن إنكارها
يعبّر المراقبون عن سرورهم بأن المحكمة الجنائية الدولية لم تكن جزءًا من منظمة الأمم المتحدة رغم أن علاقتها معها ستكون متينة. وبهذا تنشأ للمحكمة شخصية اعتبارية ذاتية قانونية حرة، وبأنّها ستتناول بذلك مسألة الأضرار القسرية بحق الضحايا، فتمنحهم بعض حقوقهم، وتنشئ لهم صندوقًا ائتمانيًّا لتعويضهم عن بعض الأضرار. ومن إيجابيات المحكمة أيضًا، أنه سيكون لها ادّعاء عام قوي وبصلاحيات متعددة؛ بحيث يكون بإمكانه تقرير وجود أساس معقول ومشروع في إجراء تحقيق ما بناءً على المعلومات المقدَّمة إليه.
ومن المهم: أنه يجب على الدول التعاون مع المحكمة فيما يتعلق بتقديم الأدلة والقبض على المتهمين واحتجازهم وتحويلهم إلى المحكمة الجنائية وسوى ذلك، ممّا يساعدها على تطبيق أحكامها. وفي حال رفض دولة ما التعاون دون سبب مشروع (وليس في نظام المحكمة إلا استثناءات قليلة جدًّا تجيز عدم التعاون)، فيمكن لمجلس الأمن الدولي - وليس للمحكمة الجنائية الدولية - أن يتخذ الأساليب التي تبدو له مناسبة للضغط على الدول للتعاون مع المحكمة.
والجدير بالذكر أنه بناء على "مبدأ التكامل" تكون للمحاكم "الوطنية" أولوية في التحقيق في القضية المعنية. ولا يسمَح للمحكمة الجنائية الدولية بالقيام بإجراءات إلا بعد التأكّد من أن الدولة المعنية لا تريد أو لم تتمكن من متابعة القضية بنفسها؛ إلا أن هناك بعض القواعد التي تشكل نوعًا من التقييد لأعمال المحكمة:
القيود المفروضة على المحكمة
صحيح أن مجلس الأمن الدولي لم يحصل على مركز الصَّدارة التي أرادتها له الولايات المتحدة فيما يتعلق بتفعيل القضاء الجنائي بالمحكمة، ولكنها تمكنت من أن تحفظ له بعض النفوذ على أعمال المحكمة، من خلال تزويده بحق التدخل. فيمكنه مثلاً أن يوقف إجراءات المحكمة في قضية أو أكثر.
وينتقد المحللون أيضًا أن صلاحيات المحكمة الجنائية ليست شاملة ومباشرة، وأنها لا تستطيع ملاحقة قضية إلا إذا كانت دولة المتهم أو الدولة - التي ارتُكبت الجريمة فيها - طرفًا في المعاهدة. ولكن دولاً كهذه عادةً لا تخضع لسلطة المحكمة بالتصديق على وثيقتها أو قبول صلاحياتها - ولن تخضع - مما يقيّد مجالات تصرف المحكمة وعملها. كما أنه لا مجال لإجبار أي دولة - غير موافقة على نظام روما - على قبول القضاء الجنائي الدولي إلا بقرار إلزامي لمجلس الأمن الدولي.
ومن ناحية أخرى، فإن تصرف المحكمة محدود بحكم المادة 124 من النظام الأساسي؛ والتي تمنح الدول إمكانية عدم الاعتراف بجرائم الحرب لمدة سبع سنوات من بعد تصديقها للمعاهدة كمرحلة انتقالية. وبذلك لا صلاحية للمحكمة للنظر في الجرائم من هذا النوع الواقعة في هذه البلد أو المرتكبة من جانب مواطنين فيها. ويبيّن البروفيسور "كالفيش" – وهو رئيس الوفد السويسري وقاضٍ في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان – أن المجرمين الذين يخالفون القوانين الدولية قبل دخول المحكمة في مرحلة العمل لا يُحاسبون على أعمالهم من قِبَلها، ثم ينتقد الضعف الشديد لأحكام نظام روما الأساسي المتعلقة باستخدام الأسلحة غير المشروعة دوليًّا. وهذا أمر مؤسف نظرًا إلى الأضرار التي نتجت عن استخدام هذه الأنواع من الأسلحة في حرب كوسوفا وفي العراق والتي تنكشف حاليًا.
وهذه حقائق تحدُّ من ارتياح العديد من المراقبين والخبراء والسياسيين الذين أظهروا تفاؤلهم بهذه الخطوة القانونية الدولية الجديدة، كالأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنّان. وقد أعلن بسعادة ظاهرة أن المحكمة الجنائية الدولية تشكل "خطوة جبارة في الطريق نحو حقوق إنسانية شاملة ونحو سيادة القانون".
باحثة في الشؤون الأوربية
|