English

 

الأحد. أغسطس. 6, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الإسرائيلي

 
أهم الأخبار  

إسرائيل "دولة مجنونة" *

سمير غطاس

سمير غطاس
سمير غطاس
لا يعد هذا العنوان "إسرائيل دولة مجنونة" مساهمة إضافية منا لحملة الشجب والتنديد والإدانة التي تستحقها إسرائيل على سلسلة الجرائم العدوانية التي شنتها على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وأودت حتى الآن بحياة نحو ‏900‏ مواطن لبناني،‏ وأكثر من ‏150‏ فلسطينيا في غضون الأسابيع القليلة الماضية، فالأمر هنا يبدو مختلفا؛‏ لأن هذا العنوان يطرح علينا مسائل أخرى ربما أكثر عمقا وأهمية تتعلق بأسباب وأهداف هذه الحرب‏‏ ومعايير تقويمها‏‏ والرغبة المحمومة لإسرائيل لتكريس صورتها الانطباعية كدولة مجنونة في الإدراك والوعي الجمعي الإقليمي والدولي‏.‏

وقد يفاجأ البعض بأن عنوان‏ "إسرائيل دولة مجنونة" ليس نعتا لها نسقطه نحن عليها،‏‏ وإنما هو تعبير عبري وإسرائيلي خالص وصرف تعود صياغته إلى البروفيسور "يحزقئيل درور" الذي يعد واحدا من أكبر وأهم المفكرين الإستراتيجيين والأمنيين في إسرائيل‏.‏

كان درور قد اختار هذه العبارة بالذات "دولة مجنونة"‏ عنوانا لواحد من كتبه المهمة الذي صدر في إسرائيل عام 1973‏.

ويبدو استحضار هذا الكتاب وعنوانه اليوم وثيق الصلة بأحداث وتطورات الحرب التي ما نزال نعيش بعضا من فصولها؛‏ لأن هذا الكتاب مخصص بالكامل للبحث في موضوع قوة الردع الإسرائيلية‏ التي يكاد يجمع الإسرائيليون على أنها تعرضت في الحقبة الأخيرة لقدر غير قليل من الاهتراء والتآكل؛ وهو ما شجع حزب الله والفلسطينيين قبلهم على تحدي إسرائيل ورمي القفاز في وجهها‏.‏

كان كبار الساسة في إسرائيل يعرفون ذلك تماما‏‏ وينتظرون الذريعة التي يتحينونها لاستعادة الهيبة والاعتبار لمفهوم وقدرة الردع الإسرائيلية؛ ‏ولذلك اعتبرت القيادة الإسرائيلية أنه ليس هناك من هدف أهم في هذه الحرب من ترميم قدراتها الردعية‏‏ التي تعتبر القواعد السابقة للعبة في الشرق الأوسط‏.‏

وقد يساعد هذا المدخل على فهم ما بات يعرف في هذه الحرب باسم الاستخدام المفرط للقوة النيرانية الذي بدأته إسرائيل بتصعيد فوري وتدمير واسع للبنى التحتية في غزة وفي لبنان‏.‏ ومن ثم ألحقته عمدا باستخدام عبوات هائلة من المتفجرات ‏(قنبلة تزن طنا تلقى على منازل في غزة،‏ وما يصل إلى ‏23‏ طنا من القنابل تلقى على مربع سكني في برج البراجنة،‏ وقصف جوي يمحو معالم قطاع كبير من مدينة رفح في غزة وبيت جبيل ومارون الراس وجنوب لبنان وصولا إلى جريمة قصف البناية المأهولة بالأطفال والمدنيين العزل في قانا التي تتكرر مأساتها الدامية مرتين خلال عقد واحد،‏ حتى وإن زعمت إسرائيل أن الجريمة،‏ في الحالتين،‏ تمت بالخطأ غير المقصود،‏ فإنها بالسياسة تستثمر هذه الجريمة لتكريس صورتها كدولة مجنونة‏.‏

كان بعض الكتاب في إسرائيل قد أطلق على هذه الحرب اسم الحرب الإسرائيلية- الإيرانية الأولى‏، فيما أطلق عليها عمير بيرتس وزير الحرب اسم "حرب المضيقين"،‏ وهو اسم قديم كان قد أطلق من قبل على الفترة ما بين فرض الحصار على الهيكل،‏ وما بين تدميره وتشريد اليهود قبل ألفي عام حسب رواية الأسطورة العبرية‏.

ومهما تعددت الأسماء التي قد يطلقونها على هذه الحرب، فإن هناك إجماعا على أن الاسم الذي تستحقه عن جدارة هو حرب استعادة قدرة الردع الإسرائيلية بعد اهترائها وتآكلها‏.‏

ومن المفارقات اللافتة للنظر أن يلقي القدر بهذه المهمة الإستراتيجية على كاهل الثنائي أولمرت- بيرتس،‏ الذي كان إلى ما قبل نشوب هذه الحرب يفتقد تماما لأي قدر يذكر من الخبرة في الشئون العسكرية والأمنية‏.‏

ومن المشكوك فيه أن يكون هذا الثنائي قد اطلع أصلا على كتاب إسرائيل دولة مجنونة،‏ وربما احتاجا الآن لنسخة منه لدراستها والتمعن فيها‏.‏

أطفال لبنان يدفعون ثمن البطش الإسرائيلي

وسواء قرأ ثنائي القيادة في إسرائيل هذا الكتاب أم لا،‏ فإن الهدف الذي يعملان الآن لإنجازه من وراء هذه الحرب يمكن بلورته في فقرة مهمة وردت في هذا الكتاب، ويقول نصها ما يلي‏:‏ "إن إسرائيل بحاجة إلى ردع على مستوى رفيع من الإحكام والمصداقية، وبناء صورة واعية وصريحة في نظر الآخرين تشتمل على صورة الميل إلى ردة فعل زائدة ضد العدوان عليها واستعداد للتحول إلى دولة مجنونة في وجه تهديد متطرف، وإظهار قدرة على العمل الانتقائي في العمق بواسطة توقف فرص للقيام بعمليات استعراضية وما شابه ذلك‏".‏

هذه الفقرة التي كتبت قبل ‏33‏ عاما يسعى أولمرت- بيرتس اليوم لتطبيقها في هذه الحرب،‏ لكن معضلة إسرائيل لم تكن في أي وقت الافتقاد لوسائل الردع، فهي متوافرة لديها إلى حد التخمة،‏ لكن معضلتها كانت في الفشل،‏ على الأقل إلى ما قبل 25-6‏ الماضي‏‏ في استخدام ترسانة أسلحتها سواء على الجبهة الفلسطينية أو اللبنانية،‏ ربما لأنها تواجه على كلتا الجبهتين قوى غير تقليدية أو كلاسيكية، ويمتلك كل منهما رؤية وقراءة وحسابات مختلفة تماما عن قوة الردع الإسرائيلية‏.

وإذا كان هناك الكثير من مظاهر الخلل التي كشفتها مجريات هذه الحرب في مبنى القوة الإسرائيلية ‏‏(الخلل الاستخباري،‏ الثغرات في جدار شبكة الدفاعات الجوية،‏ التبلبل والارتباك في بنك الأهداف‏)‏، فإنه مع ذلك تبقى لمسألة استعادة قوة الردع الأولوية عن كل ما عداها من أهداف أخرى‏.‏

وفي هذه المرحلة من الحرب لا يبدو بعد أن إسرائيل تمكنت من استعادة كل ما كانت فقدته من مصداقية لقوة ردعها، ورغم ما تكبده الفلسطينيون وحزب الله من خسائر،‏ فإننا ما نزال بعيدين على نحو ما من لحظة الانعطافة التي يمكن أن تميل فيها الكفة الإسرائيلية بشكل مؤكد وحاسم‏.‏

وهذا الأمر قد يفسر رغبة إسرائيل المحمومة،‏ حتى بعد جريمة قانا،‏ في تعطيل التدخل الدولي الدبلوماسي والسياسي رغم أنه قد يحقق لها قسما كبيرا من أهدافها دون حاجة لسفك المزيد من الدماء،‏ لكنها تعتقد أن ذلك حتى وإن حصل فإنه لن يكفي لترميم مقومات قدرة الردع وتكريس صورتها كدولة مجنونة، ثمة حاجة إسرائيلية في الأساس لاستخدام المزيد من القوة المفرطة لتحقيق هذا الهدف‏.‏

وقد يكون من الضروري الإيضاح للجميع بأن الهدف الإستراتيجي الأعلى لهذه الحرب ليس رأس حزب الله بقدر ما هو رأس الفلسطينيين،‏ فما يجري في جنوب لبنان،‏ رغم كل ما يكتنفه من صدام دموي مروع،‏ لا يعدو أن يكون،‏ بالمعايير الإستراتيجية للحرب سوى مناورة كبرى،‏ فيما تبقى الجبهة الفلسطينية هي مسرح الجهد الأساسي للحرب الحقيقية القادمة‏.‏

قد لا تكون هذه المسألة واضحة بالقدر الكافي لدى الكثيرين بسبب الغبار الكثيف للحرب وضجيجها الذي يصم الآذان،‏ وربما أيضا بسبب عدم التوازن في نقل الفضائيات لصورة ما يجري على الجبهة الفلسطينية على كل فظاعاته وخطورته‏.‏

وبالمقابل تبدو هذه المسألة واضحة تماما بالنسبة للطرف الإسرائيلي،‏ وثمة إشارات وتصريحات عديدة تبوح بهذا المعنى،‏ ربما كان آخرها وأبرزها تصريح الجنرال "يوفال دبيسكن" في 30-7 الذي قال فيه: إن الانتصار في لبنان ضروري للغاية لردع الفلسطينيين في الضفة وغزة‏.‏

ورغم التفاوت الواسع في القدرات التسليحية لحزب الله عما يتوافر للفلسطينيين،‏ فإن إسرائيل من جهتها تعتبر حزب الله مصدرا لتهديد أمنها ولكن ليس لتهديد وجودها كما هو الشأن بالنسبة لنظرتها للفلسطينيين الذين تعتبرهم‏ بذاتهم‏ مصدرا لتهديد أمن ووجود إسرائيل‏.‏

وربما كان من الضروري العودة للتذكير بأن حزب الله كان دخل هذه الحرب يوم 12-7‏ بعدة أهداف،‏ كان من بينها السعي لمساندة الفلسطينيين عن طريق فتح جبهة أخرى في الشمال،‏ لكن إسرائيل بالمقابل،‏ رغم انتقال مركز جهدها العسكري الرئيسي لمجابهة حزب الله،‏ فإنها مع ذلك لم تخفف أبدا من وطأة ووحشية عملياتها العدوانية على الجبهة الفلسطينية؛ بل ربما حدث العكس تماما،‏ فمنذ اندلاع العمليات ضد حزب الله تضاعف عدد القتلى الفلسطينيين حتى وصل في هذه الفترة إلى ‏98‏ شهيدا،‏ فضلا عن مئات الجرحى والمعتقلين،‏ وكان الهدف هنا أيضا هو استعادة قوة الردع وغرس الانطباع عن إسرائيل كدولة مجنونة تقاتل على جبهتين معا وفي آن واحد‏.‏

ولما كانت إسرائيل ما تزال للآن بعيدة عن تحقيق هذا الهدف بالكامل،‏ فإن وقف الحرب العدوانية عند هذه النقطة يمثل إجهاضا للمشروع الإسرائيلي؛‏ لأن تقويم نتائج الحرب لا تقاس فقط بما يمكن أن تحدثه من دمار وقتل في صفوف الخصم والعدو،‏ وإنما يقاس أيضا بقدراتنا على منع العدو من تدميرنا وإعمال المزيد من القتل في صفوف قواتنا ومواطنينا،‏ ومنعه من حسم الحرب لصالح أهدافه‏.‏

وقديما كتب المفكر الإستراتيجي "ليدل هارت" عن خطة انسحاب روميل في معركة العالمين باعتبارها أعظم حركة عسكرية في تاريخ الإستراتيجية‏.‏

وتتضاعف أهمية هذه المعايير إذا ما كنا نواجه حربا غير متكافئة يفترض أنها تدور في نطاق ما يعرف باسم حرب العصابات أو حرب التحرير الشعبية‏.‏

بالنسبة لإسرائيل تبقى الأفضلية والأولوية في هذه الحرب لترميم الخلل في ميزان الردع،‏ وتكريس الانطباع عن نفسها لدى الآخرين كدولة مجنونة‏، وهذا الأمر مهم جدا لنا أيضا،‏ لكن الأولوية تبقى بالنسبة لنا لإعادة فحص وتقويم انعكاسات كل نتائج هذه الحرب على مستقبل ومصير القضية الفلسطينية،‏ هذا إذا كنا حقا ما نزال نعتقد أنها قضيتنا الأولى.‏


*نقلا عن جريدة الأهرام بتاريخ 5-8-2006.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات