|
| إسماعيل هنية.. اختارته حماس لتشكيل حكومتها
|
خالص التهنئة أوجهها من أعماق القلب إلى الشعب الفلسطيني الذي أظهر حسًّا ووعيًا سياسيًّا عاليًا وديمقراطية غير مسبوقة فى الانتخابات التشريعية التى جرت فى الـ 25 من يناير 2006م، إذ برغم الظروف الصعبة والمعقدة التي يعيشها والاحتلال البغيض الذي يواجهه، فقد فاقت نسبة المشاركة والإقبال على صناديق الاقتراع 77% ممن لهم حق التصويت، وهذه نسبة عالية إذا قورنت بغيرها من النسب التى تسجل للشعوب العريقة في الديمقراطية، ناهيك عما يحدث فى بلادنا العربية والإسلامية.
هذا فضلا عن الهدوء التام وعدم وقوع أية تجاوزات أو خروقات أثناء العملية الانتخابية على كل المستويات كالتي جرت في مصر مثلا في الانتخابات التشريعية التى جرت منذ شهرين والتى صاحبها –خاصة في المرحلتين الثانية والثالثة– مقتل 14 شخصًا وإصابة وجرح 760 شخصًا (بعضها إصابات خطيرة)، إضافة إلى الاعتداءات التى وقعت على بعض القضاة الذين يشرفون على عملية الاقتراع، وقبل ذلك الرشاوى الانتخابية الضخمة التي أنفقت فيها عشرات الملايين من الجنيهات من قبل رجال المال والأعمال المتحالفين مع السلطة، إضافة إلى القيد والتصويت الجماعي والتلاعب في كشوف الناخبين... إلخ.
لقد تمت الانتخابات التشريعية في فلسطين إذن بحرية وشفافية وعبّرت بحق عن انحياز الشعب الفلسطيني إلى خيار المقاومة والرغبة الأكيدة فى الإصلاح والتغيير، ومن الإنصاف أن نقول إنه لولا موقف محمود عباس والفصائل الفلسطينية (بما في ذلك حركة فتح) ما جرت الانتخابات على هذا النحو المشرف.
نعم كنا نتوقع أن تفوز حماس، لكننا ما توقعنا أن تفوز بهذا العدد، وما توقعنا أن يكون الفارق بينها وبين فتح ضخمًا كهذا، ربما لأن الشعب الفلسطيني يدرك حجم التضحيات والتكاليف والأعباء التي تحملتها وقدمتها حماس، والثوابت التي تحرص عليها وتدافع عنها في كل المواقف، وقدرتها على التصدي للغطرسة والكبر الصهيوني وتوجيه ضربات موجعة له أوقعت به خسائر فى الأرواح والاقتصاد وهزت نظريته الأمنية، وأصابته بالهلع والخوف والفزع، هذا فضلا عن خدمات حماس الطوعية التى تقدمها لرجل الشارع العادي، والتي يلمسها القاصي والداني، إضافة إلى نظافة اليد التي تتمتع بها.
لعل هذه الانتخابات الحقيقية التي جرت في فلسطين تعطي مؤشرًا لما تريده وتهفو إليه الشعوب العربية والإسلامية فى بلادها، فلولا الديكتاتورية والاستبداد والنهج القمعي الذي تمارسه الأنظمة والحكومات ضد شعوبها، بسلب حقوقها والاعتداء على كرامتها، ولولا تزييف إرادة هذه الشعوب بكل الحيل والوسائل فى الانتخابات العامة لأظهرت نتائجها انحيازًا واضحًا للحركة الإسلامية، الأمر الذى تخشاه هذه الأنظمة، وتأباه دول الغرب التي تتبنى الديمقراطية وتعمل -كما تدعي- على نشرها وإقامتها على مستوى كل دول العالم.
إن الانتخابات التشريعية التي جرت في فلسطين والنتائج التى حققتها قد ألهبت حماس وشعور الشعوب العربية والإسلامية المتطلعة إلى الحرية التي تتوق إلى اختيار حكامها وممثليها ونوابها وبرنامج حياتها ونظام حكمها عبر إرادتها الحرة حتى تستطيع أن تنهض من كبوتها وتتبوأ مكانتها اللائقة بين الأمم الأخرى.
تحديات من كل مكان
والسؤال الذي يطرح نفسه هو إذا كانت هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها من الإسلاميين تشكيل حكومة، فهل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قادرة على مواجهة هذا التحدي؟ وللإجابة أقول لا بد ألا يغيب عن أذهاننا أن الشعب الفلسطيني يعاني من احتلال أرضه وتدنيس مقدساته، وأن السلطة الفلسطينية بقيادة فتح لم تستطع أن تقدم شيئا عبر السنين الماضية، بل خلفت وراءها تركة مثقلة بالهموم والأوجاع في كافة الميادين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، هذا إضافة إلى أوضاع عالمية (وإقليمية) معاكسة.
ونظرة أولية إلى التصريحات التى صدرت عن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي تبين بما لا يدع مجالا للشك حجم الصدمة التى اعترت هؤلاء، فلا معونات ولا تأييد ولا مساعدة ما لم تعترف حكومة حماس بالكيان الصهيوني، وتعلن نبذها للعنف (!)، وأن تقر بكل الاتفاقيات التي تمت مع السلطة الفلسطينية السابقة. وبدا التناقض واضحًا وجليًّا في لغة الغرب بين الاعتراف بديمقراطية وشفافية الانتخابات الفلسطينية من ناحية وبين عدم القبول بما أفرزته من ناحية ثانية. ولعل هذا التناقض يعكس أثر هذا الفوز وتداعياته على موقف الغرب من حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية، بل ومن الصراع العربي الإسلامي – الصهيوني برمته، وليس هذا فقط، ولكن أيضًا نظرته تجاه وصول الإسلاميين بشكل عام إلى سدة الحكم. ومما يؤسف له أن نرى بعض الدول العربية تحذو حذو أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي في ممارسة الضغط على حماس ومحاولة معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره لها؛ وهو ما جعل حماس تبدأ التحرك بوفود للدول العربية بغية التعريف بوجهات نظرها وما تفكر فيه في هذه المرحلة.
عمومًا يجب ألا نستعجل الحكم على الأمور، وأن نعطي الفرصة الكافية لحماس لإجراء هذه الحوارات والمناقشات، فضلا عن التشاور مع كافة الأطراف الفلسطينية للوصول إلى صيغة معقولة ومقبولة فى ظل الثوابت المعروفة.
إن حماس تحتاج إلى لملمة الأوراق وجمع الشتات وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل بما يهيئ لوجود جبهة قوية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
إن اتفاقية أوسلو قد انتهت وتجاوزتها الأحداث، ولم يعد أحد يلتزم بها، وأول من أعلن وفاتها وشيعها إلى قبرها هو العدو الصهيوني نفسه، أما مسألة التفاوض مع الإسرائيليين فقد ثبت فشلها، ولم تستطع حركة فتح أن تحقق شيئًا عبر طاولة المفاوضات سوى مزيد من التنازلات. ومن نافلة القول التذكير بأن المفاوض -أي مفاوض- ما لم يمتلك قوة تسانده وتدعمه فلن يتمكن من الوصول إلى شيء.
وفي تصوري أن قوة المجتمع الفلسطيني وتوحده خلف قيادته تمثل ورقة ضغط ليس فقط على الكيان الصهيوني فحسب، ولكن على المجتمع الدولي كله، ولا ينبغي أن تتخلى الشعوب العربية والإسلامية عن دورها فى دعم حماس -ماديًّا ومعنويًّا- حيث إن القضية الفلسطينية هي قضية العروبة والإسلام الأولى.
إنه لا يجب أن يكون هناك حديث عن السلام ما لم ينسحب الكيان الصهيوني من الأرض المحتلة، وما لم يفرج عن عشرة آلاف معتقل وأسير فى سجون الاحتلال، وما لم يعترف بحق اللاجئين الفلسطينيين فى العودة، وما لم يقر بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة على أرضها، وما لم يتوقف عن أعمال الاغتيال وبناء المستوطنات والجدار العازل.
مواجهة التحديات ممكنة
أما فيما يتعلق بمنع المعونات، ففي ظني أو الأقرب إلى الاحتمال أن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي لن يقدما على هذه الخطوة، وإنما هما يمارسان عملية ابتزاز بالنسبة لحماس لعل هذا الضغط يأتي بفائدة، وهذا التصور منشؤه حرص الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي على عدم إعطاء فرصة لإيران كي يكون لها موطئ قدم لدى الحكومة الجديدة. حتى ولو لم يكن هذا الاحتمال قائمًا، وكان هناك إصرار من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على منع وصول المعونات إلى السلطة الفلسطينية، فإن الدول العربية والإسلامية يمكن أن تقوم بتسديد الجزء الأكبر من فاتورتها، وهذه هي مسئوليتها.. نعم سوف تمارس الولايات المتحدة ضغطًا على هذه الدول، لكن على الشعوب العربية والإسلامية أن تقوم هي الأخرى بضغط مقابل على أنظمتها وحكوماتها.. من ناحية أخرى لا بد من تذكير الحكومة الجديدة بضرورة العمل على ترشيد الإنفاق والحد من الاستهلاك ومحاربة الفساد على مستوى كافة الإدارات.
في تصوري يجب أن يكون هناك تمديد لفترة التهدئة، فأول ما يجب أن تهتم به حماس هو وحدة وتماسك البناء الفلسطيني، وهذا بالطبع يطرح مسألة الشراكة مع بقية الفلسطينيين حول قواسم مشتركة وأهداف مرحلية على أنها أمر واجب ومهم، من ناحية أخرى يجب على حركة فتح أن تتنازل –ولو قليلا– عن انتهازيتها لصالح الوطن؛ ذلك لأن فشل الحكومة القادمة معناه فشل للجميع، وحيث إنها آلت على نفسها ألا تشارك فى الحكومة القادمة، فقد وجب عليها أن تكون معارضة مسئولة وبناءة.
وفي المقابل على حماس ألا تقطع الصلة بحركة فتح، وأن تحاول التشاور معها وأخذ رأيها في كل القضايا فذلك أجدى فى هذه المرحلة، وفي كل المراحل، كما أنها تأكيد على التزام حماس النهج الديمقراطي في الحكم.
نعم هناك خشية أو قلق من عدم سيطرة قيادات فتح على مؤسساتها وأجهزتها المختلفة، إذ قد يبدر من بعضها تجاوزات أو خروقات خاصة أن جو أزمة الخسارة والهزيمة يطل برأسه على كل تشكيلات فتح، وهذا بالطبع يتطلب من حماس حكمة بالغة في التعامل معها، وأتصور أن حماس سوف تنجح فى ذلك لما لديها من خبرات طويلة في هذا الميدان.
إن مسألة الحصار الدولي -لصالح الكيان الصهيوني- أمر وارد، لكن هذا يتوقف على قدرة حماس فى التعامل مع هذا الأمر بشيء من الإصرار والثبات على كل المحافل الدولية، كما يتوقف أيضا على الدور الذي يمكن أن تقوم به دول عربية وإسلامية، وآسيوية وأوروبية.
لا بد أن يكون هناك إسراع فى إجراء إصلاح وبناء حقيقي لمؤسسات الدولة: التنفيذية والقضائية والتشريعية والأمنية والدينية ومنظمات المجتمع المدني... إلخ، وهذه كلها تتطلب وقتًا وجهدًا.. ومالاً.. لكنها أمور أساسية وجوهرية..
أما ما يخص الجمع بين المقاعد السياسية والبندقية فلا يتصور أحد أن حماس سوف تلقي بسلاحها أو أن تأمر الفصائل الأخرى بالتخلي عن سلاحها، فالاحتلال ما زال قائمًا، ويمكن أن ينقض في أي لحظة ويمارس لعبته التي أدمنها، لكن من الممكن أن تنهض حماس بفكرة دمج الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية تحت راية واحدة تمثل نواة لجيش دولة فلسطينية المستقلة ذات السيادة.
يبقى سؤال مهم.. وهو هل يمكن أن تدخل حماس فى مفاوضات مع الصهاينة بما يتناقض مع الثوابت المعروفة؟ أقول إن غالبية الشعب الفلسطيني قد اختارت حماس انحيازًا لخيار المقاومة، وسوف تحمل حماس هذه الأمانة بكل العزة والإحساس بالمسئولية تجاه هذا الشعب العظيم الذى أصبح يمثل الآن مناط الأمل ومعقد الرجاء للأمة العربية والإسلامية كلها.
نعم سوف تكون هناك ضغوط ومعاناة على كافة الأصعدة والمستويات، لكن الشعب الفلسطينى الذي أعطى الدرس والقدوة والمثل فى التضحية والصبر والصمود لن يرضى بموقف فيه ذلة أو مهانة أو لين أو استكانة؛ ولذا أتوقع كما يتوقع غيري ألا تقدم حماس على خطوة المفاوضات هذه خاصة بعد أن ثبت فشلها وعدم جدواها فى الحقبة الماضية.
|