|
| زيني فرض شروط الإسرائيليين على عرفات
|
عاد التوتر ليكون سيد الموقف بين فصائل المقاومة الفلسطينية، لا سيما "حماس" و"الجهاد الإسلامي" من جهة والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، ووصل بين الجانبين ذروته في أعقاب إعلان السلطة الفلسطينية فرض الإقامة الجبرية على قائد ومؤسس "حماس" الشيخ أحمد ياسين، وما أعقب ذلك من مواجهات بين الجماهير الفلسطينية التي رفضت قرار السلطة هذا، وبين أفراد الأمن الفلسطيني، وسقوط شهيد برصاص الأمن الفلسطيني وجرح عدد آخر، إلى جانب استمرار عمليات الاعتقال التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في صفوف أنصار حماس والجهاد الإسلامي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
السلطة الفلسطينية تعتقد أن عمليات "حماس" الاستشهادية الأخيرة في كل من القدس وحيفا قد قدمت ذريعة لشارون؛ ليبرر شن حملة عسكرية هي الأقسى على الشعب الفلسطيني منذ اندلاع الانتفاضة، فضلاً عن إضعاف موقف السلطة في الساحة الدولية، لا سيما في مواجهة الإدارة الأمريكية التي حمَّل قادتها السلطة الفلسطينية المسؤولية عن التوتر السائد.
قادة السلطة يشعرون بالحنق على حركة حماس؛ لأن العمليات الاستشهادية الأخيرة قد مثَّلت فرصة ذهبية لأنصار إسرائيل في الإدارة الأمريكية لحسم الجدل الذي كان دائرًا في أروقة الإدارة بين فريق يرى أنه يجب إبداء تفهم للنضال الذي يخوضه الشعب الفلسطيني، والذي يمثله على استحياء وزير الخارجية كولن باول، والفريق الذي يتبنى الموقف الإسرائيلي الذي يرى أنه لا يمكن التمييز بين "إرهاب مشروع" و"إرهاب غير مشروع"، حيث إن الرئيس بوش عبر تعليقاته المتكررة على عمليات "حماس" قد تبنى موقف الفريق الثاني الذي يتزعمه كل من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي كونداليزا رايس.
وقد فوجئت قيادة السلطة الفلسطينية من شدة وحجم الضغوط التي تمارسها عليها الإدارة الأمريكية التي بلغت ذروتها في التصريحات التي صدرت عن أكثر من مسؤول أمريكي بشأن فشل الرهان على قيادة الرئيس عرفات، فضلاً عما صرَّح به نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي سيلفان شالوم، الذي أكد أن الإدارة الأمريكية وإسرائيل تستعدان لتهيئة الظروف "أمام نشوء قيادة فلسطينية مسؤولة بدلاً من قيادة عرفات".
إلى جانب ذلك فقد برَّرت الإدارة الأمريكية عمليات القصف التي قام بها الجيش الإسرائيلي ردًّا على العمليات الاستشهادية بوصفها عمليات "للدفاع عن النفس"، وما يشكله هذا من ضوء أخضر أمريكي لحكومة شارون لمواصلة ضرب مناطق السلطة الفلسطينية.
تهديدات واشنطن حاسمة
لا تخشى السلطة الفلسطينية فقط من عواقب سماح الإدارة الأمريكية لشارون باستنفاد إمكانيات تفوق جيشه في مواجهة الفلسطينيين، مع كل ما يعنيه هذا من خسائر يتكبدها الشعب الفلسطيني في ظل مواجهة غير متوازنة، بل تخشى السلطة بشكل أكبر من ردة الفعل الأمريكية الرسمية ضد السلطة الفلسطينية. فقد كان المبعوث الأمريكي للمنطقة الجنرال أنتوني زيني واضحًا تمامًا عندما أبلغ السلطة الفلسطينية أنه في حالة عدم اتخاذ الأجهزة الأمنية الفلسطينية إجراءات عاجلة لوقف عمليات المقاومة ومواجهة حركات المقاومة واعتقال كوادرها وعناصرها، فإنه لن يكون أمام الإدارة الأمريكية سوى تبني موقف حكومة شارون، واعتبار السلطة "كيانًا داعمًا للإرهاب"، مع كل ما يعنيه هذا من إجراءات عقابية ستفرضها الإدارة الأمريكية على السلطة.
وقد فصلت الإدارة الأمريكية جملة العقوبات التي ستتخذها ضد السلطة في هذه الحالة:
1- سحب الاعتراف بالسلطة والتوقف عن إجراء اتصالات مع قادتها، والتوقف عن تقديم الدعم المادي الأمريكي لأجهزة السلطة الفلسطينية، وقد تقدم نواب الكونجرس بقرار بالفعل إلى الإدارة الأمريكية يتضمن سحب الاعتراف بها وتجميد المساعدات لها في حالة عدم توقف "الإرهاب الفلسطيني"!
2- تحرك الإدارة الأمريكية لدى دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما الدول المانحة التي تمول أنشطة السلطة الفلسطينية، وإقناعها بعدم تقديم المساعدات المالية للسلطة، مع العلم أن المساعدات التي تقدمها الدول المانحة تشكل أكثر من 50% من مصادر التمويل للأنشطة داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية. وإذا كانت الدول المانحة تتلكأ في تسديد ما تعهدت به للسلطة حتى في فترات الهدوء، فإن ما يحدث حاليًا سيدفع لمزيد من التسويف والمماطلة، وذلك رغم أن بعض دول الاتحاد الأوروبي لا تتفق مع واشنطن في تحميل السلطة المسؤولية المطلقة عما حدث، ومع العلم أن الدول العربية لا تنفذ أيضًا ما التزمت به من مساعدات مالية للسلطة أثناء مؤتمري القمة في القاهرة عمان.
المطلوب: تجفيف الينابيع كلها
اللافت للنظر أن هامش المناورة الذي تتركه واشنطن أمام الرئيس الفلسطيني محدود جدًّا وخطير إلى أبعد حد، ويهدف ليس فقط إلى تصفية الانتفاضة بأيدٍ فلسطينية، بل أيضًا تدمير الوحدة الوطنية التي شكلت أهم ضمان لتواصل الانتفاضة وتطورها، هذا في الوقت الذي تزداد مواقف حكومة شارون تطرفًا، وقد أكد جدعون ساعر سكرتير الحكومة الإسرائيلية أن الإدارة الأمريكية قد طالبت السلطة بالقيام بالآتي:
1- اعتقال نشطاء حماس والجهاد الإسلامي الذين ترى إسرائيل أنهم متورطون في عمليات ضد إسرائيل. ومن الملاحظات ذات الدلالة كما ذكرتها القناة الثانية في التلفزة الإسرائيلية أن أنتوني زيني طلب أن يتولى الإشراف شخصيًّا ليس فقط على عمليات الاعتقال، بل وضمان إجراء عمليات تحقيق "ناجعة" مع المعتقلين، للحصول على معلومات استخبارية تفيد في تقليص قدرة الحركتين على شن عمليات استشهادية في المستقبل، مع كل ما يعنيه هذا من عودة التنسيق الأمني الثلاثي: الأمريكي - الإسرائيلي - الفلسطيني إلى سابق عهده. ولم تستثنِ إسرائيل من شروطها اعتقال نشطاء "فتح" الذين تتهمهم بالتورط في عمليات المقاومة.
2- تدمير البنية التحتية للحركات الإسلامية المقاومة، وتجفيف مصادر هذه الحركات. وقد شدد ساعر على أن هذا يعني ضمان تحقيق الآتي:
أ - إغلاق المؤسسات الخيرية والاجتماعية الثقافية التي تديرها حركة حماس على وجه الخصوص في الضفة الغربية وقطاع غزة، على اعتبار أن هذه المؤسسات هي التي تضمن المد الجماهيري لهذه الحركة، الذي بدوره يمدّ الحركة بالعناصر المستعدة للانضمام للمقاومة. هذا مع العلم بأن هذه المؤسسات تشرف على إعالة معظم الأسر الفقيرة وأبناء الشهداء في الضفة الغربية وقطاع غزة، بغضِّ النظر عن انتماءاتهم السياسية.
ب - سحب رخص المؤسسات النقدية والخيرية الخارجية العاملة في مناطق السلطة، التي تزعم إسرائيل والولايات المتحدة أنها على علاقة بحركات المقاومة. وقد قدمت الإدارة الأمريكية طلبًا للسلطة بالحجز على أموال "بنك الأقصى"، وإقفال فروع مؤسسة "الأرض المقدسة"، بدعوى أنها تكفل أبناء الشهداء الفلسطينيين، وهذا يعني أنهم يريدون من السلطة التخلص من أي رافد ولو غير مباشر للمقاومة.
ج - تشديد القبضة على المساجد، وعدم تمكين نشطاء حماس على وجه الخصوص من السيطرة عليها ومنع أنشطتهم فيها، إلى جانب فرض رقابة شاملة على الخطب والدروس، وضمان عدم تشجيعها على عمليات المقاومة، ومنع التحريض ضد إسرائيل واليهود. ويُذكر أن وزير الدولة الإسرائيلي داني نافيه كان قد اشترط في تصريحاته للتلفزة الإسرائيلية الأولى (6-12-2001م) عدم تضمين مناهج التعليم الفلسطينية أية آية قرآنية تتعرض لليهود بسوء.
السلطة أمام مفترق طرق
القيادة الفلسطينية في مأزق خطير، فعرفات من جهة يعي جملة الاستحقاقات المترتبة عن تجاهل الضغوط الأمريكية، ومن ناحية ثانية فإن الاستجابة لها تعني تحويل السلطة إلى مجرد "متعهد لحفظ أمن لإسرائيل"، كما كانت عليه حال جيش جنوب لبنان بقيادة أنطوان لحد. وقد كان وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز دقيقًا في تصوير وضع عرفات عندما قال: (في تصريح لإذاعة إسرائيل 4-12-2001م): "عرفات يريد أن يكون بطلاً في نظر الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه يريد أن ترضى عنه الإدارة الأمريكية، وهذا المستحيل!".
الذي يجعل عرفات أكثر ترددًا هو حقيقة أنه يعي أنه حتى في حال قيامه بكل الالتزامات التي تطالب بها الإدارة الأمريكية، فإنه لن يحصل على ثمن سياسي، فبرنامج شارون السياسي واضح تمامًا، ولا يشكل بحال من الأحوال قاعدة للتباحث مع السلطة الفلسطينية في المستقبل، وعرفات يعي أن الفلسطينيين سيسألونه عما حققته انتفاضة استمرت أكثر من عام وأربعة أشهر وقدم فيها الشعب الفلسطيني أكثر من ألف شهيد، إلى جانب كل ذلك فإن شارون يشدِّد على أن الإجراءات التي ستقوم بها السلطة لا تشكل بديلاً عن الإجراءات الميدانية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية، لا سيما عمليات التصفية والحصار.
من هنا وعلى الرغم من صعوبة الضغوطات التي تمارس على السلطة، فإنه بإمكان المرء أن يرصد توجهًا لدى عرفات لمحاولة امتصاص الضغوط الأمريكية عبر طلب تدخل كل من مصر والأردن ودول الاتحاد الأوروبي، مع الاستجابة جزئيًّا للمطالب الأمنية الإسرائيلية، فصحيح تمت عمليات اعتقال، وفرضت الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، لكن هناك إدراكًا لدى قادة السلطة أنه يتوجب الحذر وعدم الذهاب بعيدًا في الاستجابة للضغوط الأمريكية الإسرائيلية، والذي كان شاهد عيان للإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطة ضد عناصر حماس في العام 1996م، فإنه يدرك بسرعة أن الإجراءات الحالية تفتقد للحماس والجدية التي كانت في ذلك الوقت، عندما كان هناك مشروع للتسوية ولو متعثرًا.
قصارى القول: إن أمام السلطة وفصائل المقاومة تحديًا كبيرًا في مواجهة حكومة شارون، فما حدث مؤخرًا يتوجب أن يشعل ضوءاً أحمر لدى الجميع، فعمليات حماس الاستشهادية التي جاءت ردًّا على عمليات تصفية متتالية قامت بها إسرائيل ضد عناصرها صنعت ظروفًا أصبحت فيها الانتفاضة مهددة بالتصفية من قبل الفلسطينيين أنفسهم، فالذي يدفع السلطة للتردد والاستجابة بشكل جزئي للمطالب الأمريكية هو حقيقة أنها غير مستعدة للمواجهة مع الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي تحاول أن توسع من هامش المناورة لنفسها بالمخاطرة بالوحدة الوطنية الفلسطينية، وإن كان ذلك بشكل محسوب وحذر.
ومن الناحية الثانية، فإن حركات المقاومة تتعامل كما لو أن المتغيرات الدولية والإقليمية لا تعنيها بحال. من هنا فإنه لا مجال أمام السلطة وحركات المقاومة جميعها إلا القيام بخطوة لم يفكر الجميع بتجريبها في الماضي، وهي ضرورة الاتفاق على برنامج وطني شامل يهدف لتحقيق هدفين أساسيين متكاملين: استمرار مقاومة الاحتلال، وترسيخ الوحدة الوطنية الفلسطينية، بحيث لا تسفر عمليات المقاومة عن تهديد لمستقبل الانتفاضة ذاتها.
باحث في الشؤون الإسرائيلية، كاتب متخصص في الشؤون الإسرائيلية ، مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية- غزة.
|