|
| الشعب الفلسطيني -رغم الجراح- يعيش عصره الذهبي تحت ظلِّ المقاومة والجهاد
|
"إنهم حقًّا مقاتلون أشداء، يصعب على المرء أن يتصور كيف يتجرأ شباب في مثل هذا العمر على مواجهة الدبابات بسلاح خفيف"، وإن كان الحق ما شهدت به الأعداء، فإن هذه شهادة الجنرال إسحاق إيتان قائد حملة "الجدار الواقي" الهادفة إلى اجتثاث المقاومة الفلسطينية. ويضيف إيتان في تقرير بعث به إلى هيئة أركان الجيش قائلاً: "إننا حقًّا نستطيع أن نحتل مدن الضفة الغربية والبقاء فيها مدة ما، لكن بناء على انطباعاتي، فإنه ليس ورادًا لدى هؤلاء الاستسلام لنا" (القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي 3-4-2002م).
وبالفعل، فإن المقاومة الفلسطينية كانت من البسالة إلى درجة جعلت جنود الاحتلال رغم احتلال رام الله وغالبية المدن الفلسطينية، غير قادرين على الترجل من دباباتهم. ويكفي هنا أن نشير إلى أن عناصر الوحدات الخاصة لا يتحركون في أي شارع من شوارع المدن التي أعيد احتلالها إلا في حال كانت مروحيات "الأباتشي" أمريكية الصنع تحلق فوقهم لإعطاء عناصر هذه القوات شعورًا بالأمن.
ومن الأمور التي تلفت الأنظار بشكل خاص، حقيقة تفوق المقاومين الفلسطينيين في مجال القنص. وحسب بيانات مكتب الناطق بلسان جيش الاحتلال نفسها، فإن جميع جنود الاحتلال الذين قتلوا أو أصيبوا منذ بدء الحملة كانوا قد أصابتهم رصاصات القناصة الفلسطينية عندما حاولوا رفع رؤوسهم من الدبابات. بكلمات أخرى، إن كل جندي حاول الخروج من الدبابة كان هدفًا لرصاص القناصة الفلسطينيين.
نقل المواجهة إلى ساحات أخرى
وهنا يتوجب الإشارة إلى ما بات يعرفه حتى قادة جيش الاحتلال أنفسهم، أنه إلى جانب المقاومة الباسلة في مواجهة جنود الاحتلال، فإن المقاومين الفلسطينيين يعكفون على نقل المواجهة إلى ساحات أخرى. فالآن بات معروفًا أن العديد من عناصر الأجهزة العسكرية لحركات المقاومة قد لجئوا إلى مغارات في جبال الضفة الغربية لتنظيم أنفسهم، ولترتيب طرق شن غاراتهم على أهداف تكون سهلة نسبيًّا لهم: مثل مهاجمة المستوطنات اليهودية التي اضطرت قيادة جيش الاحتلال إلى إجبار المستوطنين أنفسهم على تجنيد أنفسهم للدفاع عنها.
وفي نفس الوقت، يعلن رجال المقاومة أنهم يخططون لموجات من العمليات الاستشهادية لم تشهد لها الدولة العبرية مثيلاً حتى الآن. وهناك اتجاه داخل حركات المقاومة الفلسطينية لتقليص جهدها داخل المدن الفلسطينية التي أعيد احتلالها، لكي يتم استثمار طاقة المقاومة في تنفيذ عمليات داخل العمق الإسرائيلي. وهناك من يقول إنه من الأفضل تقليص الجهد في الساحات التي يزج بها العدو بكل قوته إلى الساحة التي تعتبر نقطة ضعف كبيرة لدى الدولة العبرية، وهي الجبهة الداخلية.
ومن المفارقات التي تدعو للإعجاب، حقًّا هو حقيقة تمكن رجال المقاومة الفلسطينية بقدراتهم البسيطة من التنصت على الاتصالات التي تجريها قيادة الحملة العسكرية الصهيونية في الضفة الغربية وقيادة هيئة أركان الجيش في تل أبيب. وقد أقرت قيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال بحدوث هذا الاختراق الكبير، والذي مكَّن عناصر المقاومة في كثير من الأحيان من معرفة تحركات قوات الاحتلال قبل أن تحدث.
قيادة موحدة للعمل الميداني المقاوم
رجال المقاومة الفلسطينية -الذين ينتمون إلى حركات تختلف في انتماءاتها الأيدلوجية- استطاعوا توحيد عملهم الميداني. فلأول مرة -منذ انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني- تتفق فصائل المقاومة على تشكيل قيادات ميدانية مشتركة للإشراف على عمليات المقاومة ضد القوات الغازية. وقد كانت تجربة المقاومة في جنين هي مثال تم تطبيقه في كل المدن الفلسطينية التي أعيد احتلالها.
وإلى جانب وجود قيادة مشتركة، فإن هناك غرف عمليات سرية مشتركة يقوم ممثلو حركات المقاومة بدارسة ما تم إنجازه خلالها؛ والاتفاق على مخططات المقاومة في المنطقة مستقبلاً، مع الوقوف على مكامن الضعف ومحاولة تقويتها، ومكامن القوة ومحاولة تعزيزها. ومن الأمور التي تعكس روح التعالي على الاختلافات الفصائلية الضيقة، هو حقيقة أن رجال المقاومة في مدينة جنين وافقوا على أن يكون ممثل حركة الجهاد الإسلامي -وهو أحد الفصائل الصغيرة في المدينة- أن يتولى قيادة عمليات المقاومة، في حين يتولى ممثل حركة حماس قيادة المقاومة في منطقة "بيت لحم" التي يمثل المسيحيون نصف سكانها.
ويساعد العمل المقاوم المشترك على استغلال مكامن التميز في العمل العسكري لدى كل تنظيم فلسطيني. وإذا كان جناح حركة حماس يتميز بتنفيذ عمليات التسلل إلى قلب المستوطنات إلى جانب تنفيذ العمليات الاستشهادية الكبيرة -وكذلك حركة الجهاد الإسلامي- فإن الجناح العسكري للحركة "يتميز" في نصب الكمائن المسلحة وعمليات القنص؛ ويسهم هذا التكامل في إنجاح عمليات المقاومة.
هل تتآكل الفروق الأيدلوجية؟
وإلى جانب توحيد العمل المقاوم الميداني، فإن الوضع الجديد الذي نجم عن الحملة العسكرية الصهيونية على الشعب الفلسطيني وحصار الرئيس عرفات قد صنع مناخًا مغايرًا لدى فصائل العمل الوطني الفلسطيني، لا سيما لدى تلك الفصائل التي كانت ترى في التسوية السياسية طريقًا لحل القضية الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص حركة "فتح"، حزب السلطة وأنصارها.
وبات من الواضح أن أدبيات هذه التنظيمات باتت تعمل على تعبئة أنصارها على حقيقة أنه لم يَعُد هناك خيار أمام الشعب الفلسطيني إلا خيار المقاومة والجهاد. والذي يستمع إلى الشعارات التي تطلقها حركة "فتح" على سبيل المثال في مسيراتها وبياناتها، فإنه يخال له أنه يستمع إلى شعارات حركتي حماس والجهاد الإسلامي. بكلمات أخرى، فإن الحركات التي كانت تؤمن بالحل السياسي باتت على الأقل تؤكد لأنصارها أن هذا الخيار لم يَعُد واقعيًّا في ظلِّ سياسة حكومة شارون الإجرامية غير القابلة للتوافق مطلقًا.
وقد انعكس التعاطي السياسي لهذه التنظيمات على طابع عملها الميداني المقاوم. فبعد أن كانت حركة "فتح" على سبيل المثال تدعو إلى تركيز العمليات العسكرية ضد المستوطنات اليهودية وجنود الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعدم تنفيذ عمليات استشهادية داخل المدن الإسرائيلية، فإذا بالجهاز العسكري لحركة "فتح" المعروف بـ "كتائب شهداء الأقصى" يشرع في التنافس مع الأجهزة العسكرية لبقية التنظيمات على تنفيذ العمليات الاستشهادية في قلب المدن الصهيونية.
ومن اللافت بشكل خاص، هو اعتماد حركة "فتح" على الخطاب الديني في تعبئتها لجمهورها. ويكفي أن كل بيان صادر عن "كتائب شهداء الأقصى" يعلن عن عملية جهادية تقوم بها يبدأ بالآية الكريمة: "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلِيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين"، وهذا لم يكن سائدًا في الماضي. صحيح أن سقف متطلبات حل القضية الفلسطينية بالنسبة لحركة "فتح" واليسار ينحصر في المطالبة بإجلاء الاحتلال عن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وإقامة الدولة الفلسطينية فيها إلى جانب عودة اللاجئين الفلسطينيين، في حين أن حركات المقاومة الإسلامية تنادي بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، إلا أن استمرار ممارسات حكومة شارون على هذا النحو، ورفضها الشديد والمطلق لمطالب الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية -فضلاً عن استمرار سيطرة اليمين المتطرف على الحكم في الدولة العبرية- كل هذه العوامل من شأنها أن تؤدي إلى تآكل الفروق الأيدلوجية بين حركات المقاومة.
على كل الأحوال، فإنه مما لا خلاف حوله أن حركات المقاومة على اختلاف مشاربها الفكرية تتفق على أن اتفاق "أوسلو" قد انتهى، وأصبح من عداد الأموات، وأن العلاقة بين الشعب الفلسطيني ودولة العدوان قد دخلت مرحلة جديدة.
انضمام قطاعات جماهيرية جديدة للمقاومة
اللافت للنظر أن المقاومة والفلسطينية ونجاحاتها في المعركة غير المتوازنة قد أدت إلى ارتفاع معنويات الجمهور الفلسطيني بشكل لم يسبق له مثيل. وعلى الرغم من أن تدهور الأوضاع الاقتصادية لجماهير الشعب الفلسطيني بشكل لم يسبق له مثيل، حيث إن مستويات الفقر في قطاع غزة قد تجاوز الستين بالمائة، في حين يتجاوز الثلاثين بالمائة في الضفة الغربية، وعلى الرغم من تدمير البنى التحتية للاقتصاد الفلسطيني، فإن الجمهور الفلسطيني يظهر استعدادًا كبيرًا لمواصلة التضحية.
وهنا يتوجب الإشارة إلى أن هناك قطاعات جديدة قد دخلت إلى عمل المقاومة. فقد كانت عمليات المقاومة محصورة في نطاق الأجهزة العسكرية للتنظيمات، إلا أنه مع عمليات الاجتياح التي قامت بها قوات الاحتلال لقلب المدن الفلسطينية، فقد انضم الآلاف من الشباب الفلسطيني إلى إطار المقاومة. وهناك الكثيرون منهم ممن لم يكن له انتماء تنظيمي محدد.
وبذلك فقد أدت الحملة الصهيونية إلى تحويل كل المناطق الفلسطينية إلى ساحة مواجهات، بعد أن كانت مقصورة على مخيمات اللاجئين أو الريف الفلسطيني. إلى جانب ذلك، فقد تجلَّت الوحدة الوطنية الفلسطينية في أسطع مظاهرها، ففي بيت لحم تشاهد المقاوم المسلم إلى جانب المقاوم المسيحي يتخندقون في نفس الخندق، وتجد النساء المسيحيات والمسلمات وهن يقمن بنقل المؤن إلى رجال المقاومة في معاقلهم.
والخلاصة أن الشعب الفلسطيني -رغم الجراح- يعيش عصره الذهبي تحت ظلِّ المقاومة والجهاد.. وأحرار فلسطين باتوا يؤمنون أن هذا الواقع ليس قدرًا، بل يجب مقاومته حتى التخلص منه بشكل نهائي. وكل الدلائل تؤكد أنه -وبخلاف انتفاضة الحجر التي اندلعت في العام 1987م- فإنه لا يبدو أن هناك أي إمكانية للالتفات على مقاومة الشعب الفلسطيني المتصاعدة. وقد يكون أهم سبب وراء ذلك -إلى جانب تصميم الشعب الفلسطيني على استعادة حريته- هو حقيقة أنه لا يوجد في الدولة العبرية من يبدي أي استعداد للتعاطي مع أكثر الأطراف الفلسطينية مرونة في كل ما يتعلق بالتسوية مع الصهاينة. صحيح أن جولة وزير الخارجية الأمريكية المقبلة قد تحاول المس بانتفاضة الشعب الفلسطيني؛ لكن التحرك الأمريكي قد حكم على نفسه بالفشل مسبقًا عندما أعلن بوش أنه يتوجب استبدال قيادة أخرى بعرفات.
باحث في الشؤون الإسرائيلية، كاتب متخصص في الشؤون الإسرائيلية ، مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية- غزة.
|