English

 

الأربعاء. مايو. 15, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
أهم الأخبار  

"إصلاح" السلطة الفلسطينية.. حجة لإجهاض المقاومة

صالح محمد النعامي

النكوص عن خيار المقاومة تحت شعار الإصلاح خطأ تاريخي
النكوص عن خيار المقاومة تحت شعار الإصلاح خطأ تاريخي
شكّل فك الحصار عن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات نقطة تحول هامة في الجدل الفلسطيني الداخلي حول مستقبل العمل الوطني الفلسطيني، وعادت للسطح بقوة الدعوات لإعادة تقييم أداء السلطة وأجهزتها الأمنية والإدارية، فضلا عن مناهج العمل التي تحكم دوائر صنع القرار في السلطة الفلسطينية.

ومع أن هذه الدعوات كانت دائما تُثار في الساحة الفلسطينية، فإن ما يميزها هذه المرة هو كونها تصدر عن قيادات تنفيذية في السلطة الفلسطينية، وبعض هذه القيادات طالما ما استخفت بالدعوات للإصلاح في الماضي.

وتحت شعار المساءلة والمكاشفة، تصدى لقيادة دعوات الإصلاح في مؤسسات السلطة عدة تيارات: تيار بقيادة العقيد "محمد دحلان" مدير جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، وقد انضم إليه كل من كبير المفاوضين "صائب عريقات"، والمستشار الاقتصادي للرئيس عرفات "محمد رشيد"، وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية "محمود عباس أبو مازن".

وهناك تيارات أخرى مثل تيار العقيد "جبريل الرجوب" قائد جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية، إلى جانب تيارات صغيرة يقودها وزراء ومسؤولون كبار في سلك السلطة.

وينادي دعاة الإصلاح بإعادة هيكلة أجهزة السلطة الفلسطينية المدنية والأمنية بشكل جديد، بحيث يتم توحيد الأجهزة الأمنية في جهاز واحد بقيادة واحدة، على اعتبار أنه لم يعد هناك مبرر لوجود هذه الأجهزة.

إلى جانب إعادة هيلكة الأجهزة المدنية والوزارات، بحيث يتم الاحتفاظ بالمؤسسات التي يحتاجها المواطن الفلسطيني -وليست تلك التي تمت إقامتها فقط- لكي تتلاءم مع الوصفة الوظيفية لهذا المسؤول أو ذلك. إلى جانب فرض رقابة على صرف المساعدات المالية التي تصل للسلطة والدعوة لسيادة القانون، فضلا عن محاسبة من يسمونهم "الذين قصروا في أداء واجبهم أثناء حملة الجدار الواقي".

من نافلة القول أن هناك إجماعا شعبيا فلسطينيا على المطالبة بتطبيق هذه الإصلاحات؛ إذ إن المواطن الفلسطيني طالما دفع فاتورة التسيب والفوضى التي تضرب أطنابها في مؤسسات السلطة الفلسطينية، والتي أثرت على قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة المخططات الإسرائيلية.

العوامل الشخصية

لا يمكن للمرء أن يتجاهل العوامل الشخصية التي تقف خلف هذه الدعوات التي تصدر عن مسؤولين، لم يتردد بعضهم عن إعلان استقالته بسبب عدم الاستجابة لمطالبه بالإصلاحات البنيوية. والأدلة الواضحة على العوامل الشخصية -خلف هذه الدعوات- هي حقيقة أن بعض المسؤولين الفلسطينيين أخذ على عاتقه المطالبة بالإصلاحات من أجل التغطية على فشله في أداء واجباته.

ومن المفارقات أن يطالب الرجوب بالإصلاح في مؤسسات السلطة في الوقت الذي تعاظمت الدعوات في الساحة الفلسطينية لإقالته ومحاسبته، بسبب دوره في تسليم عناصر المقاومة من حماس وفتح والجهاد الإسلامي.

والتيارات الأخرى في السلطة التي تنادي بالإصلاح أيضا تتخذ من المطالبة بمحاسبة  الرجوب كعنوان للتغييرات التي يريدونها بالطبع، مستغلين حقيقة أن الشارع الفلسطيني يبدي حماسا للتخلص من الرجوب بعد تسليم عناصر حماس والجهاد وفتح لجيش الاحتلال.

هل المقصود رأس المقاومة؟

وعلى الرغم من الطابع الشخصي للعوامل التي تقف خلف هذه الدعوات، فإنه بالإمكان الإشارة إلى أن هذه الدعوات تتطور شيئا فشيئا. وها نحن نرى أن هناك من يدعو إلى إعادة تقييم طابع المقاومة الذي ميز انتفاضة الأقصى.

وها هو وزير الإعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه يدعو صراحة إلى العودة بالانتفاضة إلى الطابع الجماهيري والإقلاع عن العمل المقاوم الاستشهادي. 

وقد أكد عبد ربه في أكثر من تصريح للإعلام -بعد فك الحصار عن عرفات- أن العمليات الاستشهادية التي مست بالمدنيين الإسرائيليين قد ساعدت شارون في تسويق سياساته القمعية ضد الشعب الفلسطيني؛ وقلصت هامش المناورة أمام الشعب الفلسطيني في الساحة الدولية. وعلى الرغم من الدعوة لإعادة تقييم الانتفاضة تبرز على استحياء، فإنها تعتبر أهم مركب في دعوات "الإصلاح" التي صدرت من أروقة السلطة الرسمية. وشيئا فشيئا برز تيار واضح يدعو إلى محاكمة الانتفاضة الفلسطينية؛ ويحمل العمليات الاستشهادية كل المسؤولية عما لحق بالشعب الفلسطيني.

اللافت للنظر أن بعض قيادات حركة "فتح" انتبهوا إلى هذه الحقيقة؛ وعرفوا أن دعوات الإصلاح من شأنها المس بالانتفاضة وبالعمل المقاوم  كخيار للشعب الفلسطيني. لذا أصدرت بعض القيادات داخل فتح بيانات تدعو إلى أن تأتي الإصلاحات المستقبلية في نطاق دعم المقاومة والانتفاضة، وليس للمس بها. وقد حذَّر حسين الشيخ أمين سر حركة "فتح" في الضفة الغربية بشدة من مغبة الوقوع فيما أسماه بـ"الخطأ التاريخي" المتمثل في التراجع والنكوص عن خيار المقاومة تحت شعار الدعوة للإصلاح وإعادة التقييم.

لكن الذي أثار قيادات حركة فتح الميدانيين بشكل خاص واستفزهم، هو حقيقة أن أصحاب دعوات "الإصلاح" يصرون على أن عملية الإصلاح يجب أن تبدأ بحركة فتح؛ إذ إن هناك حملة شديدة داخل بعض الأوساط في السلطة ضد خط المقاومة في "فتح"؛ سيما ضد مروان البرغوثي أمين سر اللجنة الحركية العليا لـ "فتح" المعتقل حاليا في إسرائيل.

وهناك أوساط مؤثرة داخل السلطة ترى أن مشاركة فتح في المقاومة كانت "خطيئة"؛ لأنها أعطت مبررا لإسرائيل وإدارة بوش يثبت للعالم أن عرفات مشارك فيما تعتبره واشنطن وتل أبيب "إرهابا"، وجعلت شارون يبرر تواصل عمليات تدمير السلطة والمس بقيادة السلطة.

شارون وبوش يضعان العُقدة في المنشار

لكن في ظل هذه التفاعلات جاء ما قد يشكل معوقا جوهريا لتطبيق هذه الإصلاحات. فعشية زيارته الأخيرة للولايات المتحدة أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون -بشكل لا يقبل التأويل- أن مستقبل أي آفاق سياسية للتسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية متوقف بشكل أساسي على قيام السلطة بإدخال إصلاحات بنيوية على مؤسساتها، سواء الأمنية أو المدنية.

وقد ركز شارون -بشكل خاص- على ضرورة توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في جهاز أمني واحد وبقيادة واحدة حتى يمكن محاسبة هذه الجهاز وقيادته في حال ثبوت تورط أي من عناصر هذا الجهاز في عمليات المقاومة. وليس هذا فحسب بل إن شارون يشترط أن يتم تشكيل آلية متفق عليها للإشراف على أوجه الإنفاق في مؤسسات السلطة، بحيث لا يتم تخصيص أي من المساعدات التي تصل للسلطة لعمليات المقاومة. إلى جانب ذلك، فإن شارون اشترط أن يتم تقليص صلاحيات الرئيس عرفات بشكل كبير، على اعتبار أن أسلوب عمل عرفات سمح بتواصل عمليات المقاومة.

كان بالإمكان أن تبقى شروط شارون هذه مجرد موقف إسرائيلي قابل للتفاوض والحوار؛ لكن المفاجأة كانت في ختام المؤتمر الصحافي الذي عقده كل من شارون وبوش في ختام الزيارة، حيث أعلن بوش تبنيه لجميع مطالب شارون بشأن الإصلاحات الواجب إدخالها على عمل السلطة الفلسطينية.

واضح تماما أن حرجا كبيرا قد أصاب دعاة الإصلاح في مؤسسات السلطة. فواضح جدا أن التشابه الكبير في الدعوات التي يقفون خلفها وبين شروط شارون وبوش بعث على الشك والريبة لدى الكثيرين في الساحة الفلسطينية.

وقد أُصيب دعاة الإصلاح من قادة السلطة بالحرج الشديد، وقد عبّر العقيد محمد دحلان عن ذلك بجلاء، عندما قال: إنه على الرغم من أنه لا زال يرى وجوب تنفيذ الإصلاحات، فإن من الصعب إقناع الشارع الفلسطيني بها في أعقاب تبنيها من قبل إسرائيل والإدارة الأمريكية.

فشارون يريد عمليات الإصلاح على اعتبار أنها مصلحة أمنية إسرائيلية من الطراز الأول، في حين يراها دعاة الإصلاح الفلسطينيون أنها مصلحة وطنية فلسطينية.

وقد ذهب العقيد دحلان إلى حد اتهام شارون بأنه طالب بهذه الإصلاحات لإحباط الإصلاحات؛ لأنه يعي أنه من الصعب تبني عمليات الإصلاح سيما إذا أصبحت شرطا إسرائيليا مسبقا.

لكن على الأقل بالنسبة للأمريكيين فإنهم لا يبدون على ما يبدو أهمية للتحفظات الفلسطينية على شروط تل أبيب وواشنطن. فحسب قرار الرئيس بوش من المتوقع أن يصل مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية "جورج تينت" للضفة الغربية وقطاع غزة لكي يدرس سبل توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في جهاز واحد وتحت قيادة واحدة.

وقد أعلن تينت أن أحد أهم الأهداف من هذه الخطوة هو التسهيل لعملية التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية. وإذا كان الأمريكيون لا يتورعون عن تحديد هذا الهدف لعملية توحيد الأجهزة الأمنية، فإن هذا لا يساهم فعلا في إثارة الشكوك حول أصحاب دعوات الإصلاح من قادة السلطة.

عوامل لإحباط الإصلاحات

لكن حتى لو لم تتبنَ تل أبيب وواشنطن هذه الإصلاحات، فإن هناك عوامل عدة تُعرقل تنفيذها والاستجابة لها:

*استمرار الحملات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة يجعل من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل تطبيق هذه الإصلاحات. فمثلا، كيف يتم توحيد الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية؟ مع العلم بأنها لم تعد قائمة هناك بفعل الضربات العسكرية الإسرائيلية. وفي حالة ما إذا تم تنفيذ حملة مماثلة في غزة فإن الأمور لا تزداد إلا تعقيدا.

وفضلا عن ذلك، فإن الأفق السياسي الذي كان من الممكن أن يغري لتأييد الإصلاحيات غير موجود في ظل حكم شارون.

*أصحاب دعوات الإصلاح مختلفون فيما بينهم من جهة، ومع قادة فصائل المقاومة الفلسطينية من جهة أخرى حول مستقبل الانتفاضة. والاختلاف على أساليب المقاومة في الانتفاضة يجعل تطبيق الإصلاحات مستحيلا، مع أن الظروف السائدة لا تسمح حاليا لطرف حسم الأمور لتبني وجهة نظره.

*التراث القيادي للرئيس عرفات يدل على أنه لم يُقدم في حياته على عمليات إصلاح وتغيير في المسؤولين المحيطين به؛ حيث إنه ينقل عنه دائما قوله: "لا أقوم باستبدال الجياد في المعركة!". ويبدي عرفات شكوكا حول دعوات الإصلاح؛ لأنه يعي أنها قد تنتهي بتقليص صلاحياته.

 وأخيرًا.. من حق الفلسطينيين أن يطرحوا أسئلة، وأن يعيدوا تقييم الانتفاضة، وأن يعيدوا حساباتهم حول طابع الانتفاضة. وقد آن حقا الإقدام على إصلاحات جوهرية في الساحة الفلسطينية؛ لأن الإنسان الفلسطيني فقد ثقته في المؤسسة الرسمية الفلسطينية.

لكن ما لن يقبله الفلسطينيون أن تكون الدعوات للإصلاح مطية لتحقيق مطامح شخصية أو أسلوبًا للتغطية على أوجه القصور لدى البعض.


باحث في الشؤون الإسرائيلية، كاتب متخصص في الشؤون الإسرائيلية ، مراسل إسلام أون لاين.نت للشؤون الإسرائيلية- غزة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات