|
| فتح تحتفل بعيدها الـ39
|
يصادف يوم 1-1-2004 حلول الذكرى الـ 39 لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" والتي كانت قد تأسست سرًّا في عام 1957، وأمضت قرابة الثماني سنوات في الإعداد والتهيئة، وتجنيد وتنظيم وتدريب كوادر قبل أن تختار يوم 1-1-1965 لتنفيذ العملية الفدائية الأولى، وإصدار بيانها العسكري الأول الذي كان قد حمل توقيع قوات العاصفة -الجناح العسكري لحركة فتح- معلنة بذلك، وليس عن انطلاقتها فحسب، وإنما أيضا عن تدشين مرحلة جديدة للكفاح الفلسطيني المسلح.
ورغم التراجع المضطرد في مكانتها وشعبيتها في السنوات الأخيرة فإن فتح لا تزال الحركة الكبرى والأكثر شعبية ونفوذًا بين حركات المقاومة الفلسطينية. وهيمنت فتح -منذ انطلاقتها- على الواقع السياسي الفلسطيني، وتمكنت من قيادته خلف مبادراتها وبرامجها، بفضل توافر عدد من العناصر التي كانت متميزة بها والتي أدى التراجع عنها إلى نشأة بل تفاقم الأزمة الراهنة لفتح.
فتح في العهد القديم
تميزت فتح في الماضي بعدة ميزات:
أولاً: الميزات الخاصة بمبناها التنظيمي:
والذي كان قد تأسس على اعتبارها حركة وليست حزبًا؛ وهو ما كان يسمح لها باستيعاب فئات شتى من الشرائح الاجتماعية الفلسطينية بأطيافها الأيديولوجية والفكرية المتعددة؛ وكان ذلك كله -على ما يستبطنه من تعارضات- ينتظم موحدًا خلف الشعارات التي رفعتها فتح، من قبل شعار "حل التعارضات الثانوية بالحوار" ولصالح "التناقض الرئيسي مع العدو"، وشعار "كل البنادق نحو العدو الصهيوني" وغيرها من الشعارات. وكان أيضًا مما ميز حركة فتح توافر عدد غير قليل من القادة التاريخيين الذين لعبوا دورًا أساسيًّا، وسوف نلحظ لاحقًا وبشدة أثر غيابه وتغييبه على الأقل في مستويين:
المستوى الأول منها، يتعلق بالقيادة العليا لفتح، حيث كان وجود هؤلاء القادة -مع دخول القائد الرمز- يمثل نوعًا من الضوابط والكوابح التي كانت تحول دون تطرف الفرد بالاستفراد، وتحول دون تحول رمزية القيادة إلى نوع من شخصنة السلطة، واحتكار كل صلاحياتها في قبضة واحدة.
أما المستوى الثاني، فإنه يتعلق بما كان يمثله هؤلاء القادة من احتضان ورعاية التيارات السياسية المتفاعلة داخل فتح، بما كان يضمن لها في وجودهم نوعًا من الحماية، وهامشًا أكبر من التعبير في إطار مضبوط من أعلى، يكبح أعراض الشطط والتشرذم، وهو ما باتت تفتقد إليه فتح اليوم في ظل غياب أو تغييب القادة التاريخيين.
ثانيًا: الميزات الخاصة بفكرها وعملها السياسي:
1 - في مجال إدراكها المبكر لدور العامل الدولي في التأثير على مسار الصراع العربي الإسرائيلي، واستيعاب المتغيرات الدولية، والسعي للإفادة منها أو تجنب التصادم معها.
2 - في المجال الإقليمي، كانت حركة فتح قد سجلت نجاحًا في حل شفرة النسيج المعقد للنظام العربي وحكوماته؛ وحققت نوعًا من التوازن، لم يخلُ من توتر -بطبيعة الحال- ما بين اندماجها كجزء مكون لهذا النسيج، وبين خصوصيتها والحفاظ بقدر الإمكان على القرار السياسي الفلسطيني المستقل.
3 - في مجال صياغة البرامج السياسية المرحلية والتي كانت تسعى لاستيعاب المتغيرات من حولها، مع المحافظة، على الأقل من الناحية الدعائية، على الثوابت الفلسطينية.
ثالثًا: ميزة قدرتها على المبادرة، والاحتفاظ بها:
ومن ذلك، ما كان عليه دورها في مجال الكفاح المسلح الفلسطيني (المبادرة إلى العمل الفدائي منذ عام 65، ومبادرة قياداتها (عرفات وآخرين) لاقتحام الضفة الغربية بعد أن وقعت في احتلال 67؛ وقرار فتح التاريخي بخوض معركة المواجهة في الكرامة عام 68 بعد أن رفضت وانسحبت أغلب الفصائل الأخرى من هذه المعركة؛ والمبادرة بعمليات كبيرة عبر الأردن مثل عملية الحزام الأخضر، وعملية الشهيد عبد القادر الحسيني، والعمليات التي انطلقت من الساحة اللبنانية، والعمليات النوعية، مثل عملية دلال المغربي والسافوي، والهجوم على المفاعل النووي ديمونة، والعمليات البحرية، وتطوير تسليح المقاومة، وتنويع أساليب الكفاح المسلح من القواعد الارتكازية إلى حرب التحرير الشعبية، إلى حرب العصابات في المدن... إلخ).
ولم يقتصر الأمر على الكفاح المسلح، وإنما تعداه إلى الإحاطة بمختلف مجالات ومناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعب الفلسطيني داخل وخارج الأرض؛ ومن ذلك مثلاً المبادرة لتأسيس "الاتحادات الشعبية"، وجمعية "الهلال الأحمر الفلسطيني"، ومؤسسة "أسر الشهداء"، ومؤسسة "صامد الاقتصادية"، ومؤسسة "الأشبال والزهرات"، ودعم مركز الأبحاث ومركز التخطيط وحركة الشعبية وغيرها. وكان التراجع الحاصل في هذه الميزات والتآكل المضطرد فيها، قد أديا إلى بروز ومن ثَم استفحال شأن الأزمة الراهنة لحركة فتح.
الأزمة الفتحاوية الراهنة
على جانب الأسباب السياسية المشار إليها، فإن الأزمة الراهنة لفتح يمكن رد أسبابها إلى العناوين الأربعة التالية:
1) الإطار العام لأزمة حركة فتح:
يمكن وضع الأزمة الراهنة لفتح موضوعيًّا، ومن الوجهة الإستراتيجية، في الإطار العام للأزمة التي انخرطت فيها أغلب حركات التحرر العالمية المعاصرة؛ وخاصة بعدما عصفت المتغيرات الدولية بأسس وأركان التوازن الدولي الذي كان قائمًا من قبل. وقد انعكست التأثيرات السالبة لهذا الوضع على أغلب حركات التحرر المعاصرة، بما في ذلك بالطبع حركة فتح.
ومن جهة أخرى، يمكن رد قسم آخر من أسباب أزمة فتح في نفس الإطار العام إلى المرحلة التاريخية الجديدة والتي ترتبت على خوض أول تجربة لتشكيل سلطة فلسطينية بعد عام 1994، خاصة مع ارتهان هذه السلطة إلى حد بعيد لسلطات الاحتلال، وفقًا للشروط التي رتبتها اتفاقية أوسلو. وكانت فتح قد تصدرت لهذه العملية؛ ولكن من دون أن تكون جاهزة بنيويًّا لاحتواء تبعات هذه المسئولية الشاقة وتداعياتها الخطيرة؛ ومن ذلك مثلاً، ما خلفته هذه المسألة من تعارض بين منطقي الثورة والسلطة، وما آل إليه وضع فتح من تناقض بين ما كانت تمثله من حركة شعبية تعبر عن نبض الجماهير الفلسطينية، وبين تحولها إلى حزب للسلطة، يفترض فيها أن تدافع عنها، وأن تتحمل وزر أخطائها، بل وربما خطاياها.
2) الأبعاد السياسية لأزمة فتح:
ويمكن القول بأن الأبعاد السياسية تُعَدّ واحدة من الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة؛ ويمكن رصد ذلك على المستويات التالية:
1 - مستوى مجموعة الأسباب التي أدت إلى إعطاب وتعطل الحياة السياسية الداخلية في فتح، ومن بين أهم الأسباب المسئولة عن ذلك، غياب أو تغييب القيادة التاريخية للحركة، وتفشي الروح الأمنية والتغذية الارتجاعية للعصبية المنغلقة بعمودها الفكري والسياسي.
2 - مستوى مجموعة الأسباب التي أدت إلى تقادم البرنامج السياسي لفتح والذي تعود آخر صياغاته إلى البرنامج الذي كان قد أقره المؤتمر العام الخامس للحركة المنعقدة بتونس في عام 1990، ومن بين أهم الأسباب المسئولة عن ذلك، تعمد القيادة في فتح إعاقة وتعطيل انعقاد مؤتمر جديد للحركة، وفرض وإحلال برنامج السلطة الفلسطينية وخطابها السياسي، محل البرنامج السياسي لحركة فتح.
3) الأبعاد التنظيمية لأزمة فتح:
كان للأبعاد التنظيمية دور هام وأساسي في تشكيل واستمرار أزمة فتح؛ وذلك في أثر التغييرات العميقة التي جرى إدخالها على تنظيمات هذه الحركة، خاصة بعد تشكيل السلطة الفلسطينية وتحويل قسم كبير من الكوادر الأساسية للتنظيم إلى تشكيلات الأجهزة الأمنية للسلطة؛ وخاصة جهازي الأمن الوقائي في غزة والضفة، وباقي الأجهزة الأمنية الأخرى؛ فيما توجه قسم آخر لاحتراف التفرغ في إطار تنظيم حركة فتح. ففي غياب فعلي للمفوضية المعنية بشئون التنظيم، اتسعت الهوة بين تنظيمات فتح؛ وبعد اندلاع الانتفاضة، توجه التنظيم لإنشاء جناحه العسكري المتمثل في كتائب شهداء الأقصى، التي دخلت هي الأخرى بفروعها كطرف في معادلة توازنات القوى داخل الحركة.
4) الأسباب المتعلقة بالقيادة:
كانت مظاهر عدة للخلل قد أصابت المبنى القيادي لحركة فتح المؤسس رأسيًّا من ثلاث طبقات، وعلى النحو التالي:
1 - كانت قمة الهرم القيادي في فتح -كما أشرنا- قد تعرضت لغياب أو تغييب عدد كبير من القادة التاريخيين، أمثال عبد الفتاح العمود، خالد البشرطي، كمال عدون، أبو يوسف النجار، أبو علي إياد، أبو إياد صلاح خلف، أبو الهول، وأبو السعيد خالد الحسن، فضلاً عن الغياب الفادح لـ"أبو جهاد" خليل الوزير؛ وترتب على ذلك ثلاثة مظاهر اللازمة في حركة فتح:
- تلاشي واضمحلال التيارات السياسية المتفاعلة التي كانت تموج بها جنبات فتح، وتبعث على حيويتها وتجددها.
- تعاظم واستفحال ظاهرة شخصنة القيادة العرفاتية.
- التآكل الحاد في مكانة وثقل فتح على المستوى العام، وفي مواجهة الفصائل والحركات الفلسطينية الأخرى.
2 - كانت الظروف قد فرضت على الحركة أن تصدر الجيل الثاني لقيادة فتح من أعضاء اللجنة المركزية الحالية؛ ولكن من دون سجل تاريخي للإنجازات العامة أو الشخصية البارزة لكل منهم، فضلاً عن تواضع مستوى أدائهم وحماستهم القيادية في مرحلة السلطة؛ ولهذا لا يحوز هذا الجيل من قيادة فتح على الثقة، وربما المشروعية في نظر قطاعات واسعة من قيادات وكوادر فتح.
3 - دخول الجيل الثالث في قيادة فتح قد تشكل في أغلبه من أبناء الداخل في الأراضي المحتلة منذ عام 67؛ ومن أبرزهم مروان البرغوثي، ومحمد دحلان، وجبريل الرجوب، وحسين الشيخ، حسام خضر، جمال الشاني، أمين مقبول، أحمد غنيم، جمال الشوبكي، محمد الحوراني، أحمد حلس، رشيد أبو شباك، سمير المشهراوي، حاتم عبد القادر، فارس قدورة، عبد الفتاح سعادة، زياد هب الريح، بشير نافع، منير العبوشي، ناصر حميد، وغيرهم...
وتكمن مشكلة هذا الجيل من حركة فتح، على وفرة كوادره، في أن الأغلبية من هؤلاء هم من أبناء جيل واحد متقارب عمريًّا، وأنهم مروا تقريبًا بنفس التجربة النضالية كقادة في حركة الشبيبة منذ مطلع الثمانينيات، وكمعتقلين في الحركة الأسيرة داخل سجون الاحتلال، وكقادة ميدانيين للانتفاضة الأولى والثانية، وكمبعدين. وربما لهذه الأسباب، فإن علاقات التنافس بينهم تبدو أعلى بما لا يقاس مع أي علاقة أخرى للتعاون أو التنسيق أو الانتظام في إطار قيادي واحد. وقد سمح هذا الوضع لبعض القيادات الحالية في حركة فتح بالاتكاء على هؤلاء، والمساهمة في خلق "تنظيمات فتح" داخل التنظيم؛ لخدمة المعارك الموهومة للصراعات على السلطة.
ما بين الحل والمفاقمة
وفي تقويمنا، فإن أزمة فتح مرشحة للتفاقم للأسباب التالية:
1 - أن القيادة المتنفذة في فتح تقايض الخسارة الكبرى لحركة فتح نفسها ببعض المكاسب الآنية والصغيرة والتي تحصلها من الاستثمارات قصيرة الأجل لهذه الأزمة.
2 - أن هناك تشخيصًا خاطئًا ومغلوطًا من الناحية المنهجية للأزمة، حيث يتم الخلط ما بين أسباب الأزمة وأعراضها، وأيضًا لأن البعض لا يزال يعتقد أن الأزمة مجرد عرض محدد في فتح، وليست أزمة فتح نفسها.
3 - ولأن القيادة المتنفذة في فتح اختارت -عن خطأ- إستراتيجية إدارة الأزمة، عوضًا عن اعتماد إستراتيجية حل هذه الأزمة؛ وهو ما يعني أنها اختارت أن تتعايش مع هذه الأزمة أو ربما تعتاش عليها.
4 - أن قوى عديدة فلسطينية وغير فلسطينية تعتقد خاطئة أن تصحيح الوضع وحل أزمة فتح لن يكون في صالحها.
إلا أن الخاسر الأكبر من أزمة فتح وتفاقمها من دون حل هو الشعب وقضيته الوطنية، ففي مواجهة عدو مصاب بعمى العنصرية، فإن آلة العدوان ليست معنية بالتمييز بين فتح وحماس، أو بين أغلبية أو معارضة؛ ذلك لأن المستهدف هو دائمًا الشعب الفلسطيني لذاته.
رئيس مركز "مقدس" للدراسات في غزة- فلسطين
|