|
| شعار حركة حماس
|
ما زال موضوع الانسحاب من غزة وإخلاء المستوطنات اليهودية منه والدور الأمني المصري المقترح والموقف الفلسطيني (الرسمي والفصائلي)، وقبل ذلك كله حقيقة الموقف الإسرائيلي.. مثار نقاش وجدل في الساحتين الفلسطينية والإقليمية، وشابه الكثير من اللغط ومحاولة تصيد المواقف والهجوم على هذا الطرف أو ذاك؛ كونه سيكون العقبة أمام الانسحاب من قطاع غزة، أو بالأحرى لنكون دقيقين في المصطلحات: إعادة الانتشار الإسرائيلية في قطاع غزة.
ولذلك فإن من المفيد استعراض المواقف ذات التأثير في الساحة الفلسطينية للتعرف على حقيقة هذه المواقف بوسائل متعددة، بحيادية ودون إصدار أحكام مسبقة أو توجيه الاتهام هنا أو هناك.. فالمتهم الوحيد على الساحة يبقى هو الاحتلال الإسرائيلي الذي أسست عليه كل القضايا الخلافية، فلولا هذا الاحتلال ما كان هناك ما يدعو إلى كل هذا الذي يحدث في فلسطين، ومن هنا نبدأ الحديث.
وفي هذا السياق قد يكون مطلوبا تسليط الأضواء على موقف حركة المقاومة الإسلامية حماس من المقترحات المصرية بشأن قطاع غزة ومن مشروع الانسحاب الإسرائيلي، خصوصا أن موقف حماس أثار العديد من التساؤلات.
وقبل الخوض في موقف حماس من الدور المصري علينا أن نستعرض الموقف المصري وفقا للمطروح عبر وسائل الإعلام؛ فمصر طرحت منذ البداية خطتها على أساس خطة الانسحاب الكامل من قطاع غزة مرة واحدة وضمن شروط متعددة، ولعل ما حدث من تقسيم للخطة إلى مراحل وضرورة الحصول على الموافقة من الحكومة على كل مرة، كان من المفترض أن ينهي التعهد المصري بالقيام يأي دور، لكن الجانب المصري أراد أن يطبق المثل العربي القائل "مشي العيار لباب الدار"، وهو يريد أن يتعاطى مع الموقف الإسرائيلي إلى آخر مرحلة ممكنة، حرصا منه أولا على أن تنسحب إسرائيل من قطاع غزة كمرحلة أولى، باعتبار أن أي انسحاب هو إنجاز للفلسطينيين وهذه النقطة هي الأهم.
أما عن الأفكار المصرية فهي بالمختصر المفيد كانت تركز على عدة نقاط أهمها الانسحاب الشامل من القطاع، بمعنى ألا يكون هناك أي تواجد إسرائيلي على أي جزء من قطاع غزة حتى ممر صلاح الدين -أي الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المصرية- ووقف عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة وعدم ملاحقة قادة التنظيمات والفصائل ووقف عمليات الاغتيالات، وعقد لقاءات بين رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع والقادة السياسيين الإسرائيليين.
وعلى الجانب الفلسطيني طرحت القاهرة توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية ودمجها في 3 أجهزة بدلا من 13 جهازا، وإعطاء رئيس الوزراء الفلسطيني صلاحيات أوسع. وفي المقابل تقوم مصر بتدريب المئات من الضباط الفلسطينيين استعدادا للمرحلة القادمة، ونشر قوات مصرية على طول الحدود الفلسطينية المصرية جنوب قطاع غزة.
الجميع يدرك أن من حق مصر أن تحافظ على أمنها وحدودها، كما أن الجميع يؤمن أن الدور المصري لن يكون إلا في صالح القضية الفلسطينية؛ لأن موقف مصر القديم الجديد هو تعزيز الموقف الفلسطيني وصموده والعمل على مساندته، ولكن التخوف مشروع، وتحت ضغوطات معينة قد تقع على مصر من قبل أطراف متعددة أهمها الولايات المتحدة يمكن أن يتحول هذا التدخل المصري لحساب طرف فلسطيني على طرف فلسطيني آخر، كما أن الشعب الفلسطيني تجاوز مرحلة ما قبل الفطام، ولم يعد يقبل أن يستبدل الاحتلال باحتلال آخر حتى لو كان عربيا وهذا لا تفكر به مصر على الإطلاق؛ لأنها تدرك أن المعادلة هي "الاحتلال يعني مقاومة"، وهي لا تريد إلا الحفاظ على وحدة الصف الفلسطينية والعمل على توحده لمواجهة المرحلة القادمة.
حماس والدور المصري
نخلص في النهاية إلى معرفة موقف حركة المقاومة الإسلامية حماس، والتي تم تحريف مواقفها بما يخدم مصالح بعض الأطراف، فبعد أن فشلت إسرائيل في حملة التخويف التي شنتها عبر وسائل الإعلام من تعاظم لحركة حماس في العدد والعتاد، وأن حماس تحاول أن تسيطر على قطاع غزة، وأنها ستعمل على احتلال الأماكن التي ستنسحب منها إسرائيل، كل ذلك بهدف الإيقاع بين الفلسطينيين وبالأحرى بين حماس من جهة والسلطة الفلسطينية وعمودها الفقري "فتح"، فإن هذه المحاولات على الأقل في الواضح لدينا قد فشلت وأعلن الجميع إمكانية الشراكة في إدارة القطاع على قاعدة أن الجميع شريك في الدم فهو شريك في الإنجاز؛ لذلك بدأت إسرائيل وبعض الجهات الفلسطينية باللعب على موقف حماس من الدور المصري والتركيز على أن حماس ترفض التدخل المصري جملة وتفصيلا، ومحاولة تفسير ذلك بما يخدم مصلحة هذه الأطراف بهدف إيجاد حالة من المتناقضات بين الجانبين حماس والجانب المصري، ولعل ما أثار ذلك هو غموض الموقف المصري، والذي حاول إقصاء الفصائل الفلسطينية رغم اعترافه بأهمية دورها، سواء كان ذلك بقصد، أو لأن دورها لم يحن بعد من وجهة النظر المصرية التي أكدت على ضرورة موافقة الفصائل الفلسطينية على الدور الذي ستلعبه في القطاع.
لذلك نود أن نشير إلى ما يمكن أن يكون عليه موقف حركة حماس من الدور المصري، وهنا يجب أن نقر أن حماس -وفقا لما يؤكده قادتها- مع أي انسحاب إسرائيلي من أي جزء من الأرض الفلسطينية، شريطة ألا يكون هذا الانسحاب على حساب الحقوق الفلسطينية الثابتة ولا أن يعطى الجانب الإسرائيلي أي امتيازات أو استحقاقات لهذا الانسحاب، مع التأكيد على أن هذا الانسحاب هو أحد إنجازات المقاومة الفلسطينية.
كما أنها ترحب بأي مساعدة عربية تدعم الحقوق الفلسطينية والتي منها حقه في مقاومة الاحتلال على أرضه، ولا تعتقد أن هناك أطماعا لأي طرف عربي.
"تخوف مشروع"
فحركة حماس لا تفكر في تعطيل الانسحاب من قطاع غزة؛ لأنه لا يوجد فلسطيني عاقل يرغب ببقاء الاحتلال، وهي مع أي انسحاب من أي شبر عن الأرض الفلسطينية، كما لا تريد أن تستفرد بقطاع غزة كما يظن البعض؛ لأنها تدرك بأنه لا المعادلة الإقليمية ولا الدولية يمكن أن تقبل بذلك حتى لو افترضا جدلا أنها تملك القدرة على ذلك، وفي النهاية تريد أن تحتكم إلى صناديق الانتخابات والتي تعد نفسها لها جيدا في المرحلة القادمة، إلى جانب أن حماس تريد تعزيز موقعها على الصعيد السياسي والداخلي، ليس خدمة لمصالح ذاتية أو حزبية، لكن خدمة للشأن الفلسطيني عامة، كما أن حماس غير معنية بفتح جبهات أو صراعات مع أي أطراف سواء فلسطينية أو عربية، وعلاقتها مع مصر ما زالت علاقة جيدة وهي حريصة على أن تبقى كذلك؛ كون مصر تشكل حالة دعم للقضية الفلسطينية، ولكن لا يعني ذلك من قبل حركة حماس ألا تقول رأيها فيما تسمع على الأقل عبر وسائل الإعلام؛ لأن الصورة غير واضحة لها لعدم قيام الجانب المصري بتوضيح الصورة كما يجب، فالتخوف مشروع حتى يتم توضيح الصورة كاملة.
فحركة حماس أولا وأخيرا ترى في الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة انتصارًا للمقاومة الفلسطينية وخطوة أولى نحو تحرير بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما أن هذا الانسحاب سيشكل إزاحة جزء من الهموم عن عاتق الشعب الفلسطيني، وسيعطي حركة حماس قدرة أكبر على التحرك والتواصل الداخلي والخارجي.
كما أود الإشارة هنا إلى أن حركة حماس تدرك أن الجانب المصري ليس كامل السلسلة، وإن كان يشكل حلقة ضمن حلقاتها، وأن أي خلاف مع مصر لن يفيد أيا من الطرفين، وهي تؤكد على أهمية الابتعاد عن المعارك الجانبية والتركيز على لب الصراع القائم مع الإسرائيليين.
إلى جانب ذلك ترى حماس أن الإسرائيليين لن ينسحبوا من القطاع حبا بأهله ولكن لأسبابٍ سردنا جزءا كبيرا منها، كما أنها تدرك أن الصراع ما زال مفتوحا معه؛ فالانسحاب من القطاع ليس نهاية المطاف كمرحلة أولية؛ فالضفة الغربية ما زالت محتلة، والإسرائيليون يخططون لأكثر من احتلال فيها، بل يؤكدون أنهم -خاصة بعد تعهدات بوش- سيضمون أجزاء كبيرة منها إلى حدود 48.
كما أن حركة حماس طرحت موقفها بوضوح فيما لو تم الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة رغم العقبات الكثيرة التي قد تعترض هذا الانسحاب، وهذه العقبات في الغالب إسرائيلية.
* فبالنسبة للمقاومة: القاعدة لدى حماس أن الاحتلال يساوي المقاومة، فإذا انتهى الاحتلال في جزء من الأراضي الفلسطينية فقد توقف هي المقاومة في هذا الجزء المحرر، لفترة زمنية قد تطول أو تقصر، وهذا يعتمد على الأطراف الأخرى وخاصة إسرائيل.
* إدارة الأراضي المحررة: فحماس تريد أن تكون شريكا كاملا في هذه الإدارة؛ لذلك هي طرحت مفهوم الشراكة الكاملة على قاعدة "شركاء في الدم شركاء شركاء في الإنجاز".
* على مستوى القيادة: نرى أن حماس دعمت فكرة القيادة المشتركة بعيدا عن سقف اتفاقات أوسلو (للحكم الذاتي) وتشكيل قيادة مؤقتة تضم كافة أطياف اللون السياسي الفلسطيني حتى فترة محددة يتم بعدها الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والانتخابات لمعرفة الحجم الحقيقي للقوى الفلسطينية، على أن يعطى كل ذي حق حقه حسبما تفرزه الانتخابات المشروعة والقانونية، وقد عودتنا حماس على التزامها الشديد بالعملية الديمقراطية وبما تفرزه صناديق الاقتراع.
* هناك مجموعة من الثوابت لدى حركة حماس، لعل أهمها أهمية الحوار الفلسطيني الفلسطيني وضرورة استمراره وتفعيله، كما أن الدم الفلسطيني خط أحمر لا يمكن تجاوزه ولا يسمح لأحد بتجاوزه، وضرورة الاحترام المتبادل بين جميع الأطراف الفلسطينية واحترام الرأي والرأي الآخر، وضرورة إيجاد مناخات من الحرية والديمقراطية، والحفاظ على الثوابت الفلسطينية، كأرض فلسطين وقف إسلامي، وحق العودة للفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجروا منها، وإقامة الدولة الفلسطينية على أي شبر محرر كاملة السيادة، وأن القدس هي العاصمة لهذه الدولة.
لذلك نخلص في النهاية إلى أن حركة حماس معنية بشكل أو بآخر باستمرار التواصل مع مصر والحوار معها وتقوية العلاقات بين الجانبين والوقوف إلى جانبها لمواجهة أي ضغوطات من أي كان تقع عليها، والحفاظ على دورها المساند للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني وللمقاومة الفلسطينية.
هذا في اعتقادي هو الموقف الحقيقي لحركة حماس من الدور المصري وموقفها من الحكومة المصرية، ولا أعتقد أن حماس تفكر في غير هذا.
|