|
| علي لاريجاني كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني يمينا أثناء لقائه عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية يونيو 2006 |
بعيدا عن حقيقة الدور الإيراني في الأزمة اللبنانية الراهنة، وأيا كان شكل الدعم الذي تقدمه إيران لحزب الله، فإن حرب التصريحات بين إيران وإسرائيل قبل وخلال اشتعال الحرب الإسرائيلية على لبنان، واتهام كل من الدولتين للأخرى بأنها تشجع الإرهاب وتمارسه، وأنها خلف الحرب الدائرة، تكشف عن سعي إيران إلى مواجهة التغيير الذي تبغيه إسرائيل في لبنان والمنطقة بتغيير مقابل.
وتثبت مجريات أحداث هذه الحرب والتدخل الأمريكي السافر إلى حد يمكن معه اعتبار الولايات المتحدة شريكا لإسرائيل في حربها على لبنان كمدخل لبناء شرق أوسط جديد، أن ثمة ضرورة قصوى لإعادة روح التفاهم بين العرب وإيران أكثر من ذي قبل، وإنه لا بد للعرب من معرفة نقاط الاتفاق والاختلاف بين مصالحهم وبين المشروع الإيراني؛ الأمر الذي يستلزم إلقاء الضوء على كل من الرؤية والموقف الإيراني تجاه المنطقة.
إيران ودعم حركات المقاومة
|
| إيران والولايات المتحدة وصراع بين مشروعين |
ولعل نقطة البدء هنا تتمثل في أن إيران تسعى لتثبيت ثقافة المقاومة في المنطقة ضد التدخل الأجنبي في شئونها، كما تسعى لدعم حركات المقاومة باعتبارها العمود الفقري لتفعيل حركة شعوب المنطقة، وهي تنفي عنها فكر الإرهاب، كما تساعدها على التحرك في الإطار العسكري الذي يبعد عنها هذه الصفة.
وربما يكون ذلك متوافقا مع أهداف الدول العربية التي تعمل دائما في المحافل الدولية على الإقناع بضرورة التفريق بين حركات المقاومة وتمييزها عن التنظيمات الإرهابية؛ فإيران لم تتردد في الإعلان عن استعدادها للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب تحت مظلة الأمم المتحدة وليس تحت قيادة الولايات المتحدة، واستغلت ما أثير حول قضايا الإرهاب، مؤكدة أن معارضة إيران للمصالحة مع إسرائيل سببها أنها دولة إرهابية بسبب ما ترتكبه من مجازر في الأراضي الفلسطينية واللبنانية.
أما عن الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية فهو يؤكد على الرغبة في إحلال السلام بالمنطقة، ولم تتخل إيران حتى في ظل رئاسة أحمدي نجاد عن مبدأ أكد عليه الرئيس السابق محمد خاتمي يقوم على أن إيران تؤيد أي اتفاق للسلام يتفق عليه الفلسطينيون ويرونه يصب في صالح قضيتهم ومطالبهم المشروعة، وتقول إنها تريد سلاما في فلسطين يتمتع فيه المسيحي والمسلم واليهودي العربي وغير العربي وكل من يعيش على أرض فلسطين بحياة مستقرة وهادئة، وطالبت على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها عمل استفتاء عام في جميع الأراضي المحتلة لتقرير مصيرها.
وإذا كانت إيران تنادي بمحو إسرائيل من خريطة العالم، فإن ذلك واقعيا لا يأتي إلا في ضوء حرب نفسية مشتعلة بين الطرفين منذ بداية الأزمة الإيرانية مع الغرب بشأن برنامج إيران النووي، وهو ما يجب الفصل بينه وبين الحرب على لبنان، رغم أن ذلك لا ينفي أن هذه الحرب جزء من إرادة إسرائيلية وأمريكية بإلحاق هزيمة غير مباشرة لإيران في إطار صراعها مع الغرب.
ومن ثم فقد أعلنت إيران أن النظام الصهيوني لم يكتف بالاعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني وإنما اعتدى أيضا على شعب لبنان وسائر البلاد العربية والإسلامية، وأن اعتراضها على النظام المحتل للقدس إنما هو اعتراض على الإرهاب في العالم، وأنها تعتبر المقاومة حقا مشروعا للدول الحرة المعتدى عليها، وأنها في إطار قيمها الثورية والإسلامية سوف تدافع عن حقوق هذه الشعوب.
وتعتقد إيران أن مساعدتها لحزب الله في لبنان واجب مذهبي وثوري، وأنها سوف تستمر في دعمه طالما ظلت أراضيه محتلة أو مهددة، وطالما بقيت محاولات إسرائيل للتوسع على حساب الغير قائمة، ولا توافق على نزع سلاح الحزب أو إبعاده عن الجنوب اللبناني، ولو خلف نهر الليطاني، وترى أن دعم الحزب يتجاوز المصلحة وحتى مبادئ الثورة إلى التعاطف العقائدي والوجداني، وإيران مع نفيها ما تردده إسرائيل حول الوجود الإيراني العسكري في لبنان أو تزويد حزب الله بالصواريخ المتطورة، لا توضح تفاصيل أو نوع الدعم الذي تقدمه لحزب الله، في الوقت الذي يقول فيه حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان المحافظة في تغطية واضحة: "ليت ادعاءات إسرائيل حول دعم إيران لحزب الله في لبنان تكون حقيقة".
وحتى تتضح حقيقة الأمور، فإن الدعم الإيراني لم يعد ينسحب على كافة فصائل المقاومة الفلسطينية، في حين أن الموقف الإيراني من القضية ينسحب على الجميع؛ فالدعم الإيراني لأية دولة أو حزب أو جماعة غير إيرانية أو شيعية يخضع لمراجعات كثيرة، ويجب أن يكون هدفه تحقيق مصلحة مباشرة لإيران؛ ولذلك فقد توقف دعم إيران لمنظمة التحرير الفلسطينية بدعوى أن انخراطها في مباحثات للسلام مع إسرائيل لا يحقق مصلحة الفلسطينيين، وكذلك انتهى الدعم الإيراني أو كاد تجاه سائر المنظمات الفلسطينية ما عدا النزر اليسير لبعض جماعات المقاومة، ومنها حركة حماس، ومع أن إيران لديها خبرات جيدة في مجال التفاوض، فإنها لم تعرض هذه الخبرات على الفلسطينيين في مفاوضاتهم مع إسرائيل، واكتفت بهذا الموقف السياسي نتيجة لظروف الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها.
ويمكن القول إن الأطراف العربية من صالحها الحوار مع إيران حول كيفية حل القضية الفلسطينية، خاصة بعد أن أضحت إيران طرفا ولو غير مباشر يمكن أن يؤثر في سياق المنطقة العام، ولعله سيكون من المفيد عبر الحوار أن يتم التوافق على الاحتكام لما يرتضيه الشعب الفلسطيني في أي اتفاق، وهنا على الدول العربية أن تفكر مليا في إعادة التفكير في إعطاء حركة حماس فرصة لأن تمارس صلاحيات الحكم، وتعمل على إقناع الدول الغربية بذلك، فهذا مما يقلل من لجوء حماس إلى ظهير غير عربي.
وإذا كان العرب غير قادرين على ملء منطقتهم بسياساتهم الخاصة؛ فعلى الأقل يتم حوار ناجع مع الأطراف الإقليمية الأخرى في شأن التعامل مع حركات المقاومة، بديلا عن استنكار أفعال هذه الحركات التي تسعى إلى التشبث بمحيطها العربي.
فالموقف العربي الرسمي تجاه الحرب على لبنان لم يتسم بالقدر المطلوب من الإيجابية، وذلك على خلفية الخوف من التشيع والخشية من الدور الإيراني، مع أن إيران يبدو موقفها أكثر توازنا، بين نصرة المقاومة، وقبول الحلول المقبولة، وهي تريد الإبقاء على مكانة حزب الله في الساحة السياسية اللبنانية، وتسعى لأن تبرهن على أن حركة حماس أفضل من غيرها في التعامل.
ضد مشروع الشرق الأوسط الجديد
إن النظر إلى ما كشفته الحرب الإسرائيلية على لبنان من وجود مخطط أمريكي إسرائيلي لتشكيل الشرق الأوسط وفق أهواء التفرد والغطرسة الصريحة، أكدت أن العرب أمام مفترق طرق، وعليهم مواجهة التهميش الذي ربما يصيبهم إذا ما ظهر ذلك الشرق الأوسط الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية رايس ويطبق عبر الآلة العسكرية الإسرائيلية.
فإسرائيل سابقا قد عرضت مشروعا للتعاون الإقليمي طرحه بيريز، كصيغة مثلى لإحلال السلام في المنطقة، وقد فشل أمام تعنت إسرائيل، ورغبتها في خلق سلام يحقق لها أهدافها فقط دون النظر للحقوق المشروعة للآخرين، واليوم تسعى إسرائيل لمشروع أوسطي جديد يصفي القوى المناوئة تحت شعار القضاء على الإرهاب، وترى ذلك مقدمة للسلام، لكنه سلام عبر الدماء والمذابح وتشرذم المواقف العربية وتهميش أي دور للدول العربية حتى المركزية منها.
أما إيران فقد عرضت مشروع الشرق الأوسط الإسلامي، واعتبرته أساسا لوقف الإرهاب في المنطقة، ونشطت الدبلوماسية الإيرانية لإقناع دول المنطقة بجدوى المشروع كإطار لتشكيل تكتل عربي إسلامي في مواجهة التهجم الغربي على الحضارة الإسلامية، وليس هدف إيران من هذا التكتل بطبيعة الحال أن يكون حلفا عسكريا في مواجهة التحالف الأمريكي الدولي تحسبا لتطور العمل العسكري، لكن الجوانب السياسية والثقافية والأمنية هي أبرز الجوانب التي تبغيها من هذا المسعى، ولذلك عولت إيران على الاتفاقات الأمنية التي تعقدها مع دول المنطقة في مبادرة جديدة من نوعها.
وبمنطق المصالح يمكن للعالم العربي ولإيران أن يتجاوزا الخلافات المذهبية، فإذا كانت إيران قد أكدت على لسان قائد جيش حراس الثورة الإسلامية أن مصيرها مرتبط بمصير فلسطين ولبنان وأفغانستان والعراق وسائر دول المنطقة، فإن ذلك لا ينفصل بطبيعة الحال عن مصير الدول العربية وأنظمة حكمها، وهو ما يقتضي حوارا عربيا إيرانيا متواصلا حول أطر التعاون الأمني والسياسي مهما كان حجم الخلافات القائمة الآن.
إن مشروعات الوحدة والتعاون الإيرانية تسعى لرسم خريطة جديدة للمنطقة تضم العالم العربي وإيران وتركيا ودول آسيا الوسطي الإسلامية والمنطقة الإسلامية في إفريقيا، ومن الملاحظ أن المشروعات الإيرانية للتجمعات الإقليمية تقوم أساسا على السياسة الأمنية وتستهدف حماية الأمن القومي، ويشرح علي أكبر ولايتي منطلق إيران في هذا بقوله: إن جمهورية إيران الإسلامية تعتقد اعتقادا راسخا في مبدأ التعاون الإقليمي باعتباره دليلا على الجدية في تنمية العلاقات الثنائية والثلاثية والمتعددة الأطراف كسبيل وحيد لضمان السلام والاستقرار والأمن في هذه المناطق كافة.
ويمكن للعرب وإيران عبر بناء إجراءات للثقة في المجال الأمني أن يتجاوزا ما يثار عن مخاوف البرنامج النووي الإيراني على الدول العربية خاصة الدول الخليجية المجاورة، كما يمكن للعرب استثمار هذا الملف للعمل على فتح الملف النووي الإسرائيلي الأخطر على وجود الدول العربية.
من الواضح أن إيران تسعى لاستثمار كافة السبل التي تستطيعها من أجل تحقيق مشروعها الشرق الأوسط الإسلامي، وتحاصر الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، ومن الطبيعي لإيران أن تقوم بترتيبات كثيرة عبر مفاوضات مكثفة وبأساليب مختلفة تعاونية أو صراعية، بيد أن التعاون لا يتحقق بغير تسوية عدد آخر من القضايا المعلقة بين الدول العربية وإيران، بعضها يتعلق بالشيعة في المنطقة وخاصة في الدول الخليجية، وتصدير الثورة الإيرانية إلى الدول العربية، وبعضها يتعلق بالديون المستحقة لإيران على بعض الدول، وبعضها يتعلق بالجزر الإماراتية والعراق وأفغانستان ومنظمة القاعدة، وبعضها يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية وإسرائيل، بل والعلاقات مع الولايات المتحدة، فضلا عن العلاقات الثنائية وخاصة الثقافية، ولا شك أن كل ملف من هذه الملفات لا يقل شأنا عن الآخر، ويحتاج فتحه إلى تحضير طويل.
ومن الطبيعي أن يجري طرح احتمالات عقلانية على أساس الواقع الجاري؛ لأن كل حلقة من المفاوضات تؤدي بالضرورة إلى الحلقة التالية، بيد أن أحد أهم عوائق هذه المباحثات هو فقدان الثقة والتشكك في حقيقة النوايا الإيرانية، ومدى علاقة إيران بالمنظمات والجماعات المعادية للحكومات العربية! وإن كثيرا من الحكومات العربية تتأثر برأي إسرائيل في أن إيران هي التي تحرض حركة حماس وحزب الله اللبناني من أجل إشعال الحرب في المنطقة، تحقيقا لأهدافها.
إن علينا أن ندرس حقيقة التوجه الإيراني وعلاقته بالأحداث الراهنة، وكيف يمكن التعامل مع إيران؛ إذ لا مفر من هذا التعامل إذا ما أريد للمنطقة أن تواجه مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية التي باتت أكثر صراحة وعدوانية في ذات الوقت.
أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس- القاهرة.
|