|
|
| نزول الجماهير العربية إلى الشوارع هل يشكل عاملا حاسما في معركة الديمقراطية الدائرة؟
|
شهدت المنطقة العربية والإسلامية تحولات كبرى منذ انتفاضة الأقصى في سبتمبر من عام 2000. ثم تتابعت الأحداث مرورا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، واحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية، وما تبعه من انطلاق المقاومة العراقية، ثم الإعلان عن المشروعات الأمريكية للهيمنة على المنطقة، تحت اسم "الشرق الأوسط الكبير"، ومبادرة التحرر الأمريكي. بجانب ذلك تتأرجح الحالة الراهنة في الصراع العربي الصهيوني بين المقاومة والانتفاضة من جهة، والمحاولات السلمية للتسوية السياسية من جهة أخرى.
باتت الصورة الراهنة للعالمين العربي والإسلامي تؤكد دخول المنطقة في مرحلة من مراحل التحول السريع، ولم يعد من الممكن الحديث عن استمرار مجمل الأوضاع السياسية في البلدان العربية والإسلامية. فالتدخل الخارجي وصل لحدود غير مسبوقة، ليس فقط بسبب الهيمنة الشاملة للقوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.. بل لأن هذه الهيمنة باتت تتوغل في كل جزئية من الحياة العربية والإسلامية. وأمام هذا الزحف الاستعماري الحضاري بات العقل العربي والإسلامي مهددا بالاحتلال، في واحدة من عمليات الغزو الحضاري الشامل التي لم يعرف التاريخ الإنساني سوابق لها بهذا الحجم وبهذه الضراوة.
وعلى الصعيد الداخلي باتت الأنظمة العربية والإسلامية تواجه محكا حاسما في تاريخها الممتد منذ مرحلة التحرر من الاستعمار العسكري. حيث ظلت هذه الأنظمة تعتمد في شرعيتها ووجودها على الدعم الخارجي والتحالف مع القوى الغربية، من المعسكر الشيوعي والرأسمالي، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بحكم العالم باتت معظم الأنظمة العربية والإسلامية تعتمد على الدعم الأمريكي لها، وبالتالي الدعم الغربي عموما. ولكن تحولات الإمبراطورية الأمريكية جعلت من استمرار هذا الدعم وهما؛ فالقوى الأمريكية تريد تحقيق نصر غير مسبوق لقيمها على مجمل قيم الحضارات الأخرى، خاصة الحضارة العربية الإسلامية. ومن هنا برزت الشروط الأمريكية المفروضة على كل الأنظمة العربية والإسلامية، والتي تتطلب منها تغيير تكوينها والتحول إلى النظام والقيم الغربية الديمقراطية.
يحدث كل هذا في ظل تردي الأوضاع الداخلية، وعجز الدول عن تحقيق ما تتطلبه الجماهير العربية والإسلامية من حياة كريمة، وما تطمح له من تقدم معقول يناسب التاريخ الحضاري للمنطقة. لهذا توجهت الأنظمة العربية إلى تحرير المجال الاقتصادي، وتغيير دور الدولة فيما يخص تلبية حاجات الجماهير. وبقدر الاعتماد المتزايد على القطاع الخاص والمؤسسات التنموية، والاعتماد المفرط على التمويل الأجنبي.. أصبحت الحكومات العربية والإسلامية تواجه سلسلة لا تنتهي من الطلبات الغربية، والأمريكية على وجه الخصوص.
لقد أصبح الشارع العربي في حالة من عدم الاستقرار على أقل تقدير؛ فهو يرفض الحالة التي وصل لها، ويريد تحقيق حياة حرة وكريمة، وفي الوقت نفسه يرى أن الأنظمة لم تعطِ له الحرية، في مقابل تلبية احتياجاته، وهاهي الآن تنسحب من دورها كملبٍّ لاحتياجات الجماهير، دون أن تعطي لها حريتها المسلوبة. ثم تتحول الأنظمة العربية والإسلامية، تحت ضغط من القوى الخارجية، خاصة الأمريكية؛ لتحدث تغييرا يبدو شكليا في العديد من الحالات، نحو تطبيق مقيد للديمقراطية. رغم أن تجارب العقود الماضية لم تكن إلا شكلا من التطبيق المقيد للديمقراطية، وكأن التغيير يحدث في الشكل وفي حدود هذا الشكل، دون أن يكون تغييرا بالمعنى الحقيقي.
فإذا أضفنا لذلك ما يحدث من اعتداء عسكري في فلسطين وأفغانستان والعراق، وما يحدث من حصار واعتداء سياسي على سوريا وإيران والسودان، وما يحدث من تدخل سافر في لبنان، وتدخل منظم متوالٍ في مصر والسعودية.. سندرك الحالة التي وصل لها الضمير العربي والإسلامي. فأمام هذه التداعيات الخطيرة التي تمس السيادة والاستقلال السياسي والعسكري -كما تمس الاستقلال الحضاري والثقافي- ترى جماهير الأمة تحول الأنظمة العربية والإسلامية من حالة التحالف والتبعية مع القوى الغربية، إلى حالة الخضوع الكامل والاستسلام المهين؛ مما يدفع الشارع العربي والإسلامي لحالة غليان حقيقي.
فأمام عدوان خارجي لا يتاح لجمهور الأمة التصدي له، ولا يتاح له الانخراط في أعمال المقاومة، وأمام تردي أوضاع الداخل العربي الإسلامي.. تدفع جماهير الأمة دفعا لرفع شعار التغيير. وهو شعار له دلالة بسيطة ولكنها دلالة هامة، وهي استحالة بقاء الحال على ما هو عليه؛ فالتغيير المنشود هو تعبير عن وصول الحالة الراهنة إلى وضع يستحيل بقاؤه؛ لأسباب عملية وحياتية مباشرة. وجمهور الأمة المدفوع للتغيير.. بحكم رؤيته الفطرية لمكانته وتاريخه، ورؤيته الأصيلة لهويته وتاريخه وحضارته.. يدرك أن الأنظمة العربية والإسلامية في الغالب الأعم منها لم تعد معه، ولا تتبنى قضاياه، ولا تتمسك بهويته وخصوصيته وقيمه، ويدرك محاولات الهيمنة الخارجية التي تريد القضاء على قيم هذه الأمة. ويدرك أيضا محاولات القوى الغربية -والأمريكية خاصة- للسيطرة الكاملة على الأنظمة السياسية في البلدان العربية والإسلامية.
والعراق يعد نموذجا مهما للتفكير الإمبراطوري الأمريكي؛ حيث نجد المحاولات الأمريكية التي تستخدم العنف بدون حدود لتصنيع حكومة موالية وتابعة، أو لنقُلْ لتصنيع حكومة تقوم بدور مساعدة أمريكا على حكم العراق عن بعد، وتحت حماية القواعد العسكرية.
أطراف الصراع
تلك الصورة في مجملها تم اختزالها في مسألة الإصلاح، وتحت شعار واحد يتوجه كل الأطراف لإدارة مشهد الصراع حول التغيير. والمشهد ليس مشهدا للتنافس السياسي الحر، وهو في جوهره ليس مشهدا لتجربة ديمقراطية وليدة، بل هو مشهد للصراع الحربي بكل ما تعني هذه الكلمة من معانٍ. ومن الخطأ -أو ربما هو من العبث الذي لا يغتفر- أن نصف الحالة الراهنة وكأنها مرحلة من مراحل التطور للنظام السياسي العربي والإسلامي. فالمشهد واضح لا يحتاج للكثير حتى نسبر أغواره. وأطراف المشهد ثلاثة:
الخارج الذي دشن بداية الإمبراطورية الأمريكية، والأنظمة العربية والإسلامية التي تراهن على الوصول لتسوية مع القوى الغربية حتى تبقى في مقابل تقديم تنازلات في السياسة الخارجية وفي فلسطين والعراق وغيرها، وجمهور الأمة الذي يريد عن حق نظاما سياسيا جديدا، ولا يريد الوقوع في براثن الاستعمار الأمريكي الجديد.
وحتى يحدد كل طرف من أطراف الصراع جدول أعماله طرح الجميع شعارات كلها تدور حول الإصلاح السياسي. فالأنظمة السياسية العربية والإسلامية تريد تحقيق إصلاح سياسي ما، تكتفي به الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي، ويرضيان عنه. وفي الوقت نفسه يكون هذا الإصلاح مرضيا لجماهير الأمة، وفي النهاية يحقق هذا الإصلاح استمرار الأنظمة الحاكمة في المدى الزمني المنظور، ويضمن بقاءها بعد ذلك، وبعد أن تغير من شكلها وملامحها. أما الخارج أي الإدارة الأمريكية تحديدا فهي تريد أنظمة سياسية ديمقراطية تتبع النموذج السياسي الغربي، وتكون تابعة بالتالي لمركز إدارة الإمبراطورية العالمية الجديدة في البيت الأبيض.
وعلى هذه الحكومات العربية والإسلامية الجديدة يقع عبء تغيير الإطار الحضاري المرجعي للأمة بتعديل القيم والنظام العام للحياة، وتغيير المناهج الدينية والخطاب الديني، وتغيير الأوضاع الاجتماعية والقيم الحياتية. فالمطلوب من هذه الحكومات المزمع تصنيعها في المنطقة أن تقوم بعملية منظمة للإبادة الحضارية الشاملة لاستئصال الحضارة العربية والإسلامية من المنطقة.
إرادة الجماهير.. الفيصل
فماذا تريد الجماهير العربية والإسلامية، وهي ترفع أيضا شعار التغيير والإصلاح؟ هي في الواقع تريد تحسين أحوال الداخل الحياتي والعملي والسياسي والاقتصادي والثقافي؛ فقد أصبح العامة في حالة نفور من العديد من السلبيات التي تصيب نظام حياتهم في مقتل. وبصورة مبسطة نرى أن الوضع الراهن للحياة في البلدان العربية والإسلامية أصاب نمط الحياة ونظامها؛ وهو ما ينتج عنه عرقلة الحياة اليومية الطبيعية. والتغيير الذي ينادي به الناس ربما يكون عاما وشاملا، وهو كذلك بالفعل، حتى وإن لم يكن محددا. ولكن التطلع للتغيير يصطدم بما تريده الحكومات العربية والإسلامية، وما تريده الإدارة الأمريكية.
لهذا نرى أننا أمام مشهد تاريخي جديد؛ حيث ستدور الحرب بكل أبعادها حول صناديق الانتخاب، لتكون بذلك حربا من نوع جديد. صحيح أنها تدور بين الناس والاستبداد والعدوان الخارجي، وهي كلها عناصر شهدت صراعا وحروبا عبر التاريخ الممتد للأمة، ولكنها هذه المرة أصبحت حربا للشعارات والهتافات والمظاهرات واللافتات، وحربا بين المرشحين والأحزاب والجماعات، وحربا يؤسس لها مشهد للممارسة السياسية التي يفترض أنه من المشاهد المتوالية للحياة السياسية العادية والطبيعية.
تلك اللحظة التي نراها تأتي، نراها أيضا سوف تستمر على جولات متتالية ومتوالية، ونرى أيضا أنها ستكون لحظات حاسمة أحيانا، ولحظات فاشلة في مرات، ولحظات خادعة في العديد من المرات، ولحظات من الفوضى في أحيان أخرى. وفي تلك المشاهد سيكون استعراض القوى وممارستها داخل العملية الانتخابية من أبرز المشاهد المحورية التي سيحاول فيها كل طرف التأكيد على فوزه بأصوات الجماهير، وسيحتدم الصراع كثيرا بين الأنظمة العربية والإسلامية، بكل ما لها من نخب تمارس السلطة والنفوذ في ظلها، والنخب البديلة التي سيتم تصنيعها. وقد تم تصنيع بعضها وجاري العمل على قدم وساق لتصنيع بقية النخب اللازمة. والغريب أن ذلك الصراع سيدور بين نخب تحالفت مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية في الماضي، ونخب لا نقول تتحالف مع الغرب وأمريكا في الحاضر؛ بل نقول: نخب تصنعها أمريكا والدول الغربية لتمثلها في حكم البلدان العربية والإسلامية.
المارينز العرب قادمون
وفي عملية استعراض القوى التي بدأت بالفعل بين الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي سوف تتوزع الجماهير، بل نقول سوف تتمزق بين من يستقوي بالخارج ضد الاستبداد الداخلي، وهم من يتصورون إمكانية التخلص من الاستبداد الداخلي أولا، ثم التخلص من الاستعمار والهيمنة الخارجية، كما يظهر لدى بعض القوى في العراق، ومن يساند الاستبداد الداخلي لمواجهة الهيمنة الخارجية على أمل إمكانية تغيير الاستبداد الداخلي في نهاية الأمر. وبين هذه الفرق سوف تظهر فرق بين جمهور الأمة، ستحاول التخلص من الاستبداد الداخلي والهيمنة والاستعمار الخارجي معا. وتلك القوى هي التي سوف تشعل الصراع، وسوف تقرب نسبيا ومؤقتا بين الأنظمة الحاكمة والإدارة الأمريكية. ولكن غطرسة الإمبراطورية -وهو مرض تاريخي شائع، وأصاب الإمبراطورية الأمريكية، نقصد أصاب الإدارة الأمريكية- سوف تجعل الإدارة الأمريكية تراهن على إمكانية إسقاط النظم العربية والإسلامية، والسيطرة على مجريات الأمور، بحكم القوة العسكرية والقدرات المالية، ومن خلال الأتباع من وكلاء الغرب (أي المارينز العرب).
من تصارع الإرادات سوف يتأسس وضع الصراع القادم، وعلينا أن نجعله صراعا من أجل الأمة، ونجعله صراعا يؤسس لنهضة الأمة، ويؤسس لتيار التجديد الحضاري. لهذا علينا أن نعيد تفسير المسألة الديمقراطية، ونعيد تعريف أسس الممارسة السياسية، ونحدد في نهاية الأمر جدول أعمال الأمة الذي يكون علينا فرضه على ساحة الصراع الدائرة تحت شعار الديمقراطية، والتي ستمارس من خلال أدوات الممارسة السياسية.
فمن تلك اللحظة التي نعيشها، واللحظات أو السنوات القادمة سنصل إلى ترتيب لأوضاع مستقبلية يطول أمدها، قد تكون تكريسا للاستبداد والتراجع الحضاري، أو تكون مرحلة جديدة من الاستعمار الشامل؛ أي الاستعمار الحضاري، ونتعرض لمحاولة الإبادة الحضارية كعملية غير مسبوقة تاريخيا، أو تكون مرحلة جديدة لنهضة جديدة.
وقد يرى البعض أن النتائج سوف تحددها قوة الإدارة الأمريكية على التدخل، أو يحددها قدرة الأنظمة العربية والإسلامية على الوصول إلى تفاهمات مع الإدارة الأمريكية؛ حيث إنها لا تستطيع الوقوف أمامها؛ لأنها لم تقم على شرعية مباشرة من الأمة، ولكن الواقع أن اللاعب الأساسي في هذا المشهد هو الإنسان العربي والإسلامي؛ لأنه هو موضوع الخداع المنظم الحادث الآن. فعقل إنسان هذه الأمة هو موضوع الصراع، وهو ساحة الصراع أيضا، والقدرة الذاتية لعقل إنسان هذه الأمة على المقاومة والصمود، ودفع كل عمليات الخداع، والتوجه من أجل صالح الأمة، والوعي الدائم بهويته وحضارته وتاريخه وقيمه هي وغيرها الأدوات التي يمكن أن تحسم الصراع في نهاية الأمر.
فالنصر سوف يأتي من داخل عقل الأمة، كما أن الهزيمة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا جاءت من داخل عقل الأمة.
*د. رفيق حبيب مفكر قبطي وباحث اجتماعي متخصص في الحركات الدينية، شارك مع أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في تأسيس (حزب الوسط) المصري 1996الذي رفضت الحكومة المصرية إعطاءه ترخيصًا بالعمل.
|