|
| لا للحرب رغم تقرير المفتشين
|
تخيل أنك ترفض استضافة (ضيف ثقيل) إلى بيتك، ولكنه يأتي لك بأحد (البلطجية) ليهددك ويجبرك على استضافته بالقوة.. ثم تخيل أن هذا الضيف الثقيل بعد ذلك يفتش في بيتك عن كل شيء ويطلب منك أحيانا أن تترك له الشقة ليعبث في محتوياتها كما يحلو له، وبعد كل ذلك يتذمر ويطلب مزيدًا من الحفاوة به ويهدد بالبلطجي الذي يقف على الباب حاملا شومته!
هذا هو باختصار فيلم الموسم العراقي (أنا وبليكس.. ورامبو!)، والضيف الثقيل هو مفتشو الأمم المتحدة التابعون لفريقي رئيس هيئة التفتيش الدولية هانز بليكس، ومحمد البرادعي مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أما البلطجي فهو الولايات المتحدة، وصاحب البيت هو العراق!
والحقيقة أن الذين تابعوا تصريحات كل من بليكس والبرادعي منذ بداية التفتيش على العراق، لم يستغربوا البيان الذي ألقاه كل منهما في مجلس الأمن يوم 27-1-2003 بخصوص تعاون العراق مع الأمم المتحدة؛ إذ لم يصدر عنهما سوى كل تشكيك في نوايا العراق وطلب مزيد من التعاون ومزيد من فتح الباب ومزيد من تفتيش بيوت العلماء العراقيين وقصور الرئيس العراقي، وفي كل مرة يستجيب فيها العراق يطالبون بالمزيد مهددين بالبلطجي الأمريكي وشبح الحرب.
ولكن الجديد هذه المرة هو أن تقريري بليكس والبرادعي يعزفان لحن الحرب الأمريكي ويقدمان المبرر لأمريكا لتقول إن العراق يخالف قرارات مجلس الأمن، ويتناسبان مع التوجهات الأمريكية الخاصة بالإعداد لضرب العراق في غضون شهر بعد انتهاء موسم الحج واكتمال الاستعدادات العسكرية، وإعطاء العراق فرصة وفق مطالب حلفاء واشنطن بحيث يكون التدخل العسكري مبررا هذه المرة!
فالتقريران ردا تقريبا على سؤال: هل العراق يستجيب لقرارات الأمم المتحدة؟ بعبارة (لعم)، أي: نعم ولا معا! وما قاله بليكس في حق العراق عاد ليسحبه في فقرات أخرى ليعطي واشنطن المبرر لتأخذ هذه الفقرات على أنها مخالفة للقرار.
فهو قد قال: "إن العراق متعاون وأتاح للمفتشين الوصول إلى المواقع التي يودون تفحصها"، ولكنه في الوقت نفسه ألمح إلى أن العراق ترك العديد من الأسئلة بدون أجوبة فيما يتعلق ببرامجه العسكرية المحظورة، وبخصوص غاز الأنثراكس لمجرد أن العراقيين أبلغوه أنهم لا يحوزون هذه الأسلحة(!).
كما طالب بليكس العراق صراحة بقبول تجسس الطائرات الأمريكية، واعتبره عدم تجاوب مع طلب المفتشين فيما يتعلق بتحليق طائرات التجسس الأمريكية يو-2 لالتقاط الصور الجوية رغم أن هذا من ألف باء سيادة الدول والعدالة!
والبرادعي بدوره قال بوضوح: "إنه لم يتم العثور على أي أنشطة نووية محظورة خلال عمليات التفتيش"، ولكنه قال: "إنه على بغداد أن تبدي فاعلية أكبر" في عمليات التفتيش المقبلة، وتحدث عن أشهر مقبلة للحصول على معلومات جديدة قد تبعد الحرب عن العراق، وكأن هذه فرصة ثانية للعراق.
وقد أعطى هذا بالطبع الفرصة لواشنطن كي تعلن على لسان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أن العراق لم يقدم أي معلومات ملموسة إلى مفتشي نزع السلاح وإلى المجتمع الدولي، وأن العراق "لم يقدم أي معلومات ملموسة ولا أي رد لا إلى المفتشين ولا إلى المجتمع الدولي"!
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن البرادعي كان أكثر حيادية من بليكس، وقلل من أهمية (الثغرة) التي سعى الأمريكان لاستغلالها لشن الحرب، وهي الوثائق التي قيل إنها وجدت في منزل عالم عراقي وتتضمن تفاصيل نووية، معتبرا أن الـ 3000 ورقة "ملاحظات شخصية ووثائق دروس أو أبحاث أو مراسلات بينه وبين الإدارة العراقية ومذكرات مالية، ولا تأتي بأي معلومة جديدة في محتواها"، في حين سعى بليكس لإشعال الفتيل مبكرًا وتحدث في تقريره أمام مجلس الأمن الدولي عن اكتشاف ثلاثة آلاف صفحة اعتبرها مثالا على "إخفاء وثائق" من قبل نظام بغداد، وقال: "إن كل مؤشر على إخفاء (وثائق) سيشكل قضية خطيرة".
التقرير في صالح أمريكا
وبشكل عام يمكن القول إن التقرير في صالح أمريكا؛ لأنه يوحي بأن العراق ما زال مقصرًا ولم يستجب بنسبة 100%، وأنه سيتم إعطاء العراق فرصة أخرى أخيرة للاستجابة، ومن ثم فسوف يتعرض للعقاب ما لم يقدم المزيد في فبراير القادم (2003).. وبالطبع عندما يأتي فبراير القادم سيقولون نفس الشيء، وعندها يكون مبرر الحرب مقبولا لدى حلفاء واشنطن، أو لنقل: إنها فرصة لإيهام العالم برغبة واشنطن في السلام ولكن العراق لا يستجيب!
فليس سرًا أن التقارير الأمريكية تتحدث بوضوح عن أن أنسب وقت للحرب هو ما بين منتصف فبراير وآخره بالنسبة للظروف المناخية التي يستطيع الأمريكان الحرب فيها في الخليج، بعدها يبدأ الارتفاع في درجات الحرارة في مارس، وليس سرًا مرة أخرى أن الحشود العسكرية الأمريكية سوف تكتمل في فبراير أيضا كما أكدت وزارة الدفاع الأمريكية، وليس سرًا -ثالثا- أن بوش أعلن أكثر من مرة منذ بداية التفتيش عن وجود وثائق تحت يديه تدين العراق ولكنه احتفظ بها لحين اقتراب وقت الحرب المحدد ليعلنها (أيا كانت مصداقيتها) ويعتبرها مبررا للحرب.
ولا شك أن تقريري بليكس والبرادعي يخدمان غرض التأجيل الأمريكي لفبراير، كما يخدمان أمريكا أيضا من زاوية إظهار تسامحها وقبولها نصائح معارضي الحرب بين الشعب الأمريكي وبين الحلفاء الأوروبيين الذين طالبوا بإعطاء فرصة للعراق لمزيد من التفتيش!
فقد صرح مسئولون بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) لشبكة "سي.إن.إن" عقب صدور تقرير بليكس والبرادعي بأن القوات الأمريكية ستكون مستعدة للتحرك بسرعة نحو الحرب ضد العراق خلال الفترة ما بين منتصف وأواخر شهر فبراير القادم إذا أصدر الرئيس جورج بوش أمرا لها بذلك!
كما ذكر مسئولون بالإدارة الأمريكية أن إدارة الرئيس بوش ستكشف عن تقارير مخابراتية بحلول مطلع الأسبوع المقبل تثبت أن مسئولين عراقيين كبارا يعملون على إخفاء أسلحة وأدلة على وجود برامج للتسلح من مفتشي الأسلحة بالأمم المتحدة، وأن المعلومات ستشمل صورا التقطت عن طريق الأقمار الصناعية، وأنه إذا قام العراق بأي خطوة استفزازية قبل ذلك فإن الولايات المتحدة سوف ترد بصورة فورية!
والطريف أنهم ألمحوا إلى نوعية هذه المعلومات الخطيرة بقولهم إن المخابرات الأمريكية كشفت عن دليل بالصور تم تجميعه خلال الأيام الماضية يفيد بأن القوات العراقية قامت بتحريك عدد متزايد من قاذفات الصواريخ المحمولة باليد أرض جو، وكذلك قطع من المدفعية المضادة للطائرات إلى مواقع حيوية داخل العاصمة بغداد وخارجها، وكأنه ليس من حق أي دولة أن تفعل هذا!
بليكس أهدى بوش مسدسا محشوا بالرصاص!
وقد ذهب لهذا الاحتمال أيضا غالبية الصحف البريطانية الصادرة في اليوم التالي لإعلان التقرير (الثلاثاء 28-1-2003)، وقالوا: إن الحرب زادت اقترابا من العراق بعد أن رفع كبير مفتشي الأمم المتحدة لأسلحة الدمار الشامل العراقية هانز بليكس تقريره أمام مجلس الأمن الدولي، لاسيما عندما استنتج أن بغداد ترفض الامتثال للمطالب الدولية في نزع أسلحتها.
حيث اعتبرت صحيفة "دايلي إكسبرس" (يمين) أن النزاع المسلح يبدو الآن "حتميا". وكتبت "دايلي تلغراف" (يمين) أن بليكس عزز كثيرا الموقف الأمريكي والبريطاني الداعي إلى الحرب عندما أكد أن العراق لم يقدم أدلة على تدمير الأسلحة الكيميائية والجرثومية.
أما "التايمز" (وسط يمين) فقد وصفت تقييم بليكس بأنه "تقييم "بارد" للوضع جعل التحرك العسكري أقرب، فيما اعتبرت الـ "صن" البريطانية الأكثر مبيعا أن بإمكان العالم أن يتوقع الحرب خلال الأسابيع القليلة القادمة.
ووصل الأمر بكاتب شهير ساخر مثل "تريفور كفاناغ" المعلق السياسي للصحيفة للقول إن بليكس لم يقدم "بندقية يتصاعد الدخان من فوهتها"، ولكنه مد للرئيس الأمريكي جورج بوش "مسدسا محشوا"!
فهل عزف بليكس والبرادعي -بتقريرهما- لحن الحرب لبوش بالفعل؟
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|