|
| المقاومة رد فعل طبيعي على ما يحدث
|
استخدامات القوة المجردة مباحة في أية منظومة قيم بشرية ضمن توازنات مصلحية وقيمية، يضبطها وينظم استعمالاتها مفردات نظام الأفكار السائد في الفضاء الحضاري لأية أمة. وفي طبيعة التدافع البشري، ومن سنن الاجتماع الإنساني، أن تستخدم القوة في صورتين: الأولى للدفاع عن الحق تطابقا مع حالة المثال التي تقررها منظومة القيم، ولكن في ساحة الواقع وبسبب انفلات الغرائز البشرية تستخدم القوة في صورتها الأخرى، في الاعتداء على الآخر لانتزاع أو تحقيق مصالح غير شرعية.
وفي السياق التاريخي، استخدمت القوة بصورتيها، وارتسمت خرائط لعلاقات القوة، بنيت على أساسها كثير من الدول والإمبراطوريات.وطوال عمر التاريخ لم يحدث أن أية أمة احتكرت مجال القوة، واستخدمتها لنفسها وحرمت منها الآخرين وفرضت قواعد أخلاقية قسرية لأجل ذلك.
وباستقراء المسيرة التاريخية يدرك المرء أن كافة الحضارات انسجمت مع قوانين الصراع التي تستلزم الاعتراف لكل طرف بحق استخدام مجال قوته، لإثبات كينونته ووجوده وحماية مصالحه، وفق منظومة قيمه ونظام أفكاره. وبكلمات أخرى، لم يسبق لأمة أن قامت بمصادرة الحقيقة وحق امتلاك القوة، وفرضت قيمها على الآخرين، وأعلنت "نهاية التاريخ"، ودعت لتعطيل قانون الصراع برداء عولمي بزعم أن صورتها الحضارية هي الحالة الأخيرة للتاريخ البشري وخاتمتها المثلى.
إمبريالية غير مسبوقة
في الحالة الأمريكية الراهنة تستخدم دولة الـ(super power) -كما يحلو لعلماء الجيوبولتيك أن يسموها- فائض قوتها العسكرية.. لتفرض على العالم دورا إمبراطوريا قسريا، وحالة إمبريالية غير مسبوقة تتضمن:
- فرض القيم على الآخر وتشويه قيمه.
- احتكار القوة وحرمان الآخر من امتلاكها.
- نهب الثروة العالمية.
وهذه المفردات مترافقة، لم يمر في سياق التاريخ أن قامت إمبراطورية بفرضها مجتمعة على كافة سكان المعمورة وبنفس النسق الدكتاتوري الأمريكي. وهي حالة فريدة من دكتاتورية الإمبراطورية، وفي مدى جغرافي وديمغرافي لم تشهده البشرية.وتكريسا لهذه الدكتاتورية الأمريكية، واقتناصا لفرصة القوة السانحة وغير الدائمة، تجهد أمريكا -وخاصة مجموعة اليمين المتصهين- على صياغة نظام دولي جديد، وفق المعادلة القائمة، لتأمين فرص البقاء لمدة أطول لمناخ هذه الهيمنة الأمريكية، وبوسائل عسكرية وسياسية ودبلوماسية متغطرسة تنسف كافة مبادئ العالم الحر المزعومة، التي كانت وما زالت تبشر بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
وفي سعيها لتنميط الفضاء الثقافي الإنساني، عملت أمريكا على فرض نظام معرفي خاص، من إنتاج قيمها الحضارية القائمة على ثقافة الاستهلاك، وابتدعت آليات تسويق له عبر قنوات العولمة، التي توصف في الخطاب الثقافي العالمي بالأمركة، وهي بدعتها التي روجت لها منذ غياب نظام الثنائية القطبية السابق.
وفي صلب الإستراتيجية الأمريكية دعوة لتصدير الديمقراطية بمقاسها الأمريكي، وتعميمها في المجتمع الكوني، باعتبارها الحل السحري والناضج لكافة مشاكل البشرية، والنموذج الأمثل للحياة الإنسانية.
وفي حيز التنفيذ، أنتج العقل السياسي الأمريكي مدرستين في مجال التطبيق:
الأولى: تدعو لتسويق السلعة الثقافية الأمريكية بالقدوة، أو القوة الناعمة كما يسميها المفكر الإستراتيجي الأمريكي جوزيف س. ناي (الابن).
والأخرى: مدرسة القسر؛ ولعل الإدارة الجمهورية الحالية أصدق مثل لها.
لم يقف الفكر السياسي الأمريكي عند هذا الحد من الغطرسة، بل تعداه إلى تشويه ثقافة الآخر من خلال إبراز بعض مفرداتها على أنها حاضنة فكرية للإرهاب؛ ذلكالمصطلح الذي تحول إلى غول أمريكي يُخوف به كافة المعارضين للسياسة الأمريكية في العالم.
ثالوث القوة والمال والثقافة
|
|
المقاومة باتت أمراً مفروغاً منه
|
على صعيد القوة تقوم الإستراتيجية الأمريكية على مبدأ احتكار القوة، ومنع أي طرف -يسعى للمنافسة أو التحدي- من السعي لامتلاك قوة متكافئة لضمان التفرد وسيادة الهيمنة الأمريكية. وتعتمد أمريكا في فرض سياستها على دبلوماسية القوة، وإخضاع الآخر بالإكراه عبر مجالات القوة المختلفة، حتى لو احتاج الأمر للتعدي على كل القوانين الدولية، ولو اقتضى ذلك التعاكس مع رغبات المجتمع الدولي كما في الحالة العراقية. وفي النموذج العراقي، بالغت أمريكا في دكتاتوريتها، وبرزت صورتها الحقيقية للعالم، إذ إنها تعدت على العراق، برغم رفض العالم بدوله ومؤسساته المدنية والأممية لهذه الرغبة.
ووصل الأمر بريتشارد بيرل (رئيس مجلس سياسات البنتاجون السابق) ليصف الأمم المتحدة بأنها أصبحت لا قيمة لها، وينبغي إعادة هيكلتها لمجرد أنها لم تنسجم مع الرغبات الأمريكية في مسألة العراق.
وعندما غاصت في وحول المستنقع العراقي، فبدلا من مراجعة سياستها الخاطئة.. أوغلت في لجاجتها، وجسد ذلك أحد تصريحات بوش الذي قال فيه إنه على دول العالم أن تقف مع الولايات المتحدة في العراق، ومن غير المقبول أن يقف أحد على الحياد.
أما النموذج الفلسطيني، فيعطي المثل البارز على عدم أخلاقية الخطاب السياسي الأمريكي الذي يريد أن يفرض على الملف الفلسطيني؛ وبمخالب القوة المحتكرة أجندة عارية من العدالة في إطار كاذب وظالم توصف فيه الضحية بالإرهاب، بينما يلقب أكبر قاتل صهيوني برجل السلام.
على صعيد اقتصادي -منذ الحرب العالمية الثانية- أسست أمريكا نظاما اقتصاديا وماليا عالميا وفق المصالح الأمريكية، جسده نظام بريتون وودز بمؤسساته المالية الأممية كصندوق النقد الدولي وغيرها الذي فرض الدولار كعملة نقد دولية؛ وكذلك خلق دورة مالية عالمية تصب نهايتها في مصلحة الاقتصاد الأمريكي. وعبر عن هذه النقطة بالذات، خير تعبير المفكر الكبير جارودي، حينما قال: إن أمريكا تعيش بأكثر من إمكانياتها؛ لأنها تعيش على نهب الاقتصاد العالمي من خلال الدورة المالية السائدة فيه.
المقاومة رد منطقي
ونتاجا لهذا القهر الإرهابي -المتضمن لاحتكار القوة، والتعدي على هوية الآخر، وسلب ثرواته- غُيبت العدالة؛ ولم يبق من صورتها في البيئة الدولية أي شيء. ونظرا لأن الأمم الحية لا يمكن لها أن تسكت عن حقوقها رغم جبروت القوة، ولأن قانون الصراع لا بد له أن يتفاعل؛ فمن المنطقي أن تبتدع وسائل قتالية وفق المتاح، لمقاومة هذا الظلم الذي تصنعه الهيمنة الأمريكية بنفسها، أو عبر وكلائها كما في الحالة التي يمثلها الكيان الصهيوني، الذي قتل من الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى فقط ما يزيد عن 3 آلاف شهيد، وحوالي 38 ألف جريح، واقتلع من أراضي بيت المقدس ما يقارب مليون شجرة مثمرة؛ تحت سمع وبصر العالم بأسره.
ولعلاج المعادلة الجديدة في الصراع -التي صنعتها الشعوب الحية لاسترجاع حقوقها من خلال تكتيل قوتها المتاحة لضرب مفاصل الضعف لدى العملاق الأمريكي ووكلائه كما في الساحتين العراقية والفلسطينية- تصمم واشنطن على تفكيك هذه المعادلة عن طريق فرض خطاب دولي نمطي، يخضع لمصالحها القومية تحت شعار محاربة الإرهاب.ذلك أن معادلة المقاومة القائمة أو الحرب غير المتكافئة، كما يحلو للإستراتيجيين الأمريكان أن يسموها، لا يمكن تفكيكها بوسائل القوة التقليدية، أو من خلال منطق القوة وقانونه الذي اختزله كيسنجر بعبارته: "السلام الشرعي تأسس في المحصلة على توازن القوى، وهو ليس مرادفا للعدالة بالضرورة"، بمعنى السيادة والبقاء للأقوى، تطابقا مع قانون الداروينية السياسية.
وفي إطار هذا المشهد الدكتاتوري المتسلط في المسرح الدولي عسكريا وثقافيا واقتصاديا.. فمن هو الإرهابي حقا؟ هل هو الشعوب الحية التي تقاوم من أجل استعادة حقوقها.. أم من؟ ويجيب المفكر والعالم اللساني اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه الجديد "أمريكا الدولة الإرهابية الأولى في العالم": "إن الولايات المتحدة هي الدولة الإرهابية الأولى في العالم، وهي قلعة الإرهاب العالمي بدون منازع".
باحث سياسي؛ له عدة مؤلفات ومقالات في التاريخ والسياسة والفكر
|