English

 

الأحد. أغسطس. 31, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
أهم الأخبار  

من المستفيد من اغتيال باقر الحكيم؟

هل تعجل مذبحة النجف بالغضب الشيعي ضد الأمريكان

بقلم - محمد جمال عرفة

هل ينتقم الشيعة من الأمريكان؟
هل ينتقم الشيعة من الأمريكان؟
يصعب تصور عدم وجود علاقة بين مذبحة النجف التي قتل فيها قرابة 127 عراقيا على رأسهم الزعيم الشيعي محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وبين تفجيري مقر الأمم المتحدة، وسفارة الأردن بالعراق اللذين خلفا عددًا مشابهًا من القتلى، ليس فقط بسبب تقارب توقيتات التفجيرات، ولكن أيضًا لأن أسلوب التفجير الذي تعرض له الحكيم مقارب لأسلوب تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد، والسفارة الأردنية. 

والنتيجة الطبيعية لهذا معناها أن الجهة الفاعلة وراء كل هذه التفجيرات جهة واحدة ربما تكون من جهات خارجية لها المصلحة في زرع الفوضى في العراق وإثارة حرب طائفية.

ومع أن طرح سؤال "مَنْ الفاعل؟" قد يكون ضربًا من التكهنات في مثل هذه العمليات المخططة بعناية؛ فالحقيقة أن السؤال مرتبط كثيرًا بتداعيات التفجيرات وتصورات المرحلة المقبلة المتوقعة، خصوصا أن كل جهة متهمة لها هدف تسعى لتحقيقه من وراء التفجيرات.

فرغم الاتهامات المبدئية من جماهير الشيعة الغاضبة لأنصار النظام البعثي السابق، ولقوى داخلية معادية للشيعة (المتطوعين العرب)، فلا يمكن استبعاد دور القوى الخارجية، خصوصا الدولة الصهيونية ودول الاحتلال (أمريكا)، بل وربما عناصر شيعية من مخالفي مرجع الشيعة الأعلى باقر الحكيم، خصوصا أن هناك خلافات برزت بين مراجع الشيعة على السلطة في النجف الأشرف عقب احتلال العراق، كما أن عم باقر الحكيم (محمد سعيد الحكيم) أحد أربعة مراجع كبار للشيعة في العراق تعرض قبل 5 أيام فقط من اغتيال باقر إلى محاولة اغتيال قُتل فيها ثلاثة من أنصاره ووقعت أحداث عنف شيعية أخرى.

فليس سرًّا أن هناك رغبة إسرائيلية عميقة في أن يظل العراق (أحد التهديدات الكبيرة السابقة للأمن الصهيوني) وريث خلافات طائفية داخلية تطحنه وتلقي به بعيدًا في غياهب الزمن فترة من الوقت، وأن أكثر من فريق أمني وسياحي واقتصادي (وفق تأكيدات الأكراد) قد دخل العراق بالفعل مؤخرًا لترسيخ أقدامهم في العراق، وأن هذا التغلغل الصهيوني لقي انتقادات واضحة من مراجع الشيعة.

مكسب أم خسارة للأمريكان؟!

 
 اغتيال الحكيم.. مصلحة أم خسارة لأمريكا؟
رغم الإدانات الرسمية الأمريكية لاغتيال الحكيم والتعهد بالتعاون للقبض على القتلة، وحقيقة أن مقتله سيجلب مزيدًا من الغضب الشيعي على الاحتلال الأمريكي؛ فإن هناك مصلحة أمريكية في اغتيال الحكيم عبر "الوسائل القذرة" التي تبرع فيها المخابرات الأمريكية، وبالمقابل هناك خسائر. فهناك خلافات الحكيم السابقة مع الأمريكان الذين طلب مقاومتهم سلميا وظل يسميهم في خطبه بالاحتلال على عكس بقية أطراف المعارضة العراقية الأخرى، وإن ظل يعارض المقاومة المسلحة ويعتبرها خيارا أخيرًا.

وهناك ارتباط الحكيم بإيران "فكريا"، والتي تعهد المسئولون الأمريكان بمنع قيام نظام حكم عراقي على طريقة الثورة الإسلامية الإيرانية، والرغبة الأمريكية في "حرق" هذا البديل مع اقتراب لحظة تقسيم السلطة في العراق، بحيث تبقى أطراف شيعية ضعيفة يسهل التعاون معها والاعتماد عليها!

ولكي نتصور أهمية قتل الحكيم لدى الأمريكان نشير إلى أن مقتله يعني اختفاء أبرز القيادات الشيعية التي لا ترى فارقا بين الدين والسياسة وتؤمن بدور لمراجع الشيعة في الحكم على الطريقة الإيرانية، وأن خليفته -من حيث الوضع الديني- وهو آية الله العظمى علي محمد السيستاني لا يحبذ التدخل في السياسة ويؤمن بأن على علماء الدين ألا يتدخلوا في شئون الحكومة، وأنه يجب المحافظة على مسافات تفصل بين الدين والسياسة، ويهتم أكثر بالتصوف، وهو المطلوب أمريكيا!

بعبارة أخرى؛ ليس هناك مفر أمام الاحتلال الأمريكي من التعاون مع الشيعة باعتبارهم أغلبية سكانية (وفق الإحصاءات الأمريكية)، ولكن هذا التعاون محفوف بالمخاطر بسبب استقلالية أكبر المراجع الشيعية الذين سيكون على الأمريكان التعاون معهم، وبالتالي فاختفاء هؤلاء "السياسيين" يفتح الطريق للتعامل مع علماء الدين الشيعة "المتصوفين" بهدوء لا يسبب مشاكل للأمريكان.

ولا ننسى أيضا أن القوات الأمريكية سبق أن هاجمت مقرات حزب باقر الحكيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) عدة مرات واعتقلت مجموعات من تنظيمه وهاجمت صحيفته "العدالة" الناطقة باسم المجلس عدة مرات وتركت -بالمقابل- أطرافا شيعية أخرى تعمل في هدوء.

ولا يعني ذلك بالطبع أن اغتيال الحكيم لن يزعج قوات الاحتلال؛ فاغتيال ذلك المرجع المعتدل متوقع أن يشعل فتيل المقاومة في صفوف الشيعة ويزيد من غضبهم على الاحتلال؛ وهو ما عبر عنه الكثير من رموزهم ممن حمَّلوا فلول نظام صدام حسين المسئولية، ولكنهم اتهموا الاحتلال الأمريكي بأنه سبب كل المشاكل، وأنه سبب تدهور الأمن بالعراق، ولكن المكاسب الأمريكية في نهاية الأمر من الاغتيال تبدو أكبر.

أيضا قد يكون اغتيال باقر الحكيم خسارة للأمريكان إذا ما اعتبرنا الحكيم جسرًا يفصل بينهم وبين الغضب الشعبي الشيعي بسبب فتاواه الخاصة برفض المقاومة المسلحة والدعوة لاستنفاد الوسائل السلمية، أو إذا اعتبرناه جسرا بين أمريكا وإيران فقدته واشنطن.

صراع الشيعة الداخلي

ولا يمكن الحديث عن لعب الأمريكان على وتر الخلافات الداخلية بين الشيعة، دون الحديث عن الخلافات بين شيعة العراق أنفسهم والتي تهدد مستقبل العراق ككل، باعتبار أنهم وزن ذو ثقل في معادلة السلطة. والعودة إلى تاريخ باقر الحكيم هنا مفيدة في كشف بعض خبايا هذا الصراع.

فقد شارك الحكيم عام 1958 في تأسيس "حزب الدعوة الإسلامية" مع العديد من المراجع الشيعية أمثال آية الله العظمى محمد باقر الصدر، والعلامة محمد مهدي الحكيم، والعلامة مرتضي العسكري، غير أن الظروف أملت عليه ترك العمل داخل الإطار الحزبي عام 1961 والتفرغ للعمل الجماهيري بقيادة المرجعية الدينية.

وبالرغم من ترك الحكيم للعمل الحزبي فإنه أبقى على علاقته بالعمل السياسي المنظم على مستوى الدعاية والتوجيه من خلال جهاز مرجعية والده الإمام الحكيم، أو من خلال الموقع القيادي الذي كان يمارسه أستاذه محمد صادق الصدر.

وقد دعا الحكيم إلى أن تكون المرجعية الدينية هي الإطار العام للعمل السياسي والاجتماعي، وظهر تأييده لهذه الفكرة بوضوح بعد أن تبنى أستاذه الإمام الصدر مبدأ الولاية العامة للفقيه والذي جسدته الثورة الإسلامية في إيران من خلال قيام الولي الفقيه بإقامة الدولة الإسلامية، ولذلك كان من أوائل من دعوا إلى أن تكون المرجعية الدينية هي الإطار العام للعمل السياسي والاجتماعي في العراق أسوة بما هو قائم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية المجاورة.

وهذه الرؤية التي يحملها الحكيم تتعارض مع رؤية العديد من الرموز الشيعية الأخرى التي تتنافس على زعامة الشيعة في العراق، وكانت سببا في اضطرابات واغتيالات سابقة، خاصة أن هناك من يرحب بالتعاون مع الأمريكان ومن يرفض.

ولهذا قيل بأن أحد المستفيدين المحتملين من قتل الحكيم ربما كانت بعض رموز الشيعة المخالفين للحكيم أو الطامحين لخلافته في زعامة الشيعة، سواء كانوا من كبار الشخصيات أو مجموعة الشخصيات الغامضة التي احتشدت حول مقتدي الصدر، عالم الدين الشيعي الشاب، الذي يسعى جاهدًا للعب دور ما في عراق ما بعد الحرب وإزاحة الآخرين، ويصطدم مع الأمريكان بشدة وينتقد موالاة بعض الشيعة لهم.

صحيح أن الصدر نفى أن تكون له أي علاقة بالجريمة، ولكن السؤال هو: لماذا النفي رغم أن أحدا لم يتهمه؟!

ربما كان سبْق اتهامه في حادث مقتل عبد المجيد الخوئي الذي وقع في النجف أيضا في الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي، واغتيال العديد من علماء الدين الشيعة خلال الأشهر الأربعة الماضية، أدى إلى وضع تصور يشير إلى جماعة الصدر، ولكن تبقى حقيقة أن هناك صراعا حقيقيا داخل شيعة العراق.

وبالطبع هناك تفسيرات أخرى للاغتيال أبرزها أن ثمة نية واضحة لدى بعض الجهات (قد تكون أنصار صدام أو أطرافا عراقية أخرى) في إعادة خلط الأوراق في البلد، بما يحرم الأمريكيين من أي قوة فاعلة يستطيعون الاعتماد عليها لإعادة ترتيب أوضاع العراق، وبالتالي التعجيل بتحرك الشيعة ضد الاحتلال بعدما ظلوا على الحياد، وطرح الحلول السلمية منذ انهيار النظام العراقي السابق.

الهدف.. وحدة مسلمي العراق

والحقيقة أن طريقة التفجير وانهيار جزء من مسجد الإمام علي كرم الله وجهه في النجف والذي يعتبر قدس الأقداس يليه مساجد كربلاء، فضلا عن اختيار يوم الجمعة لقتل أكبر عدد من المصلين وخلق هذه المذبحة البشعة.. كل ذلك يشير إلى جهات خارجية أكثر منها داخلية، رغم كل الحديث السابق عن الخلافات داخل الشيعة، أو بينهم وبين النظام السابق، أو حتى الحديث عن احتمال تورط المقاومة العراقية في الحادث.

ولهذا قال أحمد الجلبي عضو مجلس الحكم العراقي (شيعي) بأن "أي شخص يفهم أي شيء عن الشيعة لن يقول بأن اغتيال الحكيم يمكن أن يكون في إطار خلاف بين جماعات شيعية أبدا؛ لأنه (ضريح الإمام علي) أهم الأضرحة لدى الشيعة على الإطلاق".

وربما لهذا ذهب وجهاء الشيعة في الداخل والخارج، إلى ترجيح احتمال العنصر الخارجي؛ فالأمين العام لحزب الله اللبناني الشيعي حسن نصر الله قال بوضوح بأن "استشهاد" آية الله محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق "يستهدف الوحدة الإسلامية".

وقال في بيان، بأنه "سيقوي عزم الشعب العراقي على إنقاذ بلده المحتل من أيدي كل العتاة"، و"أن الدماء الزكية لشهيدنا الغالي وكل الشهداء المظلومين الذين قضوا في جوار مرقد أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) ستوقظ روح الثورة والغضب وسترفع درجة الوعي لمواجهة الأخطار المحدقة".

وشدد نصر الله على أنه "ستخيب آمال كل أولئك القتلة والمجرمين الخونة بفعل وحدة الشعب العراقي وصدقه ووعيه وعزمه على إنقاذ بلده المظلوم والمحتل من أيدي كل العتاة والطواغيت".

أيضا شارك أئمة السنة في طرح هذا التصور عن الدور الخارجي، ولكنهم كانوا أكثر تخوفا من أن يؤدي اغتيال الحكيم إلى فتنة طائفية في العراق، خصوصا أن هناك من يلعب على وترها من الاحتلال، دون جدوى، بسبب وعي الطرفين.

حيث قال الشيخ محمود الصميدعي عضو "هيئة علماء المسلمين" أعلى مرجعية للسنة في العراق: إن المقصود من هذه الأعمال هو إثارة الفتنة الطائفية في البلاد، وإن أعداء العراق يتربصون به ويسعون لإشعال الفتنة بين الشيعة والسنة والأكراد والعرب، ومن ثم يجب ألا نعطيهم الفرصة لذلك ونحافظ على وحدة العراق شماله وجنوبه شرقه وغربه.

وهو نفس ما ذهب إليه الدكتور عبد الحكيم ملحم (سني) الذي قال بأن اغتيال الحكيم يستهدف عدة أشياء منها إشعال الفتنة بين السنة والشيعة في العراق وإبعاد أحد الوجوه المعتدلة من المرجعيات الشيعية وزيادة الحنق على الأمريكيين الذين يتحملون مسئولية حفظ الأمن في البلاد وتأجيج الكراهية في صفوف الشيعة لجماعات المقاومة العراقية خاصة تلك التي هددت باغتيال أعضاء مجلس الحكم الانتقالي وجميع المتعاونين مع قوات الاحتلال.

المستقبل ضد الاحتلال

تداعيات مقتل الحكيم قد تصب بالتالي في نهاية الأمر إما لصالح فتنة حقيقية بين المسلمين (شيعة وسنة) والمستفيد منها هم الصهاينة والأمريكان ليلعبوا على حبال الطرفين، وهي في نهاية الأمر أطراف خارجية وهذا هو الاحتمال الأرجح، أو أنها تصب في صالح أطراف داخلية (قيل بأنهم المجاهدون العرب السنة) هدفها تأليب الشيعة على الأمريكان، خصوصا أنه تم اعتقال أربعة عرب وقالت شرطة العراق إنهم اعترفوا بالمسئولية عن التفجير(!)، كما أن غالبية الشيعة أعلنوا مرارا غضبهم على الأمريكان، وقالوا بأنهم ينتظرون أوامر مراجعهم الرئيسيين لقلب الأوضاع على الأمريكان!

وربما يلعب خليفة الإمام باقر الحكيم المنتظر في رئاسة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق دورًا في تأجيج الصراع ضد الأمريكان أو العكس، وفي الحالة الأولى قد تهتز الأرض من تحت أقدام الأمريكان بالفعل وتشتعل كل أرض العراق ضدهم ويحدث تحول كبير في البلاد.

فالاحتلال البريطاني للعراق في القرن الماضي ظل بدوره يمالئ الشيعة ويحاربهم، وعندما تحرك الشيعة بثورتهم الشهيرة عام 1958 انهار الاحتلال البريطاني.. فهل تتكرر التجربة مع الأمريكان؟!


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات