English

 

الثلاثاء. يونيو. 1, 2004

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
أهم الأخبار  

أمريكا تضرب الصدر بمجلس الثورة

حامد محمود

بوش يصطاد في الماء العكر
بوش يصطاد في الماء العكر
طرحت المواجهة بين مناصري الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر والقوات الأمريكية مجموعة من التساؤلات، في مقدمتها: لماذا المواجهة مع تيار الصدر دون بقية التيارات السياسية الشيعية الأخرى؟ هل أصبح مقتدى الصدر كارهًا للحرية كما قال الرئيس بوش في تعليقه على المواجهات المتصاعدة بين قواته وقوات الصدر التي أذاقت الأمريكيين مرارة الحرب؟ ولماذا أصبح الصدر خارجًا على القانون، ويمثل تهديدًا خطيرًا لأمن العراق وفقًا لتصريحات بول بريمر الحاكم المدني في العراق؟ ولماذا تم وصمه بالإرهاب والتحالف مع المنظمات الإرهابية، كما ذكر سكوت مكليلان المتحدث باسم البيت الأبيض؟

إن محاولة الإجابة على كل هذه الأسئلة تستلزم الإشارة إلى أن الصدر يمثل الجانب الحاد في مدرسة الرفض السياسي في العراق لوجود المحتل الأمريكي في مواجهة مدرستين أخريين؛ تمثل إحداهما الزعيم الشيعي السيستاني الذي يعلن رفضه الاحتلال، إلا أنه يؤكد عدم الدخول في مواجهات حقنًا للدماء مع الاكتفاء بمراقبة الأجواء، وإبداء الرأي في عملية نقل السلطة للعراقيين، دون الانخراط في العمل السياسي أو مشاركة الأمريكيين في ذلك (42). أما المدرسة الأخرى فيبرز فيها المجلس الأعلى للثورة الإسلامي الذي آثر اتباع ما يمكن تسميته الواقعية السياسية من خلال مشاركة الأمريكيين في مجلس الحكم الانتقالي، والدخول كطرف في اللعبة السياسية الجديدة في العراق، مع الاكتفاء بتوجيه بعض الانتقادات للأداء الأمريكي من آن لآخر(43).

ويمكن القول بأن الصدر اتخذ خطابًا سياسيًّا ومغايرًا لهاتين المدرستين؛ مضمونه رفض الاحتلال، والمطالبة بخروج القوات الأمريكية، ومواجهة المحتلين، وعدم التعاون معهم، مع دعوته لقيام حكومة دستورية يختارها الشعب العراقي، وأن تعبر هذه الحكومة عن رغبتها، وأن تكون بعيدة عن الاحتلال(44). بالإضافة إلى ذلك فقد أعلن الصدر نفسه متحدثًا باسم الشيعة عقب سقوط صدام، وقام بتشكيل جيش المهدي، وهي ميلشيا عسكرية تقدرها بعض المصادر بنحو 11 ألف مقاتل، غير أن الصدر يؤكد أنها ليست بفرق منظمة؛ بل هم شباب مجاهدون.

ومع تزايد انتقادات الصدر لما يحدث في البلاد؛ بداية بقانون إدارة الدولة المؤقت الذي اعتبره وثيقة غير شرعية، وإعلانه رفضه للاحتلال مع الانتظار لفتوى الإمام الشرعي (وهو الحائري) بشأن الموقف منها، بالإضافة إلى وصفه مجلس الحكم بالكفر، ثم مجيء فتوى الحائري بأن الدستور المؤقت لا يمثل الحد الأدنى من مطالب الشعب العراقي، وأنه غير شرعي، ويمثل طعنة في ظهر الشعب(45).. مع تزايد كل هذه الانتقادات تغيرت ملامح الصورة في العراق؛ فقام على أثرها إقدام قوات الاحتلال على القبض على أحد مساعدي الصدر، وإغلاق صحيفة الحوزة، بل واتهام الصدر بالتدبير لاغتيال الخوئي في إبريل 2003.(46)

كل تلك الأمور كان طبيعيًّا أن تدفع بالأحداث إلى ذروتها، خاصة مع اقتراب الموعد الذي حددته أمريكا لنقل السلطة إلى العراقيين في 30 يونيو المقبل الذي تريد أن تحتفل به الإدارة الأمريكية، حتى لو لم يتم أي تغيير حقيقي في الواقع المعقد الذي تعيشه العراق (47)؛ وهو ما دفع بالإدارة الأمريكية إلى التشدد في مواجهة الصدر الذي تحول إلى رقم سياسي، يصعب -إن لم يستحِل- تهميشه؛ إذ يعتمد الصدر على القطاع الأوسط من الطائفة الشيعية، كما تتركز شعبيته في أحياء فقيرة ومن طبقات مهمشة؛ حيث صار الرجل رمزًا للمقاومة الشيعية والسنية والشعبية والإسلامية؛ ولذلك صار لا يخلو شارع في بغداد بقسميها: الكرخ والرصافة، من لافتات لأنصار الصدر ترفرف فوق البيوت أو على السواري أو السيارات، بالإضافة إلى الإرث غير الطائفي لهذا الزعيم الشاب الذي يمتلك خطابًا ملتهبًا يجذب لب الجماهير(48).

وقد تعددت التحليلات التي تشير إلى الأهداف التي يسعى الصدر إلى تحقيقها، سواء بإدخاله في المعادلة السياسية الجديدة قبل تاريخ 30 يونيو -موعد انتقال السلطة الشكلية أو السيادة المنقوصة للعراقيين، على حد تعيير كولن باول- أو لتولي زعامة الشيعة.

وفي التحليل النهائي لكل ما سبق يمكن استنتاج نتيجتين مهمتين:

أولا: أن من سيحسم مستقبل الشيعة في العراق ودورهم هم الأكثرية منهم؛ وخاصة نخبتها من الطبقة الوسطى المتنورة التي ستكسر أطواق الصمت والتحفظ التي ضربت من حولها؛ ومن المؤكد أن صوتها سيكون عاملا مؤثرًا، بل مرجعًا لتحقيق إجماع بين الجماعات الدينية والقبلية حول أهداف وتطلعات الشيعة التي تتمحور حول منح الأغلبية الشيعية فرصة ممارسة دورها السياسي نسبة لتعدادها السكاني في عراق موحد.

وثانيها: أن استمرار مطالبة القوات الأمريكية باعتقال أو قتل الصدر وإصرارها على ذلك في محاولة لتحقيق نصر لها -رغم صعوبة تحقيق ذلك- سوف تشعل انتفاضة داخل العراق لن تستطيع التعامل معها. فالعراقيون مسلحون، ولديهم عقيدة قوية يدافعون عنها على عكس الجنود الأمريكيين الذين يحاربون بلا أي عقيدة، وستدخل أمريكا في حرب مدن لن تقوى عليها، خاصة أن أغلبية شيعة العراق لا تنتمي إلى تيارات سياسية معينة، ولكنها مستعدة للدفاع عن عقيدتها، لا سيما بعد تجاوز القوات الأمريكية للخطوط الحمراء، واقتحامها مدينتي النجف وكربلاء المقدستين لمطاردة الصدر وأنصاره.*

إن التحذير الذي أطلقه مقتدى الصدر مؤخرًا إلى قوات فيلق بدر (الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية) الذي حذره فيه من التدخل إلى جانب قوات التحالف للعمل ضده جنبًا إلى جنب مع ما يسمى بالجيش العراقي الجديد أكد على احتدام الصراع في الداخل العراقي الشيعي بين التيارين الرئيسين (تيار الصدر، والمجلس الأعلى للثورة)، وذلك قبيل أيام قليلة من تاريخ 30 من يونيو موعد تسليم السلطة الشكلية/ أو منقوصة السيادة للعراقيين.

وإن كان هذا التحذير الذي أطلقه الصدر لم يأتِ من فراغ؛ حيث يشير إلى حقيقة وجود اتفاق سري للمصالح، تختمر معالمه تحت السطح بين المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والقوات الأمريكية التي يمكن أن تسند إلى المجلس القيام ببعض المهام الأمنية، لا سيما في المدن المقدسة في مقابل المساعدة بجدية في مواجهة تيار الصدر وتحجيمه؛ وإن لم تتوافر معلومات عن وجود مثل هذا التحالف أو الاتفاق بين الجانبين، وإن كانت المؤشرات والمعطيات الموجودة على السطح في العراق تؤدي إلى هذه النتيجة وتؤكدها، خاصة في ظل التحالف شبه المعلن بين المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والمرجعية الدينية آية الله علي السيستاني الذي حاول محمد باقر الحكيم إقامته -وكما ذكرنا من قبل- ليتسنى له تولي المرجعية السياسية في العراق، بينما يتولى الآخر المرجعية الدينية؛ وهو ما لم يتم بشكل نهائي بسبب امتعاض الإدارة الأمريكية آنذاك من الحوار بين الجانبين؛ خشية سعي الحكيم إلى إقامة دولة إسلامية على غرار النموذج الإيراني؛ وهو ما لم يخفه الحكيم؛ بل أعلن عنه في مشروعه السياسي، ومهّد لذلك، غير أنه تتوفر حاليًا الظروف لإطلاق مثل هذا التحالف إلى الملأ؛ حيث يسعى المجلس إلى توسيع مشاركته في الحكم بالعراق خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى محاولته إثبات مدى قدرته على القيام بدور رجل الشرطة في العراق وضبط الأمور؛ وهو ما سعى إليه من قبل زعيمه باقر الحكيم قبل اغتياله؛ حيث أكد على قدرة قواته على القيام بهذه المهمة؛ وهو ما تحتاج إليه الإدارة الأمريكية حاليًا، بالرغم من أن أحداث العام الأول من الاحتلال أكدت على محدودية دور المجلس، وتضاؤل شعبيته الداخلية، بالمقارنة مع تيار الصدر، ناهيك عن الاتهامات الموجهة للمجلس بالعمالة بعدما جاء قادتُه على ظهور الدبابات الأمريكية، وبعد سقوط بغداد وقضاء أكثر من 20 عامًا بالخارج بعيدًا عن بطش صدام.

وفي المقابل فإن السيستاني يخشى هو الآخر مواجهة خطر الإبعاد أو الترحيل، أو حتى القتل من جانب أنصار الصدر؛ وكان قد واجه خطر الترحيل أثناء الغزو الأمريكي في العام الماضي من جانب أنصار الصدر الذين حاصروه بسبب فتواه الشهيرة التي دعا فيها الشيعة العراقيين إلى عدم مواجهة قوات الغزو، لا سيما في ضوء تزايد قوة وسطوة تيار الصدر؛ وهو ما يشكل خطرًا على زعامته الروحية ومكانته، خاصة مع وجود مرجعية أخرى يستند عليها الصدر في اتجاهاته -وهو الشيخ محمد كاظم الحائري- الذي يمكن أن يصبح بديلا عن السيستاني في حال سيطرة الصدر على الوضع الداخلي.

ونهاية.. فإنه بالرغم من عدم استبعاد أي مفاجآت في عالم السياسة الشيعي -وفي القلب منه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بينما يخرج عن إطاره الصدر وأتباعه حديثي الخبرة- سواء من تحالفات أو مؤامرات؛ فإنه يمكن القول بأن الصدر أصبح يمثل الرقم الصعب في المشهد العراقي الراهن، لا سيما في ضوء تزايد شعبيته. وكما أكد على ذلك عبد السلام الكبيسي -رئيس هيئة علماء السنة في العراق- الذي أشار إلى اتفاق الرأي بينه وبين الصدر في مواجهته مَن وصمهم بالعمالة القادمين من إيران الذين تحركهم أطماع النفوذ والسلطة.ولعل الأيام القليلة المقبلة ستكشف عن حقائق جديدة في الوضع الشيعي الداخلي في العراق، خاصة في ضوء صمت المجلس الأعلى على انتهاك القوات الأمريكية لحرمته المدن المقدسة، وحالة الغموض التي تكتنف موقف السيستاني المرجعية العليا لشيعة العراق، بينما تدفع الأحداث الصدر والسنة إلى التوحد؛ وهو ما يشير إلى نهاية قريبة للمعادلة برمتها في العراق، وظهور معادلة أخرى جديدة تغير الوضع بشكل كلي.

تابع في نفس الملف:


محلل سياسي مصري

42- 43- محمد شعير العراق تحت نيران الأباتشي، الأهرام 10/4/2004.
* كان الحكيم قد حذر قبل الغزو الأمريكي للعراق من مواجهة قوات الأمريكيين للمقاومة المسلحة في حالة بقائها في العراق واعتبارها حربًا ضد الإسلام، الحياة 4/4/2003
44 - الأهرام 10/4/2004.
45 - الأسبوع 12/4/2004.
46 - الأهرام 29/2/2004.
47 - الأسبوع 12/4/2004.
48 - الأهرام 10/4/2004.
** كان اتفاق سابق قد أبرم بين القوات الأمريكية والمراجع الشيعية عند دخولها لجنوب العراق نص على عدم تجاوز القوات العسكرية لدائرة قطرها 3 كيلومترات من الأماكن المقدسة في مقابل عدم وجود مقاومة مسلحة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات