English

 

الثلاثاء. يونيو. 1, 2004

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
أهم الأخبار  

شيعة العراق.. عراك في عراك

الشيعة بين الصدر وآل الحكيم

حامد محمود

مقتدى الصدر
مقتدى الصدر
عقب انهيار نظام صدام حسين ودخول قوات الاحتلال بغداد وجد العراقيون أنفسهم فجأة أمام فراغ سياسي حقيقي، مَثَّل حالة كلية من الغياب الفعلي للقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن يلوذ بها العراقيون لحمايتهم؛ فلم يجدوا أمامهم من مرجعيات ومؤسسات سوى التقليدية منها، وبخاصة الدينية والعشائرية التي لعبت دورًا ملموسًا في حفظ الأمن والنظام؛ ومن ثَمَّ فقد تدافعت القوى السياسية العراقية الموجودة بالخارج -لا سيما الشيعية- لملء هذا الفراغ، وبرز في مقدمتها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية؛ حيث بادر عبد العزيز الحكيم (نائب رئيس المجلس) بالدخول إلى العراق في أول مايو 2003 من الكويت التي أقام بها 23 عامًا؛ وكان أول أعماله الاجتماع بالحاكم العسكري الأمريكي؛ حيث يعتبر الأول همزة الوصل بين المجلس والإدارة الأمريكية.(29)

وعلى صعيد السيطرة على الشارع الشيعي تسارعت عناصر من المجلس الأعلى لدخول العراق فور سقوط بغداد؛ وبلغ قوامها ألفي مقاتل ورجل دين، ومعهم من الأموال والأسلحة والمنشورات ما يفي بغرض السيطرة على البلاد، ولا سيما المدن الشيعية الرئيسية، وفقًا خطة وضعتها قيادة الحرس الثوري الإيرانية التي تشرف على تدريبات رجال فيلق بدر -الجناح العسكري للمجلس- بشكل كامل. وسعت هذه العناصر للسيطرة على مدن كربلاء والكوفة والناصرية والعمارة، وتشكيل لجان ثورية على غرار تلك التي صاحبت قيام الثورة الخومينية، بهدف إقرار الأمن. كما استولت عناصرها على مبان كبيرة، بعضها يعود لحزب البعث في كربلاء والنجف، وعينوا حكامًا محليين تابعين في الناصرية والديوانية، وبدءوا في توزيع آلاف الدولارات على الطلبة وعلماء الدين وشبان كربلاء والنجف؛ لكي يخرجوا للشوارع ويرفعوا الهتافات المؤيدة للحكيم.

هذا بالإضافة إلى تواجد أكثر من 3 آلاف عنصر من فيلق بدر في شمال العراق(30)، بينما كان تيار الصدر يتحرك هو الآخر للسيطرة على الأوضاع في الداخل؛ حيث أنشأ مكاتب إدارية في مراكز شيعية رئيسية في البلاد، ونشر ميلشيا عناصر شيعية لحفظ الأمن والسلام، ولدفع رواتب بعض موظفي الحكومة.(31)

وقد صعدت التظاهرة الضخمة -التي شارك فيها نحو مليوني شيعي عراقي للاحتفاء بأربعينية الإمام الحسين بعد سقوط صدام- من حجم المخاوف من جانب منافسي الصدر الساعين للسيطرة على الشارع الشيعي؛ حيث واجه الصدر انتقادات من جانب أتباع السيستاني الذين يرون أنه ليس برجل دين رفيع المستوى (أي لا يحق له في الإفتاء)؛ حيث أصدر السيستاني فتوى في إبريل 2003 تنصح رجال الدين بأن يتجنبوا المشاركة في شئون إدارية وتنفيذية بالبلاد؛ كما تؤكد بوضوح أن الفتاوى الصادرة عن علماء دين أحياء هي وحدها التي ينبغي أن تتبع؛ وذلك في إشارة واضحة إلى الفتاوى الكثيرة التي أصدرها مقتدى الصدر بالاستناد لمرجعية والده الإمام الصدر.(32)

وتتخلص نظرية الصدر -التي يتبعها ابنه- في ضرورة أن يكون لرجال الدين دور فاعل في محيطهم الاجتماعي، وهو ما يراه مقتدى الصدر في إقامة دولة إسلامية على نمط إيران؛ حيث يتولى رجال الدين الشيعة الحكم؛ وذلك كما يقول أحد مساعدي الصدر؛ الشيخ كاظم العبادي الناصري: "إن طموحنا هو إقامة دولة إسلامية حيث تطبق النظرية الإسلامية بالكامل". كما قال: "إن الصدر يؤمن بحكم رجال الدين الذين ينبغي لهم أن يتدخلوا في كل مناحي المجتمع العسكرية والاقتصادية والسياسية، كما فعل آية الله الخوميني".

بل إن الزعيم الشاب يقول: "أريد أن يحكم العراق رجل دين شيعي، سواء كان عراقيًّا أو إيرانيًّا؛ وأفضل أن يحكمه شخص مثل الخوميني من أي عراقي علماني".(33)

وفي مواجهة الانتقادات التي توجه له بسبب عدم وجود مرجعية حية يستند إليها، أعلن الناصري أن الصدر تحالف مع الإمام كاظم الحائري (المرجعية العراقية) الذي يقيم في قم لمواجهة النقد من جانب السيستاني. (ويؤمن الحائري بنفس الأفكار التي دعا إليها الإمام الصدر)؛ وتشير علاقة الصدر بالحائري إلى نفوذ إيراني لدى هذا التيار، وهو ما يؤكده لقاء هاشمي رافسنجاني مع مقتدى الصدر في طهران في 9/6/2003؛ وذلك بعدما أعلن الصدر نفسه متحدثًا باسم الشيعة في الشهر السابق له؛ مايو 2003.(34)

وعلى الجانب الآخر، يرى الحكيم ضرورة تطبيق مبدأ ولاية الفقيه، كما هو في إيران ولكن على النمط العراقي، وإدخال بعض التعديلات بالإضافة لمفهوم الولاية التي يتولاها المرجع، والتي تتضمن الأمور الفقهية والتشريعية في إدارة شئون المسلمين وإقامة الحكم الإسلامي؛ وإن حاول تهدئة المخاوف بشأن ذلك بتأكيده على الرجوع للشعب في الإدارة، ونظام الحكم والمشاركة الشعبية الدستورية في العراق السياسي، ودولة المجتمع المدني.(35)

وقد سبقت عودة الحكيم إلى العراق بداية للتشاحن بين تيار الصدر والمجلس الأعلى؛ حيث أكد الشيخ كاظم العبادي الناصري -أحد مساعدي الصدر- "أن أي شخص تدعمه أمريكا يستحق لعنتنا، كما أشار إلى أن الحكيم يتصرف كما لو كان أهم زعيم في المعارضة الدينية العراقية، مشيرًا إلى أنه زعيم سياسي وليس دينيًّا، مؤكدًا أن أولئك الذين يدعون أنهم شخصيات معارضة كانوا خونة، غادروا العراق، وتركونا نعاني هنا".(36)

محمد باقر الحكيم

وينظر العراقيون إلى الأحزاب والشخصيات الوافدة على أنها عميلة ومتعاونة مع الاحتلال، وأنها جاءت على ظهر الدبابات الأمريكية؛ وكونها سهلت احتلال البلاد في حين كان الصدريون يواجهون حكم صدام حسين الدموي بالداخل.(37)ولعل ذلك هو أهم ما يميز تيار الصدر الذي يستند إلى قاعدة شعبية ضخمة، يؤكدها تصريح لعبد السلام الكبيسي، رئيس هيئة علماء السنة بالعراق الذي يثني على العلاقة بين السنة والصدر: "علاقاتنا مع شيعة الداخل لا غبار عليها، ولكن المشكلة مع الذين جاءوا من الخارج، وعاشوا بإيران وهم في مجلس الحكم ولا يمثلون الشيعة، وشكلوا جسرًا للاحتلال".(38)

ولعل مطالبة الكثير من أهالي الفلوجة بالانضمام إلى جيش المهدي بعد المواجهة مع القوات الأمريكية، تؤكد ما سبق ذكره من القاعدة العريضة لتيار مقتدى الصدر الذي تجاهلت وجوده قوى الاحتلال بشكل مثير للتساؤل.(39)

وفي الوقت الذي حاول فيه محمد باقر الحكيم إقامة نوع من التحالف مع الحوزة العلمية في النجف بزعامة السيستاني، بحيث يتحول إلى قائد سياسي مستندًا إلى مرجعية دينية؛ حيث أثنى الحكيم عقب عودته للعراق على دور السيستاني؛ وذلك لدرء أي تعارض بين آراء المرجعية وممارسات المجلس، تفاديًا للتوترات، خاصة وأن السيستاني قد اختار منذ انتقاله للعراق الابتعاد عن العمل السياسي، كما انتهج موقفًا وسطًا بشأن مبدأ ولاية الفقيه؛ حيث رفض فيه الولاية المطلقة؛ غير أن الحكيم والسيستاني أبرما اتفاقًا قبل وصول الأول للعراق، يقوم على إقرار الحكيم بمرجعية السيستاني الدينية في الوقت الذي سيترك فيه الثاني للأول المرجعية السياسية، كما أكد ذلك بيان السيستاني في لندن 14-5-2003.(40)

وقد حاول الحكيم أن يجعل من عودته للعراق مماثلة لعودة الخوميني إلى طهران الذي هبطت طائرته في المطار، قادمة من باريس لتولي زمام الأمور بعد الثورة؛ حيث أجاب الحكيم على سؤال لدى عودته للعراق حول ما إذا كان سيصبح خوميني العراق، فلم يجب سوى بابتسامة؛ وقال: "إنه ليس سوى أحد جنود الثورة الإسلامية في العراق"(41)، إلا أنه بدأ يستعد لذلك؛ حيث أراد ترك رئاسة المجلس إلى أخيه عبد العزيز الحكيم ليتفرغ هو لشئون المرجعية السياسية؛ ولعل ذلك هو ما دفع بأنصار مقتدى الصدر إلى التهكم عليه، وانتقاده لمحاولته ممارسة دور الزعامة على الشيعة.

ومما سبق يمكن القول بأنه لا تعارض بين النظرية السياسية لمقتدى الصدر وتياره، وكذا لرئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، سواء في رئاسة محمد باقر الحكيم الذي اغتيل في 30 أغسطس 2003، أو رئاسة شقيقه عبد العزيز الحكيم؛ حيث يرى كلاهما ضرورة إقامة دولة إسلامية بالعراق على النمط الإيراني. إلا أن تيار الصدر يرى أنه الأحق بتولي الحكم وتطبيق النموذج الإسلامي؛ لأنه ظل بالعراق وقاوم بطش صدام، ويستند لقاعدة شيعية ضخمة يفتقر إليها أي تنظيم آخر، خاصة مع المكانة التي يحظى بها الصدر في أوساط العراقيين، بينما يرتبط المجلس وقادته من آل الحكيم بشبكة علاقات، خاصة مع إيران وأمريكا ودول الخليج، غير أنه يفتقد إلى قاعدة شعبية كبيرة لدى العراقيين الذين ينظرون إليهم على أنهم عملاء أو خونة متعاونون مع الاحتلال.

تابع في نفس الملف:


محلل سياسي مصري

29 - التقرير الإستراتيجي الخليجي 2003، دار الخليج للصحافة والنشر، الشارقة، ص 136.
30 - الحياة، الشرق الأوسط 24/4/2003، 1/5/2003.
31 - 32 - الحياة 24/4/2003.
33 - الشرق الأوسط 11/5/2003.
34 - الأهرام 9/8/2003.
35 - صلاح النصراوي، مصدر سبق ذكره.
36- 37 - الشرق الأوسط 24/4/2003.
38- انظر تصريحات لعبد السلام الكبيسي، الحياة 23/8/2003.
39- الأسبوع 12/4/2004.
40 - صلاح النصراوي، مصدر سبق ذكره.
41 - الشرق الأوسط 11/5/2003.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات