English

 

الثلاثاء. مارس. 18, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » رواق الأفكار

 
أهم الأخبار  

السعودية.. بين مطالب الإصلاح ومخاطر التقسيم

ميساء شجاع الدين

Image
لم يعد يخفى أن العلاقات السعودية الأمريكية تشهد أزمة بعد أحداث 11 سبتمبر، أمست معها المملكة العربية السعودية مادة دائمة للهجوم في وسائل الإعلام الأمريكي، التي حمَّلت المؤسسة الدينية الوهابية مسئولية انتشار الفكر الديني المتطرف، كما طالبت الإدارة الأمريكية الحكومة السعودية بفكّ ارتباطها مع تلك المؤسسة، وهو ما يُعد أمرًا بالغ الصعوبة؛ حيث إن هذه المؤسسة تُعد أحد الأسس التي قامت عليها الدولة السعودية الثالثة، ومصدرًا لإضفاء الشرعية على النظام السعودي.

وبالمقابل فكما تسبب تحالف الملك المؤسس "عبد العزيز آل سعود" مع البريطانيين في خلاف بينه وبين المؤسسة الدينية أدى لثورتهم عام 1932؛ فقد تفجر الخلاف بينها وبين الحكومة السعودية في 1990 إثر شعورهم بالصدمة من جراء دخول القوات الأمريكية إلى السعودية -وبالأخص وجود عشرة آلاف مجندة أمريكية-؛ وهو ما دفع رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ "عبد العزيز بن محمد آل الشيخ" لإصدار أوامر للمطوعين بوقف بعض المظاهر كقيادة النساء للسيارات، إلا أنه تم فصله بأمر ملكي في 15 ديسمبر 1990. وبالرغم من إخماد الحكومة السعودية أصوات المعارضة الدينية؛ فإن هذا لم يمنع تلك الأصوات حتى الآن من معارضة الوجود الأمريكي، وطبيعة العلاقة بين المملكة والولايات المتحدة.

أكثر من ذلك.. امتدت هذه المعارضة لمعظم الأوساط الشعبية، خاصة مع تزايد تدهور العلاقات السعودية الأمريكية، وكذلك تزايد التعنت في السياسة الأمريكية بالمنطقة العربية، واتخذت المعارضة أشكالا عنيفة أحيانا كالتفجيرات التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة ضد المصالح الأجنبية، وتسببت في مقتل بعض الرعايا الأجانب، حتى وصل الأمر بالسفارة الأمريكية لأن تغلق أبوابها في شهر أكتوبر الماضي 2002. وتحسبًا لزيادة هذه الأحداث بالفترة القادمة نتيجة لضرب العراق قامت الولايات المتحدة بتحذير رعاياها داخل المملكة.

عراق ما بعد صدام

يتردد كثيرًا في وسائل الإعلام والأوساط السياسية أن "الطريق إلى التغيير في الرياض يمر عبر بغداد". وهذا ليس مستبعدًا تمامًا؛ فالضربة الأمريكية المتوقعة تحمل أهدافًا تمس السعودية بشكل مباشر، في ظل رؤية الأمريكيين الدائمة بأن المملكة صارت حليفًا غير مستقر سياسيًا يلقى معارضة شعبية واسعة بسبب تحالفه مع الولايات المتحدة، واتجاه الأخيرة للاعتماد المتزايد على قواعدها العسكرية في الدول المجاورة خاصة قطر، كما ترى أيضًا أن السعودية ضعف دورها الإقليمي، خاصة مع عدم قدرتها على الدفع كالسابق؛ وهو ما جعل الولايات المتحدة تبحث عن حليف آخر في المنطقة. ويعد العراق أفضل المرشحين لهذا الدور، خاصة مع امتلاكه مخزونًا نفطيًا كبيرًا.

هذه النوايا الأمريكية تقلق المملكة، ويضاعف قلقها شكل التغيير المحتمل للعراق؛ حيث تسعى السعودية بشكل مستمر لتحويله إلى تغيير سلمي، كما بدا واضحًا في تأييدها للمبادرة الإماراتية لتنحية الرئيس صدام حسين، وإعلان وزير خارجيتها سعود الفيصل خلال زيارته لأمريكا في يناير الماضي 2003 أن السعودية تريد موافقة الولايات المتحدة -حتى مع قيام الحرب أو إعلانها- لكي تتصرف في استثمار المجهود العسكري الأمريكي لإقناع الرئيس العراقي صدام حسين بالاستسلام والخروج؛ حيث تنشط المملكة حاليًا في التواصل مع القبائل العراقية الموجودة على حدودها، وتقدم لهم المال لكي تتحرك بعد الضربة العسكرية لإسقاط النظام العراقي دون تطور المعارك داخل بغداد، ولتضمن أيضًا مصالحها في النظام العراقي الجديد.

هذه الرغبة السعودية لتغيير النظام العراقي عن طريق انقلاب عسكري، أو الاكتفاء بضربة عسكرية جوية، تعود إلى تخوفها من نجاح التدخل العسكري الأمريكي المباشر؛ وهو ما قد يغري الأمريكيين بتكرار التجربة في السعودية.

ويزيد الأوضاع سوءًا طبيعة العلاقة بين السعودية والعراق التي عادة ما كان يعتريها الشك والقلق، ولم تتحسن إلا قليلا أثناء الحرب ضد إيران. فالسعودية هي الدولة الوحيدة المجاورة للعراق التي لا تمتلك أي نفوذ في أوساط المعارضة العراقية، بالرغم من تدخلها المبكر في الشأن العراقي بعد "عاصفة الصحراء" حين استضافت مؤتمرًا للمعارضة؛ حيث حاول الأمير تركي الفيصل واللواء محمد العتيبي فرض إرادتهما بالمال، فيما ينم عن عدم وعي بالمعارضة العراقية مع اختلاف سياساتها وأهدافها.

السعودية عادة ما تتوجس من الأطراف الرئيسية التي تشكلها المعارضة العراقية، وهي: الشيعة والأكراد والهاشميون. فقد فشلت جميع محاولاتها بالتواصل مع المعارضة الشيعية التي تعد الفصيل الأهم في تركيبة المعارضة العراقية.. فبالرغم من استقبالها للشيخ باقر الحكيم أحد قادة الشيعة فإنها لم تبقَ على تواصلها بسبب الضغط السلفي. أما أحمد الجلبي -أحد أقوى المرشحين لخلافة صدام- فقد استقبلته وأغضبته ليعلن عداءه للنظام السعودي. وأما الأكراد فالحكومة السعودية غير معنية بهم. ويفصل ما بينها وبين الهاشميين عداء تاريخي يصعب تجاوزه. إذن جميع الاحتمالات لعراق ما بعد صدام يجمع ما بينها أنها سيئة تمامًا بالنسبة للجانب السعودي.

ويضاف إلى ذلك أن تحول العراق لنظام ديمقراطي سيشعل النار في السعودية كما وصفت ذلك جريدة "نيويورك تايمز"، وقد يؤكد ذلك ما قاله أحمد الجلبي لنشرة إخبارية أمريكية: إن السعودية عرضت دعم مؤتمر لندن بالمال مقابل عدم استخدام تعبير "عراق ديمقراطي"، إلا أن ذلك قوبل بالرفض من أوساط المعارضة؛ وهو ما يُعتبر دلالة إضافية على سوء إدراك المملكة للوضع الداخلي في العراق؛ وهو ما يزيد من خطورة تداعيات الحرب المتوقعة عليها.

تقسيم المملكة

الحديث عن تقسيم المملكة قديم؛ فهي لم تقم على أساس قومي بقدر ما قامت على أساس عائلي باستعادة الأراضي التي يعتقد أن أجداد الملك عبد العزيز آل سعود كانوا يحكمونها، وكذلك أساس مذهبي بنشر الوهابية التي لا يتبناها إلا أهل نجد.

فالمملكة العربية السعودية تتكون من أربعة أقاليم رئيسية: نجد، الحجاز، المنطقة الشرقية، وإقليم عسير. فإقليم نجد هو الإقليم الداخلي الذي اعتنق الوهابية بحماس، وتعاون مع آل سعود للسيطرة على بقية المناطق بهدف نشر الوهابية؛ لتنطلق منه الدولة السعودية الثالثة. ومنذ انتقلت السلطة الدينية من إقليم الحجاز -الذي توجد فيه المقدسات الإسلامية- نجد الحجازيين يشعرون بالمرارة التي أضيف إليها السياسة التي اتبعها الملك خالد، وواصلها الملك فهد باستبعادهم من الوظائف العامة وإحلال نجديين مكانهم.

أما المنطقة الشرقية الغنية بالبترول فهي مصدر قلق دائم بسبب العداء التقليدي بين الوهابيين والشيعة الذين يشكلون غالبية سكانها؛ فبالرغم من ثراء المنطقة فإن أول مستشفى حكومي تم بناؤه في مركز تواجدهم بالقطيف كان في عام 1978. ولقد اصطدم الشيعة بقوات الأمن عام 1980 لإصرارهم على الاحتفال بذكرى عاشوراء، وتبع ذلك مطالبتهم بالانفصال بمناطقهم وإقامة جمهورية إسلامية، وأعقب تلك المناوشات زيادة الأموال التي تنفقها الدولة في هذا الإقليم، مع تشديد الإجراءات الأمنية عليهم. وفي عام 1993 حدث تطور لافت؛ حيث تمت المصالحة بينهم وبين الملك فهد الذي أطلق سراح معتقليهم، ووعد بإعادة النظر في أوضاعهم مقابل وقف مجلاتهم ومطبوعاتهم بالخارج. لكن يبدو أن السلفيين تصدوا لذلك، وانتقدوا الملك حين قام عام 1993 بتعيين قيادة شيعية في المجلس الاستشاري، وتساءلوا عن شرعية السماح لـ"مرتد شيعي" بتقديم

النصيحة للملك!

كما توجد أطراف إقليمية تشجع هذه النزاعات الانفصالية كتلك الدول التي ترى أن المملكة توسعت على حسابها، كما هو وضع الهاشميين في الأردن؛ حيث لا يزالون يتطلعون لموقعهم السابق كأشراف مكة في الحجاز، وكذلك اليمنيون الذين -بالرغم من توقيعهم معاهدة الحدود مع المملكة- لم يتوقفوا عن النظر لأقاليم عسير ونجران وجيزان كامتداد جغرافي وتاريخي لبلادهم، بالإضافة لدول الخليج الصغيرة التي تشعر بالضيق من علاقاتها مع الرياض. وهكذا فإن هذه الرغبات الداخلية بالانفصال التي يضاعفها التشدد الوهابي تتلقى وضعًا إقليميًا ودوليًا مناسبًا تمامًا.

عرائض الإصلاح المتتالية

يبدو أن خطر التقسيم ليس الهاجس الوحيد الذي يسيطر على الحكومة السعودية من جراء الضربة المتوقعة للعراق، لكن الإصلاح أيضًا صار أمرًا حتميًا في نظر الأوساط الرسمية والشعبية السعودية، وانسياقًا مع السياسة الأمريكية الداعية لإحداث تغيير سياسي جذري في المنطقة، والتي تتهم النظام السعودي بالمسؤولية عن تخريج الإرهابيين.

في هذا السياق يمكن فهم إطلاق الأمير عبد الله مبادرته للإصلاح في الوطن العربي، ومذكرة الإصلاح في المملكة السعودية التي طالبت بتطوير المشاركة السياسية. لكن هذا الخطاب لا يعد الأول في تاريخ المملكة؛ فقد سبقه مثلا خطاب العلماء عام 1991، الذي طالبوا فيه بإنشاء مجلس للشورى، وتحقيق المساواة بين المواطنين، وعدالة توزيع المال العام، وبناء جيش قوي متكامل، وسياسة خارجية بعيدة عن التحالفات المخالفة للشرع...

لكن رد فعل الحكومة على هذه المذكرة جاء قاسيًا، وشمل مصادرة جوازات سفرهم أو سجنهم، واكتفى الملك فهد في مايو 1992 ببعض التغييرات الشكلية التي تضمنت الأنظمة الثلاثة: النظام الأساسي، ونظام مجلس الشورى، ونظام المناطق. وتلا ذلك "مذكرة النصيحة" التي قدمت عام 1993، ووقّع عليها قرابة 400 شخصية، وكانت أكثر شمولية من سابقتها ومن المذكرة الحالية.

وبالرغم من أن المذكرة الحالية تُعد تكرارًا للمطالب السابقة؛ فإنها تميزت بالتشديد على فكرة الولاء للنظام، وطالبت بإنشاء مؤتمر وطني للحوار، وركزت على ضرورة انتخاب مجلس الشورى، ومساواة المرأة، بالرغم من تغيب العنصر النسائي ضمن الموقعين.

وبدا رد فعل الحكومة مختلفًا جذريًا عما سبق؛ حيث دعا الأمير عبد الله الموقعين للقائه في اليوم التالي من تقديم هذه العريضة، وقال لهم: "مطالبكم مطالبي"، وأكد أنه يدعم الإصلاحات، ووقف هدر المال العام.

وقد عارض التوقيع رجال الدين لوجود بعض الشخصيات الشيعية. أما "الحركة الإسلامية للإصلاح" المعارضة الموجودة في لندن المكونة من الشخصيات التي قدمت العرائض السابقة؛ فإنها رفضت فكرة المشاركة في المؤتمر الوطني لدراسة هذه المطالب؛ لأن الخطاب لم يوجه للشعب، أو على الأقل لم يخلُ من عبارات الولاء للنظام.

دوافع الإصلاح وموانعه

تركيز المذكرة على تدهور الخدمات العامة في المملكة، وتفاقم الدين العام إلى ما يقدره البعض بحوالي 250 مليار دولار، وانتهاك حرمة المال، والتدني الملحوظ في الدخول، وتفجر العنف.. ليس بغريب؛ فلطالما تجاهلت الحكومة السعودية مطالب الإصلاح الاجتماعي والسياسي مقابل مسارعتها للاستجابة للمطالب الاقتصادية، كما حدث عام 1988 حين قررت الحكومة لرفع ميزانيتها وضع ضريبة للمطار، وكذلك دفع مبالغ للكهرباء والمياه والمستشفيات، وغيرها من الإجراءات التي لم تلقَ قبولاً شعبيًا، وسرعان ما تراجعت عنها الدولة بعد أسبوعين فقط. لكن مع تدهور الوضع الاقتصادي وصعوبة الاستجابة لهذه المطالب الاقتصادية صار من الصعب تجاهل المطالب السياسية التي زاد من ضرورتها الضغط الأمريكي وطبيعة الأوضاع الإقليمية الراهنة.

ولكنها ليست المرة الأولى التي تقدم بها الحكومة السعودية وعودًا بالإصلاح؛ فقد حدث هذا سابقًا، إثر ثورة اليمن عام 1962، عندما وعد ولي العهد الأمير فيصل إدارة الرئيس الأمريكي كيندي بالإصلاح السياسي، وقدّم ما يسمى ببرنامج النقاط العشر، وتكرر الوعد إثر احتلال المسجد الحرام عام 1979 ليعلن الملك خالد عن عزمه على بحث إصدار قانون أساسي وإنشاء مجلس للشورى، ومجددًا يتكرر الوعد عند تولي الملك فهد الحكم عام 1982، كما يعلن عام 1992 عن بعض الإصلاحات الشكلية بعد مذكرة النصيحة.

ولذا فإن التساؤل مطروح عما سوف تنتجه هذه الوعود الجديدة بالإصلاح التي ظهرت نتيجة لضغوط داخلية وخارجية أقوى من أي فترة مضت، وليس عن قناعة جديدة آمنت بها القيادة السعودية، خاصة أن عملية الإصلاح يعيقها معارضة المؤسسة الدينية لما سوف يمس نفوذها داخل البلاد، كما ظهر خطر جديد يتهدد الإصلاح وهو الانقسام داخل الأسرة المالكة؛ لعدة أسباب يأتي الإصلاح على رأسها. وبين هذه الموانع لعملية الإصلاح وتلك الدوافع يتأرجح الإصلاح داخل السعودية بحيث لا يمكن لأحد توقع حجمه وكيفيته خاصة مع قرب الضربة العسكرية على العراق التي سوف تؤثر بشكل قاطع على هذه العملية.


 باحثة يمنية في الشؤون السياسية 

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات