|
| سلاح الجو الإسرائيلي دمر مقر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان 26 يوليو 2006
|
في وقت قامت فيه القوات الإسرائيلية بقصف مقر قوات حفظ السلام المؤقتة التابعة للأمم المتحدة وقتلت أربعة جنود، وتراجعت فيه فكرة استبدال قوات من حلف شمال الأطلسي بدلا من تلك القوات بعد فشل مؤتمر روما في التوافق على هذا الأمر، لم يبق أمام المجتمع الدولي وخاصة الإدارة الأمريكية سوى تكثيف الجهود الدبلوماسية لدعم اقتراحات سابقة لكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة تقول بإرسال قوات دولية لحفظ السلام إلى لبنان.
الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي "مايكل إيزنستادت" مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى يقدم تصورا لكيفية عمل هذه القوات بعد استعراضه للعقبات الكبيرة والمخاطر المادية المحتملة التي قد تقوض تطلعاتها للنجاح.
ورغم أن تاريخ كتابة هذا المقال سابق على قيام إسرائيل بالاعتداء على قوات الأمم المتحدة، إلا أنه ومنذ البداية يقدم الكاتب تصوره على أساس أن حزب الله والمقاومة كانا هما المسئولين عن فشل عمل هذه القوات، ومن ثم وعلى عكس الواقع يقدم تصوره على أساس أن تحد هذه القوات من قدرة حزب الله، الذي يدعي أنه يقوم بعمليات إرهابية ضد هذه القوات.
وبعيدا عن هذه الانتقادات، فإن الكاتب ربما يقدم رؤية لما ستنطوي عليه الرؤية الأمريكية بل والدولية لقوات حفظ السلام في المرحلة المقبلة، ومن ثم يكون من المفيد إلقاء الضوء على هذا المقال.
تجربة (يونيفيل)
|
|
مايكل إيزنستادت
|
تعطي تجربة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان UNIFIL -وهي القوات الدولية العاملة حاليا في جنوب لبنان- عددا من الدروس الهامة لهؤلاء الراغبين في خلق قوة جديدة تحل محلها. فقد تشكلت القوات المؤقتة في مارس 1978 في أعقاب الهجوم البحري الدامي الذي شنه عناصر من منظمة التحرير الفلسطينية التي تتخذ من لبنان مقرا لها، والاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان التي تلتها. وشكلت الأمم المتحدة القوات المؤقتة للتأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية واستعادة الأمن الدولي والتأكد من عودة سلطات الحكومة المركزية إلى جنوب لبنان، طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 425.
ويرى الكثيرون أن القوات المؤقتة فشلت خاصة في منع الهجمات على إسرائيل -التي كانت سببا في اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982- وفي منع اشتباكات أخرى كبيرة مع حزب الله في عامي 1993 و1996، إضافة إلى فشلها في منع الصراع الجاري بينهما الآن.
وهناك أسباب عديدة لهذا الفشل:
1 - جرى تنظيم تلك القوات على عجالة باعتبارها مؤقتة، بهدف الحد من تأثير الأوضاع في لبنان على تبديل الجهود الأمريكية الرامية إلى استكمال وتوسيع عملية السلام بين مصر وإسرائيل التي كانت في ذلك الوقت لا تزال هشة. ونتيجة لذلك، كانت هناك آثار سلبية متوقعة متعلقة بالشروط المرجعية والتعديلات تم تجاهلها في ظل الإسراع بنشر القوات.
2 - عملت القوات المؤقتة طبقا للمبادئ التقليدية لقوات حفظ السلام: الحياد في معاملاتها مع الهيئات المحلية (حتى الجماعات الإرهابية)، وتقيدت في استخدام القوة بأهداف حفظ السلام فقط.
3 - رغم أن قوتها وصلت أقصاها؛ 6 آلاف جندي ومراقب (ويبلغ عددها الآن 2000 جندي ومراقب)، إلا أنها افتقدت القوة البشرية اللازمة لتأمين جميع مناطق العمليات، وخلقت عدة فجوات في نشر قواتها، حيث كانت تستغل من جانب الجماعات "الإرهابية" وغيرهم ممن يريدون إفشال السلام.
إن هناك دروسًا عديدة يمكن الاستفادة منها في تجربة القوات المؤقتة لحفظ السلام. فالحصول على الشروط المرجعية والتعديلات الخاصة بالقوات الدولية منذ البداية أمر هام، حيث قد لا يكون هناك فرصة ثانية لتصحيح الأخطاء التي قد تفتك بالمهمة.
وتحتاج القوة الدولية الجديدة لأن تكون أكبر وأكثر قوة من القوات المؤقتة، وتتكون ربما من 15 إلى 20 ألف جندي ومراقب. وعليها أن تعمل في ظل قواعد اشتباك أكثر تساهلا، وعلى القيادات المخول لها تشكيل القوة الجديدة أن تضع في اعتبارها دمج بعض من الضباط السابقين المشاركين في القوة المؤقتة -أو بعض وحداتها- في القوة الجديدة، وبذلك تستفيد من معرفتهم بالجغرافيا الطبيعية والإنسانية لمناطق العمليات.
دروس مستفادة
أيضا هناك دروس مهمة يمكن الاستفادة فيها من قوات حفظ سلام أخرى في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. فمنذ قيام إسرائيل عام 1984 كانت هناك 7 عمليات حفظ سلام عربية إسرائيلية: خمسة منها رعتها الأمم المتحدة، أما الأخريان فتضمنت "تحالف عدد من القوات". وقد فشلت عمليات كل من: منظمة الإشراف على الهدنة التابعة للأمم المتحدة UNTSO، وقوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة UNEF I، ثم القوات الموجودة الآن في لبنان UNIFIL، والتواجد الدولي المؤقت في الخليل TIPH. ويرجع ذلك إلى أنه لم يتم حل مصدر النزاع القائم في هذه الحالات قبل نشر القوات، ولأنها افتقدت إلى مهام محددة وإلى المقدرة على إرساء السلام.
أما القوات التي نجحت مهامها، فهي قوات مراقبي نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة في الجولان UNDOF، والقوات المتعدد الجنسيات والمراقبين في سيناء MFO. ويعزى نجاحها إلى أنها ضمت أطرافا كانت مهتمة بحفظ السلام على حدودها المعروفة، وفي هذه الحالات كانت قوات حفظ السلام قادرة على مساعدتهم على تحقيق أهدافهم المشتركة.
وقامت الأمم المتحدة بعدة عمليات لحفظ السلام في أماكن أخرى مثل الصومال والبوسنة وكوسوفو، بينما قاد حلف الناتو عمليات حفظ سلام في البوسنة وكوسوفو. وأفرزت معظم هذه العمليات نتائج مختلطة، بالرغم من أن الغالبية يرون أن تدخل الأمم المتحدة في الصومال والبوسنة كان كارثة مطلقة.
إن النظر إلى هذه التجارب، وأخذ الدروس المستفادة منها، تجعل من يفكر في إرسال قوات سلام إلى لبنان عليه أن يأخذ في اعتباره الآتي:
1 - حققت القوات الدولية أكبر نجاح عندما كانت تشرف على ترتيبات سياسية تم التوصل إليها بالفعل، وبالمقابل لم تنجح في محاولات فرض تسوية بقوة السلاح.
2 - في الحالات التي لم يتم التوصل فيها إلى ترتيبات سياسية، واجهت القوات الدولية اختيارين؛ إما أن يتم الزج بها في صراع قائم، ويتضمن ذلك مخاطرة بالدعم الدولي لمهمتها؛ أو أن تبقى بعيدا عن الصراع ويتضمن ذلك عدم أدائها لمهمتها.
3 - التعامل مع المفسدين المحليين الذين غالبا ما تكون مصلحتهم إفساد جهود بناء السلام يستلزم احتياطيا ماديا من القوة السياسية والالتزام بالموارد العسكرية الأساسية.
4 - في عمليات فرض السلام، غالبا ما تصبح القوات الدولية جزءًا لا يتجزأ من النظام السياسي الجديد، وعنصرا هاما في منع تكرار اندلاع العنف؛ ولهذا السبب تتحول عمليات فرض السلام إلى التزام مفتوح قد يبقى لعقود.
تحديد شروط النجاح
ويرى الكاتب أن نجاح قوات حفظ السلام أو فشلها في لبنان يعتمد على عدد من العوامل هي: مناخ السياسة والعمليات العسكرية، والمهام المكلفة بها، وكيفية تسليحها وتنظيمها وقيادتها.
أولا: مناخ السياسة والعمليات: من أجل نجاح عملية حفظ السلام، يجب خلق الظروف السياسية والعسكرية الصحيحة في لبنان قبل وصول القوات، ويجب إضعاف حزب الله بشدة من الناحية العسكرية والسياسية. كما يجب أن توافق الحكومة اللبنانية (التي تضم حزب الله) على وجود هذه القوات، وإلا فسيتم النظر إليها على أنها قوات احتلال تجب مقاومتها ومحاربتها، والفشل في تحقيق هذه الشروط المسبقة والمحافظة عليها طوال فترة المهمة سيضعف احتمالات نجاح القوات بشكل كبير.
وغالبا سيخرج حزب الله من الصراع بقوات أكثر ضعفا خاصة فيما يتعلق بمقدرته على إطلاق صواريخ على إسرائيل، لكنه أيضا من المرجح أن يحتفظ بقدرته على شن حرب عصابات وممارسة أعمال إرهابية، وإذا ما توغلت إسرائيل بشكل أكبر في جنوب لبنان، سيواجه حزب الله خيارين، إما أن يواجه القوات الأرضية الإسرائيلية أو أن ينسحب إلى الشمال حيث لا تصل إليه القوات الإسرائيلية.
ونتيجة لذلك، سيبقي حزب الله على قدرته الكبيرة على مهاجمة قوات حفظ السلام، إذا ما اختار الانسحاب. لكن السؤال الرئيسي هو كيف سينهي حزب الله هذه العمليات؟.
ثانيا: المهام الرسمية: يجب أن تكون مهام قوات حفظ السلام واضحة وقابلة للتنفيذ، وربما يأتي ذلك في صورة قرار لمجلس الأمن يدعمه بيان من الجامعة العربية. وعلى الدول المشاركة في القوة أن تدرك أن مشاركتها تعني استعدادها لإلزام قواتها بخوض معارك ضد حزب الله، وأنها قد تتعرض لهجمات إرهابية، مع الأخذ في الاعتبار تجربة القوات متعددة الجنسيات في بيروت بين عامي 1982 و1984 التي تعرضت لهجمات من جانب حزب الله بدعم من سوريا وإيران.
كما أن الفشل في التعرف على هذه الاحتمالات بوضوح قد يفشل المهمة على طول الخط إذا ما ازدادت الأوضاع سوءا.
وتعتبر المهمة الأساسية للقوات هي مساعدة الحكومة اللبنانية على اتباع قرار الأمم المتحدة رقم 1559 بتأكيد انسحاب المستشارين الإيرانيين من لبنان ونزع سلاح حزب الله (وغيرها من الجماعات المسلحة في منطقة العمليات بما في ذلك المتطرفين الفلسطينيين وعناصر القاعدة) ودعم امتداد سيطرة الحكومة اللبنانية إلى الحدود اللبنانية الإسرائيلية. ويجب أن تسمح قواعد الاشتباك الخاصة بالقوات باستخدام جميع الأسلحة الفتّاكة لتحقيق مهمتها وللدفاع عن نفسها، الأمر الذي يتطلب أن يتم منذ البداية استبعاد قوانين الاشتباك القومية الخاصة بالقوات العسكرية للدول المشاركة، من أجل التأكد من فاعلية الأداء العام للقوات.
وهذا يتطلب أن تنفذ قوات حفظ السلام مهامها -كلما كان ذلك ممكنا- بالتعاون مع قوات الأمن الداخلي والقوات المسلحة اللبنانية. وبالتالي سيكون من بين المهام الطبيعية للقوات الدولية تدريب قوات الأمن والقوات المسلحة بحيث يستطيعون تحمل مسئولية تدعيم الأمن والاستقرار في لبنان.
ثالثا: هيكل القوات وقدرتها: يفترض أن تكون قوات حفظ السلام قوية بدرجة تكفي لمنع التحديات المفتوحة للقوات المسلحة اللبنانية ولسلطاتها. وقد يتطلب ذلك تشكيل قوات قوامها بين 15 و20 ألف جندي، تضم دروعا ومشاة وآخرون بمعدات آلية، ومدفعيات خفيفة، وقوات عمليات خاصة قادرة على تنفيذ عمليات مدنية وتقديم مساعدة خارجية للدفاع الداخلي وخوض المعارك (خاصة عمليات مواجهة التمرد والإرهاب). والدول المشاركة في هذه المهام بشكل ضمني هي فرنسا وتركيا وإيطاليا والبرازيل وباكستان والهند وألمانيا.
وعلاوة على ذلك، يجب أن تكون القوات قادرة على مساعدة الحكومة اللبنانية في التعامل مع تحديات إعادة الإعمار، وأن تكون بديلا عن حزب الله والقوات المؤقتة التي تعتبر المانح الرئيسي للخدمات الاجتماعية لشعب جنوب لبنان.
ويجب أن تضم مهندسين مدنيين للمساعدة في إعادة إعمار الطرقات وإصلاح شبكات الكهرباء، إضافة إلى متخصصين في الشئون المدنية لتقديم الدعم في مجال الصحة العامة والتعليم والإدارة المحلية وما شابه. ويجب أن يسمح تكليف المهام الخاص بها باستخدام القوة ضد من يحاولون التدخل في وصول سلطة الحكومة المركزية إلى منطقة عملياتها.
وهذا التوجه يملي أيضا تدعيم طاقة الوزارات الحكومية المخولة بتوصيل الخدمات الاجتماعية، ودعم جهودها المحلية في أجزاء أخرى من لبنان خاصة تلك التي كانت الأكثر تأثرا بالحرب. وقد يتطلب ذلك فرقا عسكرية متخصصة في الشئون المدنية بلحق بها فرق وزارية مساعدة ومستشارون.
ويتم نشر الهيكل الأساسي لقوات حفظ السلام الجديدة في المناطق العامة التي تنتشر فيها القوات المؤقتة الحالية بين الحدود اللبنانية الإسرائيلية وعلى نهر الليطاني لمنع أي هجمات عبر الحدود وإطلاق الصواريخ المتوسطة المدى. وقد يتم نشر دوريات متنقلة في مناطق أخرى بجنوب وسط لبنان وفي الضواحي الجنوبية للعاصمة بيروت، لدعم جهود القوات المسلحة اللبنانية الرامية إلى نزع سلاح حزب الله وغيره من الجماعات المسلحة، ولتحديد مخابئ الأسلحة الصواريخ، وللتحقيق في الحوادث الأمنية المتعلقة بتنفيذ مهمتها.
وأخيرا، يجب أن يكون هناك عنصر ربط للتنسيق بين المراقبين على معابر الحدود والمواني اللبنانية، من أجل منع إعادة تسليح حزب الله من الخارج طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 1680 وللتعاون مع الجيشين الإسرائيلي واللبناني. وسيكون هناك حاجة لتنسيق أمن الحدود مع إسرائيل بهدف تفادي حوادث النيران الصديقة في حالة إنشاء إسرائيل منطقة عازلة خالية من إطلاق النار على طول حدودها مع لبنان.
ويرى إيزنستادت أن نجاح هذه القوات سيعتمد كثيرا على كيفية انتهاء الأزمة الحالية والإستراتيجية التي سينتهجها حزب الله في أعقاب ذلك، ولهذا السبب فإنه من الحيوي أن يمارس المجتمع الدولي أقصى ضغوطه على حزب الله لإلقاء سلاحه، وأن يتم تحذير كل من حزب الله وأنصاره الإيرانيين من أن الهجوم على قوات حفظ السلام سيكون له نتائج خطيرة عليهما، وبذلك لا تصبح القوات هدفا للإرهابيين أو أصلا جديدا تهدده إيران ضمنيا حتى تثني عنها الضغوط الدولية التي تواجهها بسبب برنامجها النووي.
على أي حال، فإن رؤية الكاتب ربما تعبر عن توجه أمريكي جديد يقوم على استبدال تفكيك سلاح حزب الله عبر القوة بأهدافها المركزية، التي فشلت إسرائيل في فرضها على لبنان وحزب الله، إلى سلاح دبلوماسي جديد هو التدخل السافر في الشأن اللبناني عبر قوات الأمم المتحدة التي ستمنح سلطات لم يسبق لها مثيل، بما قد يخلق من هذه القوات دولة موازية للدولة اللبنانية ذاتها، وهو الأمر الذي تثبت تطورات الأحداث سياسيا وميدانيا صعوبة قبول كل الأطياف اللبنانية به.
محررة في نطاق الأخبار بإسلام أون لاين.نت.
باحث أول ومدير وحدة الدراسات الأمنية بمركز "واشنطن إنستيتوت".
** المقال نشر على موقع المعهد تحت عنوان: "قوات حفظ السلام الدولية في لبنان: مشكلات وتطلعات"، 24 يوليو 2006.
|