|
| د.محمد السيد سعيد |
لعلنا نبدأ بالتعاطف والتضامن التام مع أهلنا في الفلوجة وبقية المدن العراقية التي تتعرض لهجوم عسكري أمريكي عاصف تخطى كل الحواجز القانونية والأعراف الإنسانية، ويمثل استمرارا يائسا وغير ذي جدوى للغزو والعدوان الوحشي الأنجلو أمريكي على العراق.
ولعلنا أيضا نبدأ بالتعاطف والتضامن التام مع أهلنا في الفلوجة والمدن العراقية الأخرى التي خضعت لهيمنة حركات وقوى عسكرية تنكبت طريق المقاومة الحقيقية الجديرة باسم شعب عظيم وصاحب حضارة تليدة وحافل بالمواهب المبدعة في كل المجالات باستثناء وحيد وهو المواهب السياسية، حركات وقوى تقرأ من كتاب مفتوح للأخطاء التي تنصح الخبرة التاريخية والنظرية السياسية بعدم ارتكابها فتطبقها جميعا كل الوقت ومنذ بدايتها وحتى اللحظة الراهنة.
تلك الأخطاء هي الرفض التام والإدانة العمياء لمؤتمر شرم الشيخ والهجوم على دور مصر في حشده، ومحاولة الوصول به إلى نتائج إيجابية على طريق إنهاء الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق. فأولى النصائح في كتاب الأخطاء التي تتجنبها أية حركة مقاومة جديرة بهذا الاسم هي الهجوم على الجميع وخسارة تأييد أقرب الحلفاء الممكنين، ودفع المترددين دفعا للمعسكر المضاد. فحتى لو افترضنا أن مصر ودول الجوار الجغرافي تتردد في حسم موقفها لصالح المقاومة وتفضل حلا سلميا للصراع الدائر في العراق لا يمكن تجاهل أن لديها جميعا موقفا حاسما فيما يتصل بإنهاء الاحتلال وسحب القوات الأجنبية الغازية والدفع نحو حوار داخلي بناء بين جميع القوى بما فيها المقاومة العسكرية لوضع برنامج وطني يضمن إنهاء الاحتلال، ويؤسس دولة جديدة على طريق الحل الديمقراطي للمحنة السياسية العظمى والممتدة في هذا البلد المنكوب. وهذا هو بعض ما جاء في البيان الختامي وفي التفاهمات الفعلية التي سادت المؤتمر،, وعرض بشكل أوضح ولا مراء فيه في مداولات دول الجوار الجغرافي قبل يوم واحد من المؤتمر الدولي وتضمنته قرارات ثلاثة مؤتمرات متتابعة سابقة لهذه الدول.
ولكن خسارة تأييد هذه الدول وعلى رأسها مصر لأجندة إنهاء الاحتلال وضمان مستقبل سلمي للعراق لم يكن نتيجة رفض مؤتمر شرم الشيخ وحده، بل هو نتيجة جهود مستميتة من جانب تلك المقاومة لخسارة تأييد كل القوى الأخرى في العراق وعلى المستوى الإقليمي والدولي وإثارة فزعها من المستقبل المريع الذي ينتظر العراق فيما لو انتصرت هذه المقاومة. فبينما كان العالم كله يناضل من أجل إدخال الأمم المتحدة طرفا في المعادلة العراقية كطريق لضمان سحب قوات الاحتلال بدءا من تخفيف قبضتها على العملية السياسية في العراق قامت المقاومة بضرب الأمم المتحدة وقتل ممثلها المعروف برفضه التام لاستمرار الاحتلال،, وبينما كان العالم كله يحاول زيادة أعداد المنظمات الدولية الإنسانية والوظيفية والسياسية في العراق لتخفيف الويلات الإنسانية للحصار والغزو ولإيجاد بديل للهيمنة الأمريكية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي قامت المقاومة بضرب الصليب الأحمر الدولي، وطاردت كل المنظمات الأخرى بأعمال تفجير المقرات والاغتيالات والخطف، فهربت جميعها تقريبا تاركة الأمر كله بيد الأمريكيين، بل وقامت المقاومة بخطف صحفيين ينتميان للدولة التي قادت المعارضة الجذرية لمشروع الغزو والاحتلال وهي فرنسا رغم أنها تدفع ثمنا باهظا لمعارضتها هذه.
أم الأخطاء
ولكن الخطأ العملي الأعظم يقع في الداخل، حيث استهدفت المقاومة كل الشخصيات والقوى السياسية الأخرى بذريعة أنها عميلة، وعلى رأسهم شباب العراق في قوات الشرطة، فحفرت بذلك في نفس كل مواطن سؤالا غائرا يقول: إذا كانت المقاومة تقوم بكل هذا القتل للعراقيين وغير العراقيين بشتى الذرائع وهي خارج السلطة فماذا ستفعل إذا حققت الانتصار؟ وكانت تلك الذهنية ذاتها وراء المذبحة المذهلة التي قامت بها قوات الخمير الحمر بعد انتصارها في كمبوديا في السبعينيات، وأهدرت حياة ثلث السكان بذريعة أنهم عملاء. وكان ذلك أيضا هو تراث نظام صدام حسين الذي لم يتردد لحظة في قتل مئات آلاف من أكثر الناس إخلاصا للوطن فضلا عما سببه من محنة مريعة للعراق بسبب استهتاره بحسابات الحرب في الخارج. ومن هنا لا غرابة في أن تأخذ المقاومة التي تعتبر صدام حسين زعيمها الأبدي بنموذج الخمير الحمر في كمبوديا وكررت أخطاء هذا النموذج بحذافيرها.
أما الإستراتيجية العامة للمقاومة فهي بالتعبير العراقي أم الأخطاء. ويشفق المرء حتى على هذا الطراز العجيب من المقاومة وحتى لو انتصرت كيف يمكنها أن تحكم بلدا قامت باستكمال تدميرها على هذا النحو المنهجي والكامل والمطلق.
أما من الناحية السياسية فأبرز الأخطاء التي يرتكبها كل من يريد تدمير سمعته السياسية باسم المقاومة فهو أن يستهدف استعادة النظام السابق أو إنشاء نظام أسوأ منه. ولدينا بيانات وتصريحات للمقاومة أو بالأحرى لأهم تياراتها وهو التيار الذي اتخذ الفلوجة موطنا يسمي صدام حسين زعيما أبديا، وينسب له تنظيم المقاومة كإستراتيجية مقصودة بديلة للمقاومة العسكرية النظامية للغزو والتي كان ينتظرها الجميع، وتطرح تلك المقاومة استعادة النظام الوحشي السابق أو تأسيس نظام أكثر وحشية وهمجية مثل نظام طالبان. كما أن الطريق لهذا وذاك هو بكل تأكيد طريق الجماجم.
وينغرس هذا الخطأ في خطأ أشمل للمقاومة وهو الاعتقاد بأنها ظاهرة عسكرية احترافية والواقع أن المقاومة العسكرية في النظرية العامة للمقاومة هي مشروع سياسي مجتمعي، ويقتضي استمرار المقاومة كظاهرة تقدمية إحداث طفرات قوية في مستوى تماسك المجتمع، ومد الجسور بين أقسامه وجماعاته المختلفة. وغالبا ما تولد الأمم حقا في سياق حركات مقاومة خلاقة، ولا يمكن الاضطلاع بمسئوليات هذا النوع من المقاومة في العراق بدون وضع التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق في الاعتبار فإذا كانت القيادة العراقية السابقة قد عرضت العراق لأعلى مستوى دمار وتصفية شهدها أي بلد عربي باستثناء السودان،, يجب أن تحرص المقاومة على أقل قدر ممكن من الخسائر البشرية. وإذا كانت القيادة السابقة للعراق قد عرضته لأسوأ مستوى ممكن من التدهور في العلاقات بين الطوائف والقوميات الأساسية فيه يتعين على المقاومة أن تناضل من أجل استعادة ثقة القوميات والطوائف غير السنية بتواضع وروح المبادرة. وإذا كانت القيادة السابقة للعراق قد عملت على إبادة الطبقة السياسية غير البعثية بل وقسم كبير من القيادات التاريخية للبعث وعذبت الشعب العراقي عذابا شديدا سيكون المطلوب من المقاومة أن
تطرح برنامجا سياسيا أول بنوده هو المصالحة الوطنية وحكم القانون والمساواة الكاملة في المواطنة والمحافظة على روح كل عراقي. وإذا كانت القيادة العراقية السابقة قد نجحت نجاحا خارقا وبخرافة منقطعة النظير في إثارة شكوك كل دول العالم بدون استثناء ضد العراق يتحتم على المقاومة العراقية أن تستعيد ثقة المجتمع الدولي في النخبة القيادية الجديدة التي تحيط بالمقاومة، ولكن المقاومة العراقية بدلا من الاستجابة لهذه الحاجات والحتميات الموضوعية أخذت بالنموذج الكمبودي، وتصرفت مثل الخمير الحمر وأسوأ، وقد يحقق لها هذا النموذج نجاحا كاملا في إفراغ كل السكان تقريبا ونشر الرعب داخل وخارج العراق؛ ولذلك تستطيع أن تفهم لماذا مرت جرائم الحرب الأمريكية في الفلوجة دون معارضة تذكر من جانب المجتمع الدولي والإقليمي بالرغم من السخط الشديد على إدارة بوش وتجاهلها الأحمق للقانون الدولي والأعراف الدولية.
إن العالم يخشى الولايات المتحدة ويرغب في خروج قواتها على وجه السرعة من العراق، ولكنه صار بسبب تطبيق المقاومة لنموذج الخمير الحمر أشد رعبا منها هي.. ولذلك فحتى لو انتصرت تلك المقاومة مثلما انتصر الخمير الحمر في كمبوديا سيكون هذا النصر أقرب إلى المصيبة الكاملة للعراق والعالم العربي والاسلامي، وبداية لمحنة جديدة قد لا تقل سوءا عن محنة كمبوديا في ظل الخمير الحمر ولفترة طويلة للغاية بعد زوال حكمهم بفضل الغزو الفيتنامي.
يستطيع العراق أن يعيد اختراع المقاومة الخاصة به والجديرة باسمه. ويستطيع الانتصار في هذه المعركة إذا اخترع مقاومة تلهم المجتمع الدولي الرافض للإمبريالية الأمريكية. وهذا هو ما يجب أن يوصي به المثقفون والنشطاء العرب الذين لم يقوموا بدور خلاق لضمان هذه النتيجة؛ لأنهم يتحركون بمنطق الكراهية لمشروع بوش الإمبريالي بأكثر كثيرا مما يتحركون بمنطق حب العراق وشعبه العظيم.
نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
*نقلا عن جريدة "الاهرام" المصرية بتاريخ 29-11-2004
|