|
| لوجو المحكمة العالمية حول العراق
|
"إنها مبادرة شعبية عالمية ضد (جريمة الصمت) تهدف لكتابة تاريخ مضاد من أجل دعم التحركات العالمية المناهضة للحرب.. إنها مبادرة ترتكز على فضح المظالم المرتكبة ضد شعب العراق، وشعوب العالم أجمع"... بهذه العبارة وصفت الوثيقة التي وزعت في مؤتمر بيروت تلك المبادرة الشعبية لـ"المحكمة العالمية حول العراق" التي تعد -بحسب تعبير الوثيقة- "أجرأ مبادرات الحركة الإنسانية العالمية المناهضة للحرب"، والتي تعقد أعمالها الختامية في يونيو 2005 في إستانبول.. فما هي تلك المبادرة وما قصتها؟.. هذا ما نحاول أن نجيب عليه هاهنا.
برتراند راسل.. وأصل الحكاية
نبعت فكرة إقامة محكمة شعبية عالمية ضد الحرب على العراق من وحي سابقة تمت عام 1967، عندما قام المفكر والفيلسوف البريطاني برتراند راسل بالدعوة لتشكيل محكمة شعبية عالمية ضد الحرب الأمريكية على فيتنام. من وحي تلك المحكمة السابقة تواردت خواطر وأفكار الكثيرين من نشطاء حركات مناهضة الحرب في العالم لتأسيس "المحكمة العالمية حول العراق أو World Tribunal on Iraq"، وخلال مناقشات ومداولات طويلة تمت عبر عدة لقاءات عقدتها حركات مناهضة الحرب والعولمة على مدار عام 2003 في كل من برلين وجاكرتا وجنيف وباريس وكانكون تلقت الفكرة دعما مبدئيا وثقه "اتفاق سلام جاكرتا" في 25 من مايو 2003 الذي أعلن التزام تلك الحركات بتحقيق الفكرة في الواقع.
وفي مؤتمر الشبكة الأوربية للسلام وحقوق الإنسان الذي نظمته مؤسسة "برتراند راسل للسلام" في بروكسل يومي 26 و27 يونيو 2003 لقيت الفكرة مساندة عريضة ثبتت دعائمها، ومن ثم فقد اجتمعت لجنة التنسيق العالمية الخاصة بالمحكمة في إستانبول في الفترة من 27 إلى 29 أكتوبر 2003 للاتفاق على المفهوم والشكل والأهداف الخاصة بها.
من أين تنبع شرعية المحكمة؟
في 20 من مارس عام 2003 شرعت أمريكا وحلفاؤها في حربهم العدوانية على العراق رغم معارضة شعوب وحكومات العالم، ورغم ذلك فليس ثمة محكمة ولا سلطة تتقدم لتقاضي الولايات المتحدة وحلفاءها على أفعالهم تلك، لذا فإذا كانت السلطات الرسمية قد فشلت في ذلك فإن الحركات الشعبية العالمية المناهضة للحرب يمكنها أن تستمد سلطة تلك المحكمة من الأخلاقيات ومبادئ حقوق الإنسان العالمية التي يمكنها أن تتحدث إلى العالم، ومن ثم فإن الوثيقة الصادرة عن اجتماع إستانبول أسست شرعية المحكمة على النحو التالي:
-
فشل المؤسسات الدولية الرسمية في محاسبة هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم دولية خطيرة وشكلوا تهديدا مستمرا للسلام العالمي.
-
كون المبادرة جزءا من الحركة العالمية المناهضة للحرب والتي عبرت عن معارضتها للاحتلال.
-
مقاومة الشعب العراقي للاحتلال.
-
واجب كل الناس أصحاب الضمائر في فعل شيء ضد حروب العدوان، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وسائر الانتهاكات للقانون الدولي.
-
نضال البشرية في الماضي من أجل إرساء دعائم التعايش السلمي ومن أجل المنع المستقبلي للعدوان ومنع انتهاك إعلان الأمم المتحدة.
-
إعطاء الفرصة لسماع صوت الضحايا الذين لا صوت لهم، ارتكازا على مصالح المجتمع المدني التي تم التعبير عنها من خلال حركات العدالة الاجتماعية والسلام العالمية.
-
الرغبة في إعلاء مبادئ القانون الدولي.
إلام تهدف المحكمة؟
نصت وثيقة إستانبول على أن هناك أربعة أهداف رئيسية للحركة العالمية لمناهضة الحرب تقف وراء تأسيسها للمحكمة:
أولا: تكييف الوقائع حول ما حدث في العراق وإعلام الناس بالجرائم المرتكبة ضد السلام، وجرائم الحرب، والجرائم التي ارتكبت أثناء الاحتلال، وحول الأهداف الحقيقية وراء تلك الحرب وأخطار منطلق تلك الحرب على السلام العالمي. وعلى وجه الخصوص هناك أهمية بالغة لكسر شبكة الأكاذيب التي روجها تحالف الحرب وإعلامه المنغرس.
ثانيا: استمرارا في تقوية حشد حركات السلام والاحتجاجات العالمية المناهضة للحرب، فمن المستهدف ألا تكون المحكمة مجرد جهد أكاديمي، وأن تتلقى ظهيرا قويا من الشبكة العالمية لحركات السلام ومناهضة الحرب العالمية التي قادت التحركات الكبيرة الحاشدة لمعارضة الهجوم على العراق، لذا فإن تلك الحركات قد تبنت من حيث المبدأ فكرة اتهام المعتدين وإرساء دعائم حملة لدعم عملية المحكمة.
ثالثا: أن المحكمة هي عملية مستمرة، فالتحري عما حدث في العراق ذو أهمية قصوى لاستجلاء الحقيقة والحفاظ على الذاكرة الجمعية ضد إعادة كتابة التاريخ، إنها تحدٍّ لصمت المؤسسات الرسمية ووضعها تحت الضغط لدفعها للوفاء بالتزاماتها طبقا للقانون الدولي.. "إننا بمحاكمتنا للماضي القريب نهدف إلى منع الحروب غير القانونية في المستقبل"، كما أن المحكمة تسعى لإصدار توصيات للقانون الدولي لتوسيع الرؤى حول العدالة والوعي بالأخلاق السياسية، وبذلك يمكنها أن تسهم في إيجاد بدائل لعدالة المنتصرين، وإيصال أصوات ضحايا الحرب، وبفعل ذلك فإنها توفر دعما لرغبات الرأي العام العالمي والشعب العراقي في إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة.
رابعا: تسعى المحكمة لأن تكون جزءا من حركة أعرض تسعى لمنع تأسيس نظام عالمي استعماري جديد كـ"حالة استثنائية" دائمة قائمة على الحروب المستمرة كأحد أدواتها الرئيسية، إن المحكمة يمكنها أن تقوم بمقاضاة أخلاقية وسياسية وقانونية تسهم بها في بناء عالم للسلام والعدل.
تشكيل وأعمال المحكمة
ونصت الوثيقة على أن الخطة تستهدف عقد محكمة عالمية مستقلة ذات لجان تحقيق وتحر مصاحبة، وجلسات استماع وجلسات محكمة لمناقشة قضايا خاصة، وتوزع تلك الأعمال على أقطار مختلفة من العالم، على أن يتم تجميع نتائج كل تلك الأعمال في الجلسة الختامية للمحكمة، التي تعقد في إستانبول، وتضم تلك الأعمال الجلسات التالية (منها ما تم بالفعل ومنها ما ينتظر):
-
لندن -نوفمبر 2003- بالتنسيق مع حركة حقوق السلام: تحقيقات اللجنة المعنية بجرائم الحرب التي ارتكبتها قوات التحالف أثناء الحملة العسكرية والاحتلال.
-
مومباي -يناير 2004- بالتنسيق مع مؤسسة التالر : المحكمة النسائية العالمية حول جرائم الحرب الأمريكية.
-
كوبنهاجن -مارس 2004-: جلسة استماع عامة حول شرعية الحرب، وشرعية عرض ثروات وموارد العراق العامة للبيع، وشرعية الاحتفاظ بأكثر من 20 ألفا من شعب العراق رهن الاعتقال في معسكراتٍ وسجون دون أية إجراءات قانونية.
-
بروكسل -إبريل 2004-: جلسة حول مشروع القرن الأمريكي الجديد- المخطط الأيديولوجي للحرب على العراق.
-
نيويورك -مايو 2004-: جلسة حول شرعية الحرب- شرعية انتهاك القانون الدولي وقانون الأمم المتحدة- انتهاك إرادة شعوب العالم كما عبر عنها يوم 15 فبراير 2003- جرائم الحرب الأمريكية والجرائم في ظل الاحتلال.
-
اليابان- المحكمة الجنائية الدولية حول العراق: جلسات استماع على مدار العام في مدن مختلفة- وجلستا محكمة في كل من يوليو وديسمبر 2004.
-
ألمانيا: جلسات استماع في أنحاء متفرقة من ألمانيا بدأت في يونيو 2004 مع التركيز على انتهاكات القانون الدولي وتواطؤ الحكومة الألمانية، وتغطي الجلسات فترة فرض العقوبات ثم الحرب والاحتلال.
-
إستانبول -يونيو 2004-: ملتقى حول الجرائم المرتكبة ضد التراث الثقافي.
-
نيويورك- أغسطس 2004- المركز الدولي للعمل: جلسة للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية من قبل إدارتي بوش وبلير سواء في شن الحرب على العراق، أم في مأسسة الاحتلال، واستعراض نتائج الجلسات السابقة للمحكمة، والاستماع لأسر العسكريين ورافضي الخدمة العسكرية.
-
هيروشيما -أكتوبر 2004-: جلسة حول اليورانيوم المستنفد وتواطؤ الحكومة اليابانية.
-
لشبونة -خريف 2004-: جلسة تحقيق لتحديد مسئولية الحكومة البرتغالية والأطراف الأخرى في الإعداد للغزو، وخلال الغزو، وفي احتلال العراق، وذلك لتكييف الاتهام لأولئك الذين تضامنوا في ارتكاب الجرائم في حق الشعب العراقي.
-
أستوكهولم -نوفمبر 2004-: جلسة لفحص تأثير الاحتلال على المجتمع العراقي اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.
-
بيروت -ديسمبر 2004- بتنسيق التالر: المحكمة العربية حول العراق.
-
لندن -فبراير 2004- بتنسيق حركة حقوق السلام: تحقيق شعبي حول احتلال العراق عن طريق قوات التحالف.
-
روما -فبراير 2005-: جلسة حول خطايا الإعلام ضد الحقيقة والإنسانية- سياسات تشويه المعلومات.
-
جنوا -يناير 2005- (جلسة مقترحة): جلسة حول الإعلام.
-
القاهرة -فبراير 2005-: جلسة حول جرائم الحرب الأمريكية، وتواطؤ الحكومات العربية، وكبت الحركة المناهضة للحرب.
-
كوريا الجنوبية -أكتوبر/ديسمبر 2004-: محكمة جرائم حرب شعبية لكل من بوش وبلير لكل من نوه مو-هوان.
-
إستانبول -يونيو 2005- الجلسة الختامية: وهي حصيلة كل جلسات العمل والاستماع السابقة عليها، كما يتقرر فيها الخطوة التالية في التحقق من، والكشف عن نتائج ما توصلت إليه المحكمة.
القضايا والإشكاليات المطروحة على المحكمة
تتعرض المحكمة في كافة جلساتها على اتساع العالم لفحص القضايا والإشكاليات التي يمكن تصنيفها كالتالي:
-
مدى قانونية (انتهاكات القانون الدولي) وشرعية الحرب على العراق واحتلاله.
-
مدى جرم شن الحرب وممارسة الاحتلال في العراق: انتهاك القانون الإنساني الدولي وقوانين الاحتلال.
-
مدى إذناب ما يسمى بالمؤسسات الديمقراطية والقومية والدولية في التمكين من شن الحرب.
-
مدى تواطؤ وكالات الإعلام والمعلومات في كل الجرائم والانتهاكات السابق ذكرها.
-
مدى الخطورة المحتملة للمشروع السياسي والاقتصادي الكامن من وراء الحرب، والتهديدات التي تفضي إليها في المستقبل.
-
مدى شرعية ونتائج تطوير أسلحة تتسبب في القتل عبر الأجيال مثل اليورانيوم المنضب والقنابل العنقودية.
-
كخلفية تاريخية: مدى الشرعية والنتائج المترتبة على العقوبات التي فرضت على العراق والتي استمرت مدة 12 عاما.
-
دور ومسئولية "مشروع القرن الأمريكي الجديد" في ذلك العدوان، ونتائج وثائق مثل "بناء دفاعات أمريكا" و"الإستراتيجية الأمنية القومية للولايات الأمريكية" في التشجيع عليه.
-
فحص وتعرية الدور العولمي الأمريكي من حيث قانونيته وشرعيته، وخلفياته الأيديولوجية، وآثاره المستقبلية على العالم، والسياق الأوسع لنظرية "الحرب الاستباقية" و"الحرب الوقائية" وكل النتائج المترتبة على تلك المقولات: "التسلط الخيري"، و"السيطرة كاملة المدى" و"الحروب المتزامنة متعددة المسارح".
ومن الجدير بالذكر في نهاية هذا العرض حول المحكمة أن نذكر أن "إسلام أون لاين.نت" كانت قد دعت من خلال "ساحة مناهضة الحرب الأمريكية"، وتحديدا يوم 23 مارس 2003 بعد أن بدأ العدوان الأمريكي/البريطاني على العراق بثلاثة أيام فقط وقبل أن تتوارد خواطر ناشطي حركات مناهضة الحرب إلى تشكيل تلك المحكمة الشعبية العالمية، وذلك في مقال للدكتور أسامة القفاش بعنوان "حاكموا بوش وكل مجرمي الحرب الأمريكيين"، بل إنها خصصت زاوية خاصة لمتابعة الفكرة بعنوان "جريمة الحرب.. الملاحقة القانونية"، لكن الفكرة لم تلتقط على المستوى العربي بما جعل فضل السبق بتحويل تلك الفكرة للواقع يذهب إلى خارج العالم العربي.
مشرف وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أون لاين.
|