English

 

الخميس. فبراير. 24, 2005

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
أهم الأخبار  

بعد الحريري.. هل يعود لبنان مسرحا لحروب الآخرين؟ *

جهاد الخازن

الغضب الشعبي الذي تلا اغتيال الحريري .. هل تستغله أطراف خارجية لتحقيق مصالحها؟
الغضب الشعبي الذي تلا اغتيال الحريري .. هل تستغله أطراف خارجية لتحقيق مصالحها؟
كنت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كتبت في تعليق لي هذه الفقرة القصيرة: "وهذا لا ينفي وجود جهاز مارق (Rogue) نفذ العملية، وإن حدث هذا فقد تكون فرصة لإنقاذ لبنان وسوريا من الأجهزة، فلا يبقى منها إلا ما هو مبرر، وما ينفع شعبي البلدين".

ومضى أسبوع من دون أن أستبعد هذا الرأي، مع معلومات عن أن الأمريكيين تنصتوا على اتصالات هاتفية قبل الاغتيال، وهناك تسجيلات، فهم يتنصتون على العالم أجمع. غير أنني أزيد الأصوليين المتطرفين كاحتمال ثان، وإسرائيل كاحتمال ثالث، أو عميل مزدوج يجمع بين الاحتمالين الثاني والثالث، من دون أن يدري، أو مدفوعا بأجر.

أكتب عن لبنان معارضا، فمع وجود صداقات كثيرة لي في سوريا، إلا أنني في لبنان أقرب إلى المعارضة، ولا يجمعني بالحكومة الحالية سوى صداقة شخصية مع الوزير محمود حمود. وقد بت من منطلق معارضتي الشخصية أجد أسبابا كثيرة للقلق على مستقبل لبنان، والمعارضة اللبنانية تُستغل من الداخل، ومن الخارج لأهداف متباينة، حتى تكون أحيانا متناقضة.

نصف الناس الذين شيعوا الرئيس الحريري وعزوا وبكوا يحبون رفيق الحريري مثلي، ونصفهم يعارض استمرار الوجود السوري في لبنان، مثلي أيضا. غير أن النصفين ينسيان أن لسوريا في لبنان أنصارا كثيرين، وأن لكل فريق شارعا يستطيع تحريكه، كما قال السيد حسن نصر الله.

هناك أنصار لسوريا خارج أجهزة الاستخبارات ورجالها في بيروت، وخارج وجود بعض الجيش السوري في البقاع. هذا واقع لا يجوز إنكاره والانزلاق نحو مواجهة يخسر فيها لبنان. وربما زدت على ما سبق هامشا أساسيا هو ضرورة انتظار نتائج التحقيق، مع شرط أن يكون التحقيق جديا ومستقلا، ومع تفضيلي شخصيا أن يكون هناك وجود خارجي ولو كان في ذلك اعتداء على السيادة، حتى تلقى نتيجة التحقيق قبولا عاما يحسم المسئولية عن الجريمة.

إذا كان من نقطة مطمئنة في البعد اللبناني للمعارضة، فهي أنها تجمع طوائف ندر أن اجتمعت من قبل، فهناك السنّة والموارنة والدروز؛ وهو ما يرفع شبح مواجهة طائفية.

غير أن البعد الخارجي للمعارضة هو الأخطر، وهو الذي ينذر بأوخم العواقب إذا لم تبتعد المعارضة، والموالاة، عن لعب مخلب قط لجهات خارجية.

وأعرض هذه النقطة مع خلفية وبحسب تسلسلها الزمني للإيضاح.

هناك منشآت نووية إيرانية ستضربها إسرائيل إن لم تضربها الولايات المتحدة (وكان رأي الرئيس الحريري في آخر جلسة لي معه في قريطم أنها لن تضرب)، إلا أن الذي حدث قبل الضربة العسكرية أن الأمريكيين ضربوا على رأسهم في العراق؛ فنتائج الانتخابات هناك أظهرت لهم خطر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط على مصالحهم.

كان المنتصر الأكبر في الانتخابات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة وهما حليفان لإيران، حتى لو مارسا كل ما نعرف ويعرفون من "تقيّة"، وبما أنهما سيمثلان الثقل الحقيقي في أي حكومة عراقية جديدة، فإن هذه الحكومة ستكون حليفة لإيران، وبالتالي عدوة للولايات المتحدة وعدوة لإسرائيل.

عندما تضرب الولايات المتحدة، أو إسرائيل، المنشآت الإيرانية، فسيضرب حزب الله إسرائيل؛ لذلك هناك مشروع خارجي لنقل الهيجان الشعبي اللبناني الذي رافق جريمة اغتيال رفيق الحريري إلى احتقان يتبعه انفجار تستهدف فيه القوى الخارجية حزب الله؛ فالهجوم عليه سيكون مقدمة لغارات جوية شاملة على المنشآت النووية الإيرانية استباقا لرد حزب الله على هذه الغارات.

كتبت قبل يومين عن حملة وزير خارجية إسرائيل سيلفان شالوم في لندن، وكاتب ليكودي في واشنطن على حزب الله في يوم واحد. ولا أرى الحملة صدفة فعندي ملف كبير لحملات أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة على حزب الله. وما اتهام سوريا، والنار لا تزال تتصاعد من سيارات موكب الرئيس الحريري، بالمسئولية عن الجريمة سوى جزء من السيناريو الأكبر؛ فسوريا حليفة حزب الله، والاتهام وضعها في قفص الاتهام، وشغلها بالدفاع عن نفسها، لتقليص تدخلها في حال انفجار الوضع في لبنان، والدخول في مواجهة مع حزب الله تمهيدا لغارات على إيران (الرئيس بوش صعّد الحملة في خطابه الأوربي الإثنين على سوريا وإيران، إلا أنه كرر حرفيا فقرة عن مصر والسعودية وردت في خطابه عن حال الاتحاد في الثالث من هذا الشهر).

ضربة للسنة

وكان اغتيال رفيق الحريري ضربة على رأس الطائفة السنيّة في لبنان؛ فقد مثل مشروعا عمره أكثر من عقدين، وبرحيله خلت الساحة من زعيم سني يجمع أبناء طوائف أخرى؛ فالقيادات السنيّة المجربة والحكيمة شاخت، وقيادات الجيل الجديد غير مجربة. والواقع أن مع غياب رفيق الحريري لم يبق هناك زعيم يستحق لقب الزعامة في لبنان غير السيد حسن نصر الله، غير أنني لا أعرف إذا كان يستطيع احتواء الوضع المتفجر الحالي بعد أن اختلطت المعارضة الحقيقية بكل من له قضية ضد سوريا، مع بعد دولي تختلط فيه هذه المرة قضايا الانتخابات في العراق، والمنشآت النووية الإيرانية، ودور سوريا كحليف لإيران وعنصر "غير مساعد" في العراق، ثم حزب الله كحليف آخر مسلح لإيران وسوريا. في دمشق هناك إدراك لما يدبر، غير أن سوريا لن تتخلى عن حزب الله؛ لأنه ولبنان ورقتها الأهم في أي مفاوضات سلام مقبلة مع إسرائيل.

أعرف أن هذا هو الوضع الآن، غير أنني لا أعرف هل يسير الاحتقان في طريق الانفجار أو التنفيس، فإذا كانت المعلومات والاستنتاجات والتحليل قادتني إلى رسم هذه الصورة، فإنني لا أملك كرة بلورية أرى فيها المستقبل.

ومرة أخرى، المعلومات وتحليلها تقول لي إن المنشآت النووية الإيرانية ستضرب، وإن حزب الله مستهدف قبلها، ورجائي ألا يصبح لبنان مرة أخرى مسرحا لحروب الآخرين، خصوصا عبر كارثة غياب رفيق الحريري؛ فالرجل عمل لبناء الاستقلال الثاني، ولعل المعارضة تصون الاستقلال الطفل، فهذا أعظم انتصار لرفيق الحريري وذكراه.


 

**كاتب صحفي ورئيس تحرير سابق لجريدتي "الحياة" و"الشرق الأوسط"


*نقلا عن جريدة "الحياة" بتاريخ 23-2-2005

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات