English

 

الأحد. مايو. 22, 2005

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
أهم الأخبار  

بعد اغتيالات علماء السنة وإغلاق مساجدهم:

هل بدأت الحرب الطائفية في العراق.. رسميا؟

بقلم - محمد جمال عرفة

الشيخ حارث الضارى رئيس هيئة علماء المسلمين بالعراق
الشيخ حارث الضارى رئيس هيئة علماء المسلمين بالعراق
في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق بدأت تتدفق قوات كبيرة من "فيلق بدر" الشيعي التابع لمجلس الثورة الإسلامية من إيران على مدن جنوب العراق، وترددت أنباء قوية عن دخول عناصر من الاستخبارات الإيرانية أيضا لجنوب العراق لضمان موضع قدم لإيران في مستقبل العراق الجديد في ظل الحديث عن أغلبية سكانية شيعية سيكون لها الغلبة على الحكم، ومقاطعة سنية ستسهم في توطيد أقدام الشيعة والأكراد في الحكم.

ورغم سيطرة بعض العناصر التي تكره سنة العراق من هذه الفيالق الشيعية -لأنها تعتبرهم ضمن حكام العراق السابقين- على أجهزة الأمن والشرطة العراقية والجيش (قوات الدفاع الوطني) التي شكلتها قوات الاحتلال الأمريكية وأشرفت على تدريبها، ثم قيامها بمعاونة قوات الاحتلال في غاراتها على المقاومة العراقية (غالبيتها سنية والقليل منها شيعة)، واقتحام عدة مدن سنية مثل الفلوجة، وقيامها بممارسات طائفية تصل لحد اقتحام مساجد السنة والعبث بها وتعليق صور زعماء الشيعة فيها.. رغم كل ذلك فقد كان من الواضح أن هناك حرصا رسميا من جانب قادة سنة العراق، وخصوصا هيئة علماء المسلمين على عدم التطرق لهذه الأمور لعدم فتح الباب لفتنة طائفية.

وقد كشف مسئول بالهيئة أنها تلقت الكثير من شكاوى المواطنين حول ممارسات طائفية، ولكنها أبت إظهارها حرصا على الوحدة الوطنية؛ حيث تعرضت العائلات السنية في عدة قرى لـ"حملات التهجير أو الترحيل القسري التي تمارسها المليشيات الطائفية التابعة لبعض الأحزاب التي تتلقى أوامرها من وراء الحدود (يقصد إيران)". وأن هناك أيضا سجونا ومعتقلات أنشأتها هذه الأحزاب في بعض المحافظات الجنوبية، ومنها سجن الكوت في محافظة واسط الذي يوصف ببشاعته، وتشرف عليه عناصر مخابرات من دولة مجاورة، ومعتقلات في بعض الحسينيات، ومنها حسينية الإمام علي في قرية الحرية في المدائن؛ حيث يوجد محبس انفرادي فيها، وكذلك غرف مهجورة في أطراف المنطقة.

ولكن تصاعد حملة الاعتداءات مؤخرا من جانب قوات الجيش والشرطة (التي تتكون غالبيتها من الفرق العسكرية الشيعية التي عاشت في إيران، وخصوصا فيلق بدر بشكل مباشر) على مدن السنة ومساجدهم وعلمائهم؛ لدرجة اعتقال علماء في وضح النهار، وإلقاء جثثهم في صناديق القمامة ليلا، واقتحام مساجد السنة واعتقال أئمتها بصورة مستمرة.. دفع بالسنة لاتهام الشيعة في هذه الأجهزة الأمنية علنا لأول مرة بالوقوف وراء هذه الاعتداءات، والتحذير من فتنة طائفية ربما بهدف دفع قادة الشيعة للجم هؤلاء المتطرفين.

فلأول مرة منذ بداية هذه الاعتداءات التي طالت قرابة 10 من كبار علماء المسلمين قتلوا غير اعتقال آخرين وإهانتهم وتدنيس مساجد بما شجع قوات الاحتلال الأمريكية على القيام بالمثل، اتهمت القوى السنية الرئيسية بالعراق قوات "فيلق بدر" الشيعية بالوقوف وراء اغتيال أئمة مساجد السنة، وأعلنت إغلاق المساجد السنية ثلاثة أيام عقب صلاة الجمعة (20-5-2005) وحتى يوم الثلاثاء (24-5-2005)؛ "احتجاجا على انتهاك حرماتها وقتل عدد من أئمتها".

وجاءت الاتهامات من جانب القوى السنية الرئيسية بالعراق الممثلة في: "هيئة علماء المسلمين"، و"ديوان الوقف السني"، و"الحزب الإسلامي العراقي" خلال مؤتمر صحفي عقد 18-5-2005 في مسجد أم القرى مقر هيئة علماء المسلمين في بغداد، حتى إن الشيخ حارث الضاري رئيس "هيئة علماء المسلمين" اتهم علنا "قوات بدر ومن يقف وراء قوات بدر" بالمسئولية، وقال: "إن السنة لن يسكتوا.. وليعلم العالم أننا متجهون نحو كارثة، وقد أعذر من أنذر"!!.

وقال بوضوح: "إن هذه المجموعات والأحزاب مدعومة ومتسترة بستار رسمي من قوات الأمن المدعومة من قبل قوات الاحتلال ومن قبل قوى خارجية.. وهذه الأحزاب لا تعبر عن نبض الشارع العراقي بكل فئاته".

وزير الدفاع مع السنة.. والداخلية مع الشيعة

والحقيقة أن ما كشفه علماء السنة من عمليات قتل واختطاف لعلماء وأئمة المساجد ليس جديدا، وإنما هو مخطط مدروس من قوات الاحتلال ينفذه متطرفون شيعة موالون للاحتلال قبل أن يكونوا عراقيين، وهدفه عقاب السنة على رفضهم موالاة الاحتلال، واستمرار عناصرهم في المقاومة، وتكبيد الاحتلال خسائر رهيبة.

وقد أكد هذا رئيس ديوان الوقف السني العراقي الدكتور "عدنان محمد سليمان الدليمي" عندما وصف الحملة الواسعة التي تشنها السلطات الأمنية بأنها "تهدف إلى إقصاء أهل السنة من العملية السياسية القادمة"، وربط الدليمي بين أحداث الفلوجة وما يحدث اليوم؛ حيث أشار إلى أن تلك الأحداث كانت تهدف لطرد السنة من العملية الانتخابية، وأن ما يجري اليوم يهدف للحيلولة دون إشراكهم في العملية السياسية وصياغة الدستور.

وسبق أن حذر من تداعيات هذا أيضا وزير الدفاع العراقي الجديد (سني) في صورة نداء بعدم استهداف مساجد السنة أو حسينيات الشيعة، بعدما تعرضت بعض الحسينيات الشيعية لهجمات سابقة من قبل أطراف مجهولة قيل إنها من مجموعات الزرقاوي، أوقعت عشرات القتلى؛ وهو ما دفع البعض للانتقام من مساجد السنة، فيما يبدو أنه سيناريو واضح لقوات الاحتلال لخلق فتنة طائفية.

وقال وزير الدفاع سعدون الدليمي: "إن الوزارة أصدرت أمرا وزاريا يقضي بمنع أي عنصر من الجيش من انتهاك أو اقتحام أي من دور العبادة بالعراق مستقبلا سواء كانت مساجد أو حسينيات أو كنائس".

ولكن المشكلة أنه بينما يحذر وزير الدفاع من هذه الفتنة يغض وزير الداخلية العراقي (الشيعي) الطرف عن عمليات جنوده ضد السنة فيما يشبه الانتقام منهم؛ ربما لتصور أنهم وراء الهجمات على قوات الأمن والشرطة الشيعية رغم أن الهجوم عليها من قبل عناصر المقاومة -كما هو معلن- ليس لأنها "شيعية"، ولكن لأنها "موالية للاحتلال" أيا كانت هويتها الطائفية.

وكانت هيئة علماء المسلمين قد طالبت باستقالة وزيري الداخلية والدفاع العراقيين بسبب "مسئوليتهما عن الإجراءات غير الإنسانية التي قامت بها أجهزة وزارتيهما" ضد أئمة المساجد السنية والمصلين في الآونة الأخيرة، وحذرت من أن استمرار هذه الإجراءات سيقود البلاد إلى "الفتنة".

واتهمت الهيئة قوات وزارة الداخلية باعتقال الشيخ هادي علوان النعيمي عضو مجلس شورى الهيئة "قبل يومين، ثم سلمته للنيابة مقتولا، ولم يتم التعرف على جثته إلا بصعوبة من شدة التعذيب"، مشيرة إلى أنه "لا يزال الكثير من المعتقلين تحت وطأة التعذيب الوحشي في معتقلات أجهزة الأمن".

أيضا كشف الشيخ عبد السلام الكبيسي عضو هيئة علماء المسلمين عن أن قوات تابعة لوزارة الداخلية العراقية اغتالت 14 من أبناء السنة العرب في حي الشعب بعد أن اعتقلتهم من مساجد متفرقة في الحي يوم 15-5-2005، وجاء هذا في أعقاب تحذير محافظ النجف "أسعد أبو كلل" للسنة صراحة أواخر إبريل 2005، متهما إياهم بالوقوف وراء التفجيرات التي تتعرض لها المناسبات والمساجد الشيعية؛ وهو ما اعتُبر صفارة البداية للهجوم على السنة.

ضرب السنة والفتنة الطائفية لصالح الاحتلال

ويبدو أن هناك تيارين لأمريكا في مسألة التعامل مع الطائفية في العراق: (الأول) يمثله البنتاجون وهو جناح متشدد يرغب في عراق غير مستقر لتأمين المصالح الأمريكية بالمنطقة ككل، وهو بالتالي يعزز الطائفية والصراع بين السنة والشيعة، و(الثاني) جناح الخارجية المعتدل نسبيا الذي لا يحبذ الطائفية في العراق، وينظر للأمر من زاوية أن تعاظم قوة الشيعة في العراق معناه القرب من إيران وتشكيل تحالف شيعي في المنطقة يتعارض مع المصالح الأمريكية.

ولأن الجيش الأمريكي هو الذي يتحكم أكثر في الخطط الموضوعة للعراق؛ فقد ظهر أنه يفضل خيار الطائفية وضرب السنة بالشيعة؛ أملا في أن يعطل ذلك هجمات المقاومة العراقية، خصوصا أن آخر تقرير لصحيفة "تايمز" البريطانية كشف النقاب عن أن العدد الحقيقي للقتلى الأمريكيين في العراق وفق التقديرات الأولية تجاوز حتى الآن 15 ألف قتيل و25 ألف جريح.

ولذلك فالحل من وجهة النظر الأمريكية -كما يقول د. مثني حارث الضاري المتحدث باسم هيئة علماء المسلمين- هو تفتيت المقاومة، وتفتيت القوة السياسية العراقية المعارضة للاحتلال، أو ما يسمونه "إنهاء التمرد" لتهيئة المجال للعملية السياسية، وإقناع بعض الفصائل السنية للتفاوض مع الأمريكيين؛ أي أن هناك حديثًا عن "تفتيت" المعارضة والقوى الممانعة والمعارضة للاحتلال بهذه الطريقة.

وبالتالي فالخيار الطائفي لصالح الأمريكان ما دامت اللعبة في أيديهم، وهم يتصورون أن خروجهم من العراق سينتج عنه فتنة وحرب طائفية، وأن الحل هو "فرق تسد".

رسالة القيادات السنية الأخيرة بشأن اتهام قوات بدر الشيعية علنا بقتل علماء سنة، وإغلاق مساجد السنة ثلاثة أيام احتجاجا.. تبدو بالتالي رسالة واضحة للقيادات الشيعية، وعلى رأسها السيستاني، للتحرك لوقف هذه الهجمات على مساجد وعلماء السنة، وتعاوُن الطرفين لمنع اشتعال فتيل الفتنة الطائفية، ورد الفعل الشيعي الرسمي عليها سوف يحسم الكثير من الملفات أو يبرد أو يشعل الساحة.

وهي بدورها رسالة للعالم الخارجي كي تتحرك القوى الإقليمية العربية (السنية) لتحجيم التدخلات الخارجية (إيران) في شئون العراق، ورسالة تحذيرية لأمريكا والغرب، ربما تكون زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية رايس للعراق إدراكا مبكرا لفحواها؛ ولذلك طالبت بدور أكبر للسنة في الحياة السياسية.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات