English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 10, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » رواق الأفكار

 
أهم الأخبار  

بعد 11 سبتمبر.. أمريكا تتحدث مع نفسها *

سراج مسلم مفتي

ترجمة وتحرير - شيرين حامد فهمي

Image
بعد أحداث 11 سبتمبر تعالت الهتافات والنداءات في الغرب.. مطالبة -وبإصرار– بإحداث تغيير شامل في المجتمعات المسلمة، فقادت الإدارة الأمريكية المسيرة، وصبت جام غضبها على التعليم الديني في الدول المسلمة، متهمة إياه بأنه مصدر الإرهاب والعنف، وأن ما يتلقاه الطلبة المسلمون في مدارسهم من تعليمات وإرشادات دينية يخلق منهم نماذج متطرفة ومتعصبة.

والحقيقة أن هذا النداء لا يرتكز على أي تحليل موضوعي؛ إذ لا يأخذ في الاعتبار الأسباب المؤدية لهذا "العنف" أو هذا "الإرهاب" –كما يصفه المحللون والصحفيون الأمريكيون-. إننا بصدد مشكلة معضلة، ألا وهي: لماذا يستنكر الغرب المفاهيم غير الغربية، وبخاصة الإسلامية؟ لماذا ينظر إليها من علٍ؟

أمريكا تتحدث لنفسها ومع نفسها

المعضلة الأساسية تتمثل في كون الغرب مصممًا -وبشدة- على أن معاييره الثقافية معايير صحيحة مائة بالمائة؛ ومن ثم فهي لا تصلح إلا أن تكون معايير معممة ومقبولة من جميع سكان الأرض.. فيصبح لزامًا عليهم ألا يتقبلوا غيرها. إن هذا "الخطاب الفردي" الذي تقوده الولايات المتحدة حاليًا إنما هو خطاب "كوني" تتجه به إلى الجميع، متجاهلة الفروق بينهم، ومتغاضية عن الأهمية القصوى لإيجاد حوار متبادل بين الثقافات المختلفة، متناسية البحث عن "أرض وسط" للتعايش الإنساني المشترك.

وإذا عدنا إلى بداية ظهور الحركات الإسلامية فسنلاحظ -على الفور – الازدراء الواضح من جانب صانعي القرار في الغرب، ومن جانب "زبانيتهم" في الشرق. هذا الازدراء الذي كان يحمل في طياته اتهامًا صريحًا للدين، ووصفه بأنه سبب للتأخر والرجعية التي كانت سائدة في العصور الوسطى. فهم مقتنعون بأن تقدم المجتمعات الغربية -سواء سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا- إنما جاء نتيجة لإزاحة الدين عن الحياة العامة، وإبعاده من النطاق العام إلى النطاق الخاص. ومن ثم فمن المنطقي -كما يرون– أن تتبع الشعوب الأخرى المنهج نفسه حتى يتسنى لها القدر نفسه من التقدم والحداثة.

هذه الفرضية العلمانية تم تدعيمها بنجاح في النموذج الغربي؛ فصارت هي الإستراتيجية الوحيدة لتحقيق التطور والتحديث. وتبناها فريق ضخم من المفكرين، بداية من ليونارد بايندر Leonard Binder  إلى صاموئيل هانتنجتون Samuel Huntington .

وبالرغم من أن الاثنين تبنيا منهجا واحدا، فإنهما انطلقا من نقطتين مختلفتين. فبينما اعتقد بايندر في كون الإسلام عاملاً ضرورياً وأساسياً لتحقيق الحداثة في "الشرق الأوسط" -كما أدلى في عمله الإبداعي عن "الليبرالية الإسلامية"- اعتقد هانتنجتون في كون الحداثة عاملاً مؤدياً للمصير المشئوم.. ألا وهو "صدام الحضارات". ولنا أن نتوقع -بديهيًّا– أن هذا الاختلاف قد أدى بطبيعته إلى وضع بايندر في القائمة السوداء، ومن ثم شُطب اسمه من قائمة منظري الحداثة.

"الإصلاح" الإسلامي ليس بجديد

لا بد من الإشارة إلى حقيقة في منتهى الأهمية، قد تكون غائبة عن كثير من الناس، وهي أن حركة "التجديد" أو "الإصلاح" في داخل المجتمع الإسلامي قديمة، تمتد جذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر. فتأمل معنا رائدين من رواد هذه الحركة ذاع صيتهما في ذلك الوقت، هما الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده.

هذان الرائدان أيقنا بأهمية وبضرورة إحداث تغييرات جذرية في المجتمعات المسلمة، خاصة من الناحيتين الثقافية والاجتماعية. ولكنهما كانا يحرصان على ألا تتم تلك التغييرات إلا من داخل المنظور الإسلامي. وللأسف كانت محاولتهما دائماً تبوء بالفشل نتيجة "للإجهاضات" المستمرة التي كانت تمارسها النخبة الحاكمة المولعة بالحداثة الغربية، والتي كانت تستخدمها كواجهة لستر أغراضها التسلطية.

وهنا قد تتوارد إلى أذهاننا بعض التساؤلات: أليس من العجيب حقاً أن يكون دعاة "الإصلاح الغربي" في داخل المجتمعات الإسلامية هم أنفسهم المعارضين "للإصلاح الإسلامي"؟ بل أليس من الأعجب أن يكون مؤيدو الحرية والديمقراطية في الغرب هم أنفسهم المتحالفين مع حكام الشرق الديكتاتوريين.. من أجل تحقيق أهدافهم الأنانية؟

نعم "للإصلاح" على أرضية إسلامية

إن إصلاح المجتمعات المسلمة لا نجاح له بعيداً عن القواعد والأسس الإسلامية. وكذلك لا نجاح له إذا تم إجبار المسلمين عليه. فالإسلام مترسخ في عقل كل مسلم ونفسه؛ ومن ثم فأي إصلاح لا بد أن يكون معتمداً ومرتكزاً بقوة عليه. وتجارب الدول الإسلامية في فترة ما بعد الاستعمار خير شاهد على ذلك. فقد باءت بالفشل نتيجة للانفصام –الذي أحدثه المتشدقون بالغرب- بين الدين والإصلاح.

بالإضافة إلى ذلك فإنه لا فائدة من أي إصلاحات إذا تمت قسرا. بمعنى آخر: لا سبيل للإصلاح إلا من خلال اتفاق عام، يتم عن طريق الكلمة الحرة ومنبر الرأي المفتوح. وهذا ما يطالب به الإسلام في كل المعاملات.. ابتداء من البيت إلى شئون الدولة.

إن قائمة الإصلاحيين لم تتوقف عند الأفغاني ومحمد عبده؛ بل تعدت إلى شخصيات ونماذج أخرى لا تقل شأنًا: خير الدين التونسي، عبد الرحمن الكواكبي، رشيد رضا، محمد إقبال، سعيد النورسي، مالك بن نبي، علي شريعتي، إسماعيل الفاروقي.. وغيرهم كثيرون.. كلهم طالبوا بإصلاح الفرد والمجتمع من وحي الإسلام، وانطلاقاً من مبادئه.

والحقيقة أن جميع حركات الإصلاح الأساسية -التي نادت بتغييرات ثقافية جذرية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع- إنما هي مستمدة من الدين، تمشي في إطاره، وتدور في فلكه. ولا غرابة في أن نجد ماكس فيبر Max Weber  -وهو من أبرز منظري الغرب– يُرجع التغييرات الثقافية في الغرب إلى "الإصلاح الديني". ولذا فمن الأوْلى أن يقوم الشرق المسلم "بإصلاحاته"، معتمداً في ذلك على النسق الإسلامي.

ما المطلوب؟

نحن بحاجة إلى إصلاح ذاتي ومجتمعي.. نحن بحاجة إلى ضبط مفاهيم الفرد والمجتمع وإعادتهما إلى نصابهما الطبيعي.. فالإسلام يقدر الفرد، ويشجع إبداعاته، ولكنه لا يغفل مبدأ التعددية والاختلاف. فالإسلام شجع الفارابي وابن خلدون، وقدمهما على طبق من فضة إلى الغرب، لينهل منه ويتعلم. ومع دفع الفردية الإبداعية دفع الإسلام -بالخُطى نفسها- مبدأ التعددية إلى حد لم يصل إليه الغرب الحديث. تلك التعددية التي عاشت تحت ظل الخلافة الإسلامية.. حتى سقوط الدولة العثمانية؛ حيث لم تشمل فقط المجالات السياسية والدينية، بل تعدتها إلى المجالات الثقافية والقانونية. وما نراه اليوم من التوجه الديكتاتوري في دولنا الإسلامية ليس إلا نتيجة للانحدار الفكري والعقلي للمسلمين، والسماح لصعود الأنظمة المتسلطة المُدعمة من قبل الغرب.

المونولوج الأمريكي العالمي

إن المونولوج الأمريكي العالمي universalistic monologue -الذي تتبعه الإدارة الأمريكية- مبني ومؤسس على خطط إستراتيجية محكمة، تهدف إلى فرض الخطاب الأمريكي على الآخرين بالقوة؛ حيث يشعر مروجوه بكل الحق في إملاء ذلك الخطاب على الجميع.

وهذا مخالف لطبيعة الاختلافات الثقافية بين المجتمعات المتباينة.. فالمونولوج الأمريكي لا يحترم ذاتية الشعوب المختلفة، ولا يضعها في الاعتبار.. ومن ثم يلغي أي حوار ممكن بينها. ولذا فنحن بحاجة إلى تحويل هذا "المونولوج" إلى "ديالوج" (حوار) حقيقي ومتزن.. وحتى يتحقق هذا التحويل، فلا بد من تحول في طريقة الفكر.. من فكر يعتمد على القوة الجبرية وزهو بالنفس إلى فكر يعتمد على الاحتكاك الموضوعي والعقلاني مع الآخرين. ومن خلال ذلك فقط يمكن للجميع أن يشارك في وضع مقاييس تشمل وتحترم العالمين.

وفي عالم مثل عالمنا -يتصف بتعددية ثقافية مفزعة- يصير لازماً علينا تحويل الدفة من المعايير العالمية المستوحاة من مجتمع ثقافي معين (وفي هذه الحالة الولايات المتحدة) إلى معايير ذاتية مستوحاة من التبادل والاحتكاك الثقافي.

وتبقى كلمة أخيرة.. وهي أنه مع ضرورة تواجد الاتفاق بين من يعيشون تحت سقف ثقافي واحد، تتعاظم أيضًا ضرورة تواجد الحوار الثقافي المتبادَل بين المجتمعات المختلفة.. في سبيل إرساء السلام والعدل في العالم.


 أستاذ متقاعد (جامعة أريزونا).  

 


*نص المقالة الأصلي

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات