|
| هانتنجتون.. التجربة أثبتت العكس
|
عادت أطروحة "صدام الحضارات" للمفكر الأمريكي صامويل هانتنغتون إلى الأضواء بشكل سافر، وأعيد لها الاعتبار بفعل الخطاب الأيديولوجي الذي تبناه مهندسو الحملة الدولية على أفغانستان. وأصبح متاحا لهانتنغتون أن يضيف النموذج الأفغاني بلهفة إلى سلسلة النماذج التي اعتمدها في تسويغ أطروحته، وخصوصا تلك المستقاة من آسيا الوسطى والقوقاز.
وللمساعدة على قراءة واعية للتفسير الحضاري الديني الذي يقدمه هانتنغتون للعلاقات الدولية في تلك المنطقة، يقترح هذا المقال مراجعة علمية تجريبية لما جاء في أطروحته على ضوء الصراعات التي عرفتها وتعرفها منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، لعلها تقدم بعض عناصر التأمل في الحملة الحالية على أفغانستان.
نموذج هانتنغتون
يقول صامويل هانتنغتون: "يعتبر التفاعل بين الإسلام والغرب صدام حضارات؛ إذ إن المواجهة التالية ستأتي حتما من العالم الإسلامي، وستبدأ الموجة الكاسحة التي تمتد عبر الأمم الإسلامية من المغرب إلى باكستان التي تناضل من أجل نظام عالمي جديد". ويضيف في موقع آخر من مقالته الشهيرة، أن النزاع تفجر بصورة متزايدة على الحد الشمالي للإسلام بين الشعوب الأرثوذكسية والمسلمة، بما في ذلك مذبحة البوسنة وسراييفو، والعنف الجياش بين الصرب والألبان، والعلاقات الحرجة بين البلغار والأقلية التركية.
ويورد من النماذج المباشرة المتعلقة بالمنطقة موضوع البحث:
1) العنف بين الأوستيين والأنغوش (داخل القوقاز الشمالي التابع لروسيا).
2) المذبحة المتصلة المتبادلة بين الأرمن والأذربيجانيين، والعلاقات المتوترة بين الروس والمسلمين في آسيا الوسطى.
3) نشر القوات الروسية في القوقاز وآسيا الوسطى.
4) دور الدين في إحياء الهويات الإثنية وإعادة المخاوف الروسية بشأن أمن حدودها الجنوبية.
5) مساندة تركيا وإيران للأذربيجانيين أشقائهما في الدين والعنصر واللغة، حتى إن الرئيس التركي السابق تورغوت أوزال صرح- حسبما أورد هانتنغتون- بأن "تركيا ستظهر أنيابها"، وحلقت الطائرات النفاثة للسلاح الجوي التركي في رحلات استطلاعية على امتداد الحدود الأرمينية. وعلقت شحنات الأغذية والرحلات الجوية إلى أرمينيا.
وقد كانت الحكومة السوفيتية في سنواتها الأخيرة قد ساندت أذربيجان؛ لأن حكومتها كان يسيطر عليها الشيوعيون السابقون، بيد أنه مع انتهاء الاتحاد السوفيتي "أخلت الاعتبارات السياسية الساحة للاعتبارات الدينية" على حد رغم هانتنغتون، وحاربت القوات الروسية إلى جانب الأرمن المسيحيين.
نماذج عكسية
فضلا عن الثقوب المعروفة التي كشفها كثير من الباحثين، والمتمثلة في كون ذات النزاعات التي أوردها الكاتب وقعت وتقع داخل أوروبا وأمريكا، وتقع بين أبناء نفس الديانة أو نفس الحضارة والثقافة، فإن الغرض الأساسي هنا هو الإشارة- انطلاقا من نتائج الملاحظة الموضوعية- إلى نماذج عكسية حية تخالف تصور هانتنغتون أو على الأقل تسم أطروحته بعدم الشمولية وعدم الموضوعية والانتقائية.
ومن هذه النماذج:
- بخصوص ملاحظته الشمولية أن الهجمة آتية من العالم الإسلامي ومن مسلمي آسيا الوسطى والقوقاز من بينهم، فإن المشهد الدولي يعطي صورة أخرى، وهي أن الهجمة آتية من الطرف الآخر الأقوى: وأن المسلمين هم الضحايا وليسوا فاعلين كما يقدم النموذج الصربي في البلقان والنموذجان الروسي والأرمني في القوقاز.
- يشير الكاتب عن حق إلى المذبحة "المتبادلة" بين الأرمن والأذربيجانيين، والتوتر المتزايد بين الروس ومسلمي آسيا الوسطى، ولكن التدقيق في الصورة يفيد أن التوتر بين الروس والمسلمين هو أكثر منه توتر بين غالب انقطعت سطوته فجأة ومغلوب ظل خاضعا فترة من الزمان، ويريد كسب استقلاله الفعلي بعد أن حصل على الاستقلال القانوني بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي.
ومن جهة ثانية، فإن روسيا تمر بفترة تأقلم انتقالية؛ وأية توترات هنا وهناك هي بمثابة أثمان تاريخية لذلك الانتقال، وهي توترات تلعب فيها المحددات الجيوإستراتيجية أدوارا لا يمكن إنكارها. أما بخصوص المذبحة "المتبادلة"، فهي ليست "متبادلة" حقا لأن المعتدين هم الأرمن، والحل الوسط الدولي الذي تقترحه منظمة الأمن والتعاون الأوروبي يقوم على أساس انسحاب المعتدين من الشريط؛ مهما تحججوا بأوضاع أشقائهم القاطنين هناك.
- يشير الكاتب أيضا في موقع آخر إلى "وقوف تركيا وإيران إلى جانب أذربيجان". وهذا إن كان صحيحا بالنسبة للأولى، فهو ليس صحيحا بالنسبة للثانية، إذ إن إيران- الجمهورية الإسلامية- ساهمت بشكل ملموس في فك الحصار عن أرمينيا المسيحية، فكيف يفسر لنا ذلك؟ أضف إلى ذلك أن إيران الإسلامية متحالفة إستراتيجيا مع روسيا المسيحية ضد أي توتر يهز استقرار هذه الأخيرة، بما فيه ثورة الشيشان المسلمين.
- يورد أيضا مثال نشر القوات الروسية في آسيا الوسطى والقوقاز، وهو انتشار تفسره بدقة محددات جيوإستراتيجية أكثر منها محددات دينية حضارية. وهي في ذلك تنفذ نظرية إستراتيجية تسمى الجوار القريب، بقطع النظر عن ما إذا كان ذلك في طاجكستان المسلمة أو جورجيا المسيحية.
- بخصوص ما يصفه دور الدين في إحياء الهويات الإثنية.. هذا صحيح، ولكن الهويات الإثنية قد تتخذ طابعا محليا أيضا، حتى داخل البلد نفسه، كما هو شأن الشيشان، حيث تنتشر مجموعات محلية، وكذا في جورجيا وغيرها. ثم إن الدين هنا مندمج بالعامل القومي، ولا ينفصل عنه. إنه الدور التاريخي الذي يلعبه حاليا الدين في المنطقة، ولا يرتبط بأي طموح أممي أو تحالف إيراني– أصولي، كما تزعم نظرية المؤامرة المؤسسة لأطروحتي "الخطر الإسلامي" و"صدام الحضارات".
- أما بخصوص أن مساندة روسيا للأرمن هي مساندة قامت على اعتبارات دينية، وليست سياسية، فأمر يكذبه واقع أن روسيا فضلت أرمينيا لمعاقبة أذربيجان على ميولاتها الطورانية التركية على عهد أبي الفضل إلتشي بي، وهذا الأمر يفسره واقع أن روسيا تعتبر إمكانية قيام "دولة تركية كبرى" من ضمن مهددات أمنها الإستراتيجي، كما جاء في التقرير الإستراتيجي الروسي الصادر سنة 1994، والذي أشرف على إعداده بريماكوف، وإلا بماذا يمكن تفسير مساندة روسيا لاستقلال أبخازيا المسلمة عن جورجيا المسيحية؟
خلاصة تقييمية
لا نقول إن كل ما جاء في أطروحة صدام الحضارات خطأ، أو أنه لا يعتمد على نماذج صحيحة واقعية، فهناك وقائع تدعم هذه الأطروحة، حتى من داخل المنطقة موضوع البحث. ولكن كما رأينا ذلك- من خلال النماذج العكسية- فإن النماذج الواردة في الأطروحة إما أنها منتقاة بشكل تعسفي (جزئية) أو أنها غير دقيقة.
أجل إن هناك العديد من التصرفات وردود الفعل الصادرة عن المسلمين؛ ولكن هذه الشهادات لا تعدو أن تكون "ردود فعل"، أو تعبيرا عما يمكن أن يسمى "الوعي السلبي"؟ وهي موجودة في الماضي والحاضر، في مناطق مختلفة من أراضي المسلمين وفي المنطقة موضوع البحث.
ألا يمكن اعتبار تعاون إيران وروسيا دليلا على وجود وعي إيجابي لدى المسلمين ولدى نخبهم السياسية والثقافية؟ أين يمكن وضع دعوة خاتمي إلى "حوار الحضارات"؛ وهي الدعوة التي تبنتها الأمم المتحدة بصدد الإعداد لعام 2001 باعتباره عاما لحوار الحضارات؟
إننا نعتقد أن الغرب بحاجة إلى الوعي الإيجابي أيضا بالآخر الإسلامي؛ وهو ما يدعو إليه صاحب الأطروحة من باب ذر الرماد في العيون، في آخر كلمات مقاله بعد أن غمره بالنماذج السلبية والأمثلة المنتقاة غير الدقيقة (!) التي يستهدف منها خدمة نظرية القوة فقط عندما يقول: "يقتضي هذا أن يحتفظ الغرب بالقوة الاقتصادية والعسكرية والضرورية لحماية مصالحه بالنسبة لهذه الحضارات" بيد أنه سيقتضي أيضا -وهذا ما يهمنا من كلام الكاتب- "فهما أعمق للفروض الدينية والفلسفية الأساسية الكامنة وراء الحضارات الأخرى، والطريق التي ترى بها شعوب هذه الحضارات مصلحتها، وسيقتضي جهدا لتحديد عناصر المشاركة بين الحضارات الغربية وغيرها من الحضارات".
وبالنسبة للمستقبل، لن تكون هناك حضارة عالمية، بل عالم يضم حضارات مختلفة، ينبغي لكل منها أن يتعلم التعايش مع غيره. وهذا هو المأمول أن تعطي منطقة آسيا الوسطى والقوقاز نموذجا له، بالرغم من كل المصاعب والتحديات الانتقالية التي أججتها الحملة الأمريكية في أفغانستان. 
محمد براو باحث مغربي متخصص في دراسة السياسات الغربية تجاه العالم الإسلامي.
|