English

 

الاثنين. يوليو. 22, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
أهم الأخبار  

قطاع غزة والحديث عن إدارة عربية

نيفين سليمان

هيكل.. حذر من تورط مصري في غزة
هيكل.. حذر من تورط مصري في غزة
يعتبر قطاع غزة بأبعاده الجغرافية والسكانية المعروفة حالياً هو المصطلح الذي أطلقته الإدارة المصرية على الجزء الذي تبقى من قطاع غزة عام النكبة 48، فحتى ذلك العام كانت مساحة القطاع تبلغ 1111.5 كم2، ولم تكن ملكية اليهود منها تزيد على 49.26 كم2 أي ما يعادل 4.42 % فقط، ولما كانت المساحة الحالية لقطاع غزة تبلغ 365 كم2 فإن الغزوة الصهيونية تكون قد اقتطعت في عام النكبة نحو ثلثي مساحة قطاع غزة كما عرفت إبان الانتداب البريطاني.

وقد تولت مصر إدارة هذا القطاع وهو في حالة متردية، نظراً لوجود العصابات اليهودية التي لا تفتأ تقوم بأعمال النسف والتدمير هناك؛ فبادرت مصر بإنشاء إدارة مصرية هناك لإصلاح ما أتلفته هذه العصابات، وتحسين الأوضاع المعيشية لأهالي القطاع، وهي تضع نصب أعينها الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال إدارتها لهذا القطاع وتنحصر في التالي:

1- دفع العدوان الصهيوني والقضاء عليه.

2- صيانة الكيان الفلسطيني ودعمه وتحرير الأجزاء السليبة من أراضي الوطن.

3- تهيئة سكان القطاع وإعدادهم ماديًّا ومعنويًّا لمعركة المصير.

استقلال فلسطين.. مطلب مصري ثابت

وكان أول تحرك تقوم به مصر في إطار الدعوة لإنشاء هذا الكيان الفلسطيني هو التوصية التي قدمتها لمجلس الجامعة العربية في مارس 1959 من أجل العمل على إبراز الكيان الفلسطيني، وذلك عن طريق إنشاء مجلس وطني يتم انتخابه في المراكز التي يقيم بها سكان فلسطينيون، كما أكدت الخطة المصرية أن قطاع غزة الخاضع للإدارة المصرية هو جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية التي ستتم إقامتها. وإزاء عدم نجاح المسعى المصري داخل الجامعة العربية تحركت مصر بمفردها لترسيخ فكرة الكيان الفلسطيني في القطاع، ففي عام 1962 تم الإعلان عن دستور فلسطيني ينص على أن القطاع جزء لا يتجزأ من أراضي فلسطين، كما أرسى مجلس الدولة المصري قاعدة دستورية هامة تؤكد قيام الكيان الفلسطيني، إذ أوضح أن القطاع له استقلاله الذاتي من جميع النواحي: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وبالتالي لا يمكن القول بأن هذه السلطات الثلاثة فروع لأصول لها في الإقليم المصري، وإنما هي الأجهزة القائمة على إدارة الحكم في دولة ذات كيان مستقل عن كيان الجمهورية العربية حينذاك.

وعندما تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في عامي 1964-1965 وضعت مصر قطاع غزة تحت تصرف قيادة المنظمة، كما سمحت لزعيمها "أحمد الشقيري" بحرية العمل والتحرك داخل القطاع.

مصر وقطاع غزة بعد 1967

ورغم استيلاء القوات الإسرائيلية على البقية الباقية من الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة خلال حرب 1967، فإن دفاع مصر عن إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة لم يتوقف، كما حاول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إقناع قادة حركة فتح الذين بدأ الاجتماع بهم منذ عام 1968 بأن "دولة فلسطينية صغيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة في الوقت الحالي أفضل من لا شيء"، بالإضافة إلي إشارة الرئيس في أكثر من مناسبة إلى الضفة وغزة على أنهما "أراضٍ فلسطينية محتلة".

وقد ثبت الرئيس محمد أنور السادات على الموقف نفسه تجاه قطاع غزة، وأهمية قيام دولة فلسطينية تشمل كلا من الضفة والقطاع. وفي عام 1972- وكرد فعل على "مشروع المملكة العربية المتحدة" الذي أعلنه الملك حسين التي تتكون من الأردن والضفة الغربية - أعلن السادات تأييد مصر التام لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما استطاع إقناع قادة منظمة التحرير بقبول إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع كسبيل لتسوية القضية الفلسطينية.

وفي أثناء المفاوضات المصرية - الإسرائيلية من أجل التوصل إلى معاهدة سلام أصر الوفد المصري على الربط بين التقدم نحو إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، والتقدم في مسألة الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان السادات يرغب في تنفيذ خيار "غزة أولاً"، بحيث ينشأ نظام الحكم الذاتي فيها في البداية، وبعد ذلك يتم تطبيقه في الضفة الغربية، مبدياً عدة مبررات لذلك:

1- إن مصر تحظى بنفوذ كبير في غزة.

2- المشكلات المتعلقة بغزة أسهل مقارنة بمثيلاتها المتعلقة بالضفة الغربية.

3- كما أن تطبيق خيار "غزة أولاً" سيكون بمثابة تحذير للأردن، وكذلك للفلسطينيين بحيث يقال لهم: "إذا لم تنضموا سريعاً للمفاوضات فسوف تبقون حيث أنتم".

واستمر الرئيس السادات في المطالبة بإنجاز شيء ما بالنسبة للفلسطينيين على الأقل في غزة، وذلك قبل أن تكمل إسرائيل المرحلة الأولى من انسحابها من سيناء، كما ناشد السادات الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بأن تحصل مصر على مكانة خاصة في القطاع لبدء الحكم الذاتي فيها، وأن يؤتى على ذكر إمكانية البدء بقطاع غزة عند إقامة سلطة الحكم الذاتي، مضيفاً فقرة تتيح لضباط الارتباط المصريين بأن يتمركزوا في قطاع غزة، باعتبار أنه كان تحت الإدارة المصرية حتى عام 1967. بيد أن هذه المحاولات اصطدمت بالتشدد الإسرائيلي والانحياز الأمريكي، ولم تسفر عن نتائج ملموسة.

هيكل والجدل حول المسؤولية الأمنية المصرية

بعد مرور ما يقرب من 24 عاما على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فجر أحد المسؤولين الأجانب مفاجأة أثناء حواره مع الأستاذ "محمد حسنين هيكل" في لندن، حيث أشار إلي وجود تعهد مكتوب من جانب الرئيس المصري السابق أنور السادات، أثناء مفاوضات كامب ديفيد، بمشاركة أمنية مصرية في الأراضي الفلسطينية خاصة في قطاع غزة.

 وقد حذر هيكل من قيام مصر بذلك في الظروف الراهنة، عبر برنامج تلفزي فضائي علني، وهو ما أحدث ضجة واسعة على المستويين الرسمي وغير الرسمي في مصر، خاصة بعد المحاولات التي قام بها الأستاذ هيكل للتوصل إلى صدق ما جاء به هذا المسؤول الأجنبي من خلال الاتصال بكبار المفاوضين الذين شاركوا في مفاوضات كامب ديفيد، حتى استطاع التوصل إلى نص الخطاب السري الذي قام بتوجيهه الرئيس السادات إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بتاريخ 17 ديسمبر 1978، والذي يتعهد فيه السادات بتدخل مصر أمنيًّا في "المشكلة" القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

 وقد دفع إعلان هذا النص البعض إلى البحث والتدقيق، لنقرأ في عمود "صلاح منتصر" بجريدة الأهرام ردًّا على ما جاء به الأستاذ هيكل، حيث أشار إلى مضمون رسالة السادات إلى كارتر، التي نجدها لا تتعلق بأي تعهد أمني تقوم به مصر؛ حيث جاء نص الرسالة كالتالي: "إلى الرئيس كارتر من الرئيس السادات: إلحاقا بإطار السلام في الشرق الأوسط أكتب لكم هذه الرسالة لأحيطكم علماً بموقف جمهورية مصر العربية بشأن تطبيق التسوية الشاملة، إنه من أجل ضمان تنفيذ البنود المتعلقة بالضفة الغربية، ومن أجل ضمان حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فإن مصر ستكون على استعداد للاضطلاع بالدور العربي الذي تحدده هذه البنود، وذلك بعد مشاورات مع الأردن وممثلي الشعب الفلسطيني".

ولكنه أشار في بداية مقاله إلى أن هذا الخطاب أرسل بتاريخ 22 سبتمبر 1978، وهو ما يختلف عن تاريخ الخطاب الذي يتحدث عنه الأستاذ هيكل والذي وصفه بأنه سري، حيث لم يتم الحصول عليه من الأوراق المصرية الخاصة بكامب ديفيد، وإنما من الأوراق الأمريكية. وقد برر ذلك بأن السادات ربما لم يكن يطمئن للمسؤولين الذين كانوا حوله وكان على خلاف معهم منذ البداية، لذا لم يتم تسجيل هذا الاتفاق في الأوراق المصرية، بينما يؤكد صلاح منتصر في عموده أن مضمون الخطاب ليس سرياً وإنما هو موجود ضمن الوثائق الخاصة بالاتفاقيات التي وقعتها مصر، والمتاحة لأي شخص.

الموقف نفسه أكده الدكتور مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق، مهندس العلاقات المصرية- الإسرائيلية، حيث أشار إلى عدم وجود أي اتفاقيات سرية على الإطلاق، ولكن يبدو أنه أيضا يتحدث عن خطاب 22 سبتمبر، وليس عن خطاب 17 ديسمبر، خاصة أنه قد أشار إلى الفقرة الأخيرة من الخطاب التي يذكر فيها الرئيس جملة "أن الحكومة سوف تستشير الأردن والفلسطينيين"، وهي الفقرة التي قد تنير لنا الطريق، فمن المعروف أن الأردن -وكذلك الفلسطينيون- قد رفضوا الاتفاقية، ولذا لم يعد لهذا الخطاب أي أهمية.

وهنا يقول هيكل: إنه نتيجة لذلك طلب كارتر من الرئيس السادات أن يحدد الجهة المنوطة بأداء هذا الدور، فما كان من الرئيس السادات سوى أن يوجه خطاب 17 ديسمبر الذي ينص على أنه إذا لم تدخل الأطراف العربية لأداء دور في حفظ الأمن بالضفة والقطاع في ظروف تسوية، فإن الحكومة المصرية سوف تكون على استعداد للقيام بمهام أمنية، وبالتالي فإن كلا الطرفين على صواب؛ وهو ما أدى بالبعض إلى الشعور بالقلق أمام هذا التعهد.

مهمة الاستخبارات المصرية

وقد ازداد هذا القلق مع زيارة عمر سليمان -رئيس الاستخبارات المصرية- لفلسطين مؤخرا، التي تأكد اضطلاع مصر بدور أمني ما هناك، وإلا فلماذا رئيس المخابرات بالذات، خاصة أن القيام بدور أمني لا يكون في صورة إرسال قوات بالضرورة؟!

وقد تضمن تقرير رئيس الاستخبارات عن هذه الزيارة ردا على هذه المخاوف بأن الدور الذي تقوم به الاستخبارات أو الذي يمكنها القيام به لا يقتصر فقط على النواحي الأمنية، ولكن يمكن أن يشمل مهام سياسية ودبلوماسية، وكانت زيارة عمر سليمان رسالة تحوي العديد من الدلالات:

1- تتضمن موقفاً مصرياً أرادت القاهرة إبلاغه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع والخارجية تحذر فيه من مغبة التطورات الراهنة.

2- تتضمن رفضاً مصرياً لأي تصعيد عسكري باتجاه الحدود مع مصر.

3- تعني أن مصر لن تكون بعيدة عن التطورات الجارية بشأن الموقف من الرئيس عرفات، سواء قرر أن يرشح نفسه في الانتخابات القادمة أم لا.

كما ترى أن قرار الرئيس مبارك إيفاد رئيس المخابرات المصري جاء في أعقاب تكرار إيفاد رئيس الوزراء الإسرائيلي رئيس مخابراته إلى مصر، وهو ما يجعلنا نقول بأن أجهزة المخابرات في العالم الآن هي التي تتصدى للعمل السياسي، خاصة مع العلم أن من يدير أزمة الشرق الأوسط الآن هو جورج تينيت رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

ومع تأكيد السيد الرئيس محمد حسني مبارك أنه لا يمكن أن يوافق مطلقاً على أن تقوم قوات مصرية بمهام أمن هناك في الأراضي الفلسطينية، يتضح لنا أنه حتى وإن ثبتت صحة ما تردد عن خطاب السادات إلى الرئيس كارتر فلن يجد له حيزا من التنفيذ على أرض الواقع، خاصة مع انتفاء وجود أي وثيقة رسمية في الأوراق المصرية تثبته.

خلاصة وتقويم

إن انشغال الدبلوماسية المصرية الدائم بقضية فلسطين وقطاع غزة خاصة يكشف عن أنه كان نابعاً من قناعة وإيمان وضرورة: فالقناعة بعدالة القضية، والإيمان بالانتماء لأمه عربية واحدة، والضرورة ترتبط بالأمن الوطني المصري الذي هو امتداد للأمن القومي العربي، حتى إن هذا القطاع خضع أكثر من مرة للحكم المصري، كما ساهمت هذه الأهمية في توثيق الروابط بين مصر وغزة على المستوى الشعبي والاقتصادي.

وفي المرحلة الراهنة بدأت تعلو صيحات تطالب بعودة الإدارة العربية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة في حالة حدوث فراغ في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي الإدارة التي يتطلبها بإلحاح الوضع المتردي في هذه البقعة من العالم، خاصة بعد التصعيد الإسرائيلي الأخير لأعمال العدوان والاحتلال، وتدمير السلطة الفلسطينية، وما سببه ذلك من معاناة قاسية للشعب الفلسطيني.

 بيد أن الحديث عن ضرورة وجود إدارة عربية في الأراضي الفلسطينية مرفوض شكلاً وموضوعاً، لأن مبررات تكراره انتفت، فقد أصبح للشعب الفلسطيني مؤسساته وقياداته السياسية وقدراته على الاختيار فيما بين هذه القيادات والالتفاف حول القيادة القادرة علي تحقيق مصالحه، ولذا فإن وجدت الدولة العربية التي تقبل القيام بهذا الدور فلن نجد من الشعب الفلسطيني إلا الرفض الشديد لذلك، طالما أنه يجد في نفسه من القوة ما يجعله قادرا على القيام بهذا، فهل يمكننا بعد ذلك الحديث عن إدارة عربية في أراض فلسطينية؟!


باحثة في الشؤون السياسية- القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات