English

 

الخميس. سبتمبر. 22, 2005

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
أهم الأخبار  

لصوص بغداد الجدد *

عبد الباري عطوان

حازم الشعلان وزير الدفاع العراقي السابق
حازم الشعلان وزير الدفاع العراقي السابق
بدأ السحر ينقلب على السحرة في العراق، فبعد انفجار الحرب الأهلية الطائفية، وفشل العملية السياسية المدعومة أمريكيا، وانسداد كل الآفاق أمام الدستور، باتت الكتابة واضحة على الحائط، وأصبحت كل هذه المقدمات تقود إلى نهاية مأساوية بكل المقاييس للاحتلال، والذين تعربشوا بمشاريعه تحت ذريعة إقامة العراق الجديد.

4 تطورات فاصلة

أربعة تطورات رئيسية فاصلة وقعت أمس يمكن أن تؤكد كل ما يسبق، نعرضها بإيجاز شديد:

أولا: الكشف عن أكبر واقعة فساد في تاريخ العراق، وربما المنطقة العربية بأسرها. حيث من المتوقع أن تصدر السلطات العراقية خلال أيام أمرا بالقبض على السيد حازم الشعلان، وزير الدفاع العراقي السابق، بتهمة اختفاء ملياري دولار أو أكثر من ميزانية وزارته فيما وصفه رئيس المفوضية العامة للنزاهة بأكبر عملية سرقة في العالم.

وهذه السرقة وقعت في وزارة واحدة فقط، ولن يكون مفاجئا إذا ما تم اكتشاف كم هي سرقة متواضعة بالمقارنة مع السرقات في الوزارات الأخرى، وخاصة النفط والداخلية.

ثانيا: تراجع الدعم الأمريكي الشعبي للحرب في العراق، وانخفاض شعبية الرئيس جورج بوش إلى أقل من خمسة وثلاثين في المائة. وخروج الرئيس السابق بيل كلينتون عن كل الأعراف والتقاليد المتبعة وتوجيهه انتقادات لاذعة للرئيس بوش والحرب على العراق، وقوله إن الحكومة الأمريكية تقترض من الصين والسعودية وأوربا لتمول هذه الحرب، وهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تخوض إمبراطورية عظمى حربا دون أن تملك أموالا تغطي تكاليفها، الأمر الذي سيؤدي إلى إفلاس الولايات المتحدة في نهاية المطاف وانهيار اقتصادها!

ثالثا: طالب أساقفة الكنيسة الإنجليكانية في بريطانيا أمس أن يعتذر القادة المسيحيون للمسلمين عن حرب العراق تصحيحا للخطأ الذي ارتكبته الحكومة البريطانية. وقال بيان لهؤلاء الأساقفة إن الحرب غير عادلة في العراق، وشُنت لأسباب تتعلق بالمصالح الأمريكية الداخلية أكثر من ارتباطها بمصلحة الشعب العراقي. واقترح أنه إذا كانت الحكومة البريطانية ترفض تقديم الاعتذار، فإن على أساقفة الكنائس المسيحية تقديمه للمسلمين، مثلما فعل الفاتيكان الذي اعتذر عن الاضطهاد بحق اليهود.

رابعا: دعا مينزيس كامبل وزير الخارجية في حزب الأحرار المعارض، أمس إلى سحب القوات البريطانية من العراق لإنقاذ أرواح الجنود بعد أن وصلت الهجمات إلى البصرة التي ظلت منطقة آمنة بالنسبة إلى القوات البريطانية، كما حذر مسئول عسكري بريطاني يوم أمس الأول بأن العراق سيتحول بشكل سريع إلى فيتنام بريطانية.

لماذا لا يعتذر كل من سرق بغداد؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها بعد عرض هذه الوقائع الأربع، أولها هو عن صمت الذين تحدثوا عن قسائم النفط واعتبروها خطيئة الخطايا، وتأكيداتهم الدائمة بأن عراقهم الجديد سيكون أكثر بياضا من البياض نفسه؟!

ثم لماذا تتحلى الكنائس المسيحية بكل أنواع الشجاعة الأدبية والأخلاقية وتعلن عزمها الاعتذار للمسلمين عن جرائم حكوماتها، بينما لا يعتذر لصوص العراق الجديد عن سرقاتهم وجرائمهم في حق العراقيين والعقيدة الإسلامية السمحاء.

لماذا لا تعتذر الحكومات العربية التي سهلت غزو العراق واحتلاله، سواء بفتح أراضيها وأجوائها لقوات الغزو، أو المشاركة في حملات التضليل والتشويه لكل الشرفاء الذين عارضوا هذا العدوان، وحذروا من تحويل العراق إلى دولة فاشلة وساحة للحروب الطائفية؟

نعم نطالب كل هؤلاء الذين دعموا لصوص العراق الجديد وفتحوا لهم المنابر وتطاولوا على كل من يتمسك بعروبة العراق ووحدته، وساهموا بقتل مائة ألف عراقي ومئات الآلاف من الجرحى، نطالبهم ليس فقط بالاعتذار، وإنما بالتعويض عن كل شهيد وجريح سقط من جراء عدوانهم هذا، وكل بيت دُمر تحت القصف، وكل برميل بترول جرت سرقته.

نطالبهم بالتعويض والاعتذار عن تجويع العراقيين، وحرمانهم من الأمن والكهرباء والماء، والطبابة والتعليم، والعيش في حال من الرعب الدائم، وتفتيت بلادهم إلى كنتونات، وشعبهم إلى طوائف وأعراق. نطالبهم بالتعويض والاعتذار عن سرقة ماضيهم وتراثهم، وتدمير حاضرهم، ومصادرة مستقبلهم.

المسرحية انفضحت، مثلما تعرى كل المشاركين فيها أمام العراقيين والعالم بأسره، فالعراق لم يعد مصدرا للديمقراطية إلى جيرانه، وإنما الفوضى والعنف والإرهاب.

والحريات الإعلامية التي مجدوها وتباهوا بها ثبت أنها حريات لسب الشرفاء فقط، والتستر على اللصوص والمشاريع الطائفية والتقسيمية.

لم نتوقع أن تظهر كل هذه الفضائح والسرقات في أقل من عامين، لم نكن نتخيل أن الذين قدموا أنفسهم على أنهم فرسان الإنقاذ للعراق وشعبه هم الذين سيقودون العراق وشعبه إلى هذه الكارثة غير المسبوقة في التاريخ، وسينهبون البلاد وثرواتها في وضح النهار.

العراق الجديد بات وصمة عار تلطخ كل من تورط في مشروعه، وتحول إلى أداة في يد الاحتلال الأجنبي، يتلذذ في قتل مواطنيه وتدمير مدنه وسرقة قوت الفقراء والمعدمين الذين أنهكهم الحصار قبل أن تقتلهم القوات الأمريكية!.

هؤلاء هم الذين يستحقون المثول أمام المحاكمات لنيل الجزاء الذي يستحقون عن كل جرائمهم وسرقاتهم. فإذا كان هؤلاء ارتكبوا كل هذه الآثام في أقل من عامين، ترى كيف سيكون حال البلاد لو حكموا عشر أو عشرين سنة؟!

طالع: العراق.. الدولة الغنيمة 

 اقرأ أيضًا:


رئيس تحرير صحيفة القدس العربي.

*مقال نشر بصحيفة القدس العربي، 20/9/2005.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات