English

 

الخميس. أكتوبر. 13, 2005

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
أهم الأخبار  

مصالحة الجامعة العربية في العراق.. لصالح من؟

محمد جمال عرفة

الأمين العام للجامعة العربية يحذر من حرب أهلية بالعراق
الأمين العام للجامعة العربية يحذر من حرب أهلية بالعراق
في اجتماعها بجدة يوم 3-10-2005 قررت اللجنة الوزارية العربية حول العراق إيفاد الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى "في أقرب وقت" إلى بلاد الرافدين للقاء "مختلف الفعاليات والأطراف العراقية شمالا وجنوبا" بهدف التحضير لمؤتمر مصالحة وطنية عراقية شاملة. تزامن هذا مع تحذير موسى من إمكانية اندلاع حرب أهلية وشيكة في العراق وتأكيده أن المصادقة على الدستور العراقي خلال استفتاء 15 أكتوبر الجاري لن تكفي وحدها لتسوية كافة مشاكل العراق.

وقد أثار تدخل الجامعة العربية -بعد طول تردد بسبب الخشية من أن يفسر التدخل على أنه اعتراف بحكومة العراق الموالية للاحتلال الأمريكي ومن ثم الإقرار بالغزو- تساؤلات حول التوقيت والمغزى، وإمكانية نجاح هذه الوساطة بين فريقين متعارضين تماما، والتداعيات التي يمكن أن تترتب على هذا، وعلاقة واشنطن بهذه المبادرة العربية التي سبق أن ألح عليها الرئيس بوش.

ومع بداية التحرك بقيام وفد من الجامعة العربية بزيارة بغداد وعقد لقاءات مع بعض قادة الكتل السياسية العراقية وأعضاء من الحكومة والجمعية الوطنية تعرضت الجامعة العربية لهجوم مزدوج: من أركان الحكومة العراقية، ومن القوى والأطراف العراقية الأخرى خصوصا المقاومة العراقية لتدخل الجامعة العربية في هذا التوقيت.

فريق اتهم الجامعة بالتأخر عن التدخل لحين تدهور الأحوال ويمثله حكومة العراق الحالية، وفريق آخر اعتبر تدخل الجامعة جاء بإيعاز مباشر من واشنطن لوقف المقاومة العراقية ولتوفير أجواء تسمح بخروج القوات الأمريكية من العراق في نهاية الأمر، ووصف تدخل الجامعة بأنه مصيدة أمريكية.

لماذا الآن؟

وبشكل عام يبدو أن تدخل الجامعة العربية جاء بعد عدة تطورات، أبرزها:

- التحذيرات العربية المتكررة من تزايد النفوذ الشيعي والإيراني في العراق، وتحول العراق تدريجيا إلى دويلات مذهبية مقسمة، وهو ما سيؤثر على دول الجوار. وقد بدأ هذا بتحذير أردني من "محور شيعي" وانتهى بتحذير سعودي من "التدخلات الإيرانية" كان سببا في حرب كلامية بين السعودية والعراق، وقبول عربي عام بفكرة أن الوقت قد حان للتدخل الآن.

- وضوح ملامح الصورة في العراق في شكل انقسام سني/شيعي حاد، ودستور يسلخ العراق من الهوية العربية، واتجاه العراق مستقبلا للتفكك.

- ظهور بوادر تلميحات أمريكية بالانسحاب من العراق أو وضع جدول زمني نتيجة تصاعد الغضب الداخلي في أمريكا على الحرب -وهو كان شرطا قديما للجامعة وضعته للتدخل- وهو ما يعني خلو الساحة بشكل يتطلب تدخل الجامعة لملء الفراغ ولعب دور ما في تلطيف أجواء الانقسامات وتعزيز خيار الوحدة.

- هناك قلق أمريكي وعربي واضح من تحول العراق إلى مركز لعمليات تنظيم القاعدة بالمنطقة، واعتقاد جازم بأن هذا التيار الجهادي المتمركز هناك سوف ينتقل عاجلا أو آجلا لبقية الدول العربية المجاورة إن لم يكن بدأ بالفعل كما تجزم تقارير أمريكية. ومن ثم الحاجة للتدخل لتسوية المشكلة ونزع فتيل الحرب هناك بما يسمح بتفكيك مركز القاعدة هناك في نهاية الأمر.

- تفهم دول الجامعة لحاجة العرب السنة في العراق لتدخل الجامعة في العراق الآن لإعادة التوازن إلى اللعبة السياسية في ظل المساندة الإيرانية لشيعة العراق، والاتجاه الانفصالي لبعض القوى الكردية.

مشاكل المصالحة الشاملة

الناطق باسم الحكومة العراقية يعلن أن بلاده لا تحتاج مؤتمرًا للمصالحة الوطنية

واللافت هنا أن كل أطراف الأزمة العراقية يرفضون هذه المصالحة لأسباب مختلفة، كما أن مسألة جمع كافة ألوان الطيف السياسي والعسكري في العراق لحضور مؤتمر للمصالحة هو أمر مستبعد، على الأقل من جانب المقاومة العراقية المسلحة وخاصة فرع مجاهدي القاعدة الذين يتلخص هدفهم -كما يقول مصدر عراقي- في قتل الأمريكان حتى لو وقع في التفجيرات ضحايا عراقيين، ويرفضون الجلوس مع "أعوان الأمريكان" كما يسمونهم.

والحكومة العراقية وأطراف شيعية وكردية متشددة ترفض من الأصل أي وجود للعرب أو الجامعة العربية على أرض العراق، ويرغبون في الانسلاخ تماما عن الجامعة العربية وهو ما وضح في نص الدستور العراقي المؤقت الذي تعدل عدة مرات وانتهى لرفض اعتبار العراق دولة عربية صراحة. وبالمقابل تتهم فرق في المقاومة العراقية الجامعة العربية بأنها أصبحت -عبر أطراف عربية فاعلة- أداة في يد الأمريكان يسعون لاستخدامها في إنهاء المقاومة بدعوى إنقاذ العراق مما هو فيه، ويحذرون الجامعة من مصيدة السقوط في المستنقع العراقي قبل إنهاء الاحتلال الأمريكي.

وقد ظهر ذلك في رفض الحكومة العراقية المبادرة العربية لتحقيق المصالحة الوطنية عقب تصريح المتحدث باسم الحكومة الدكتور "ليث كبة" بأن العراق لا يحتاج إلى مثلها، الأمر الذي أفشل هذه المبادرة في مهدها، ونسف مهمة الجامعة العربية وأمينها العام السيد عمرو موسى كمكلف من الحكومات العربية.

ورغم الترحيب الرسمي العراقي -بعد الرفض الأول- بمهمة الجامعة العربية، والذي واكبه استمرار هجوم كل القوى العراقية المختلفة على وفد الجامعة، إلى حد إطلاق النار على موكبها وهو يتوجه للقاء قادة جبهة علماء المسلمين في العراق الذين يمثلون السنة العرب، فضلا عن السعي لتحويل الزيارة إلى هدف آخر للحكومة العراقية بمطالبة العرب بخفض ديون العراق، فهناك عدة ملاحظات على الزيارة والمبادرة العربية، منها:

1- أن المبادرة العربية جاءت بناء على طلب أمريكي صريح بالتدخل العربي جرى إبلاغه للعديد من قادة الدول العربية بهدف إنقاذ ماء وجه الرئيس بوش في العراق بعد الخسائر المتصاعدة للقوات الأمريكية وتصاعد الجدل هناك؛ لدرجة أن تكلفة تواجد الجندي الأمريكي الواحد في العراق -وفق إحصاءات أمريكية- بلغت 35 ألف دولار.

2- أن الجامعة ظلت رافضة منذ الغزو الأمريكي أي تدخل في العراق قبل وضع جدول زمني واضح للانسحاب الأمريكي. بيد أن الإلحاح الأمريكي والضغط على بعض الدول العربية المنفذة أسهم في تغيير الدفة لصالح التدخل، خاصة أنه تزامن مع التحذيرات العربية ذاتها من خطر تقسيم العراق وانحلاله طائفيا.

3- أن توقيت هذه المبادرة يجعل الحكم عليها بالفشل أمرا واردا بقوة لأن كافة الأطراف رافضة لها -رغم المجاملات لوفد الجامعة- أو تضع شروط لقبولها على أفضل تقدير، كما أن هناك شكوكا لدى الأطراف العراقية المقاومة في أنها مبادرة أمريكية لا عربية.

4- تعمدت أطراف عراقية رسمية إحراج وفد الجامعة العربية بالتصريحات العدائية وإطلاق النار، ربما لصرف أنظار الجامعة عن السعي لفكرة المصالحة لوجود تصور لدى قوى كردية وشيعية أن الجامعة تسعى لتعظيم شأن السنة العرب في العراق وتصعيد مطالبهم على حساب مطالب القوى الأخرى، وهو ما قد يجعل زيارة عمرو موسى فيما بعد للعراق أكثر صعوبة ويشير إلى فشل أكبر لها خاصة أن الشروط على زيارته بدأت، مثل اشتراط رئيس لجنة الأمن في البرلمان جواد المالكي لاستقبال عمرو موسى في بغداد أن يدين حزب البعث وألا يستخدم لفـظ "المصالحة" أثناء زيارته، بالإضافة إلى إدانة من سماهم "التكفيريين"!.

المبادرة: لصالح من؟

لقد انطلقت مبادرة المصالحة العراقية في البداية على لسان الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، وكان المبرر المنطقي لها أن العراق يسير نحو التحلل والانفصال، ومخاوف من تدخلات إيرانية (شيعية) في العراق سيكون لها مخاطرها على المنطقة. وواكبت هذه المخاوفَ السعودية مخاوفُ أخرى عربية تحدث عنها عدة مسئولين عرب.

وصبت هذه المخاوف رغبة في دور عربي في العراق يعيد التوازن بين القوى المختلفة في نفس المجرى الذي سعى الأمريكان لدفع الدول العربية إلى السير فيه باتجاه المشاركة في حل مشكلة العراق، أملا في أن ينتهي الأمر بمشاركة قوات عربية في حفظ الأمن بالعراق، والمساهمة بالتالي في وقف المقاومة العراقية.

ولهذا تم النظر لهذه المبادرة على أنها سوف تصب في صالح الأمريكان في نهاية الأمر، وهو ما يعني أن الجامعة العربية متهمة من جانب المقاومة العراقية بأنها تسعى لإضعاف المقاومة العراقية من خلال تدجينها، وكشف أوراقها، والمساواة بينها وبين "المتواطئين مع الاحتلال".

وزاد من المخاوف -بشأن هذه المبادرة العربية للتدخل في العراق عبر مهمة طرق الأبواب بوفد الجامعة الأخير- أن "لهجة" الجامعة العربية بشأن التدخل الأمريكي في العراق والتي كانت هي مبرر عدم التدخل بدأت تخف وتضمحل، ويجري التركيز بدلا منها على "ضرورة إنهاء مظاهر العنف" التي يجري اختصارها إعلاميا باسم عمليات المقاومة العراقية أو "الإرهاب" رغم أن الاحتلال هو المشكلة الأساسية.

ولهذا سيكون على الجامعة العربية وأمينها العام مواجهة تحد كبير يتعلق بهذه المهمة سواء نجحت أم فشلت. فلو نجحت المبادرة جزئيا في جمع بعض الأطياف العراقية فسوف يظل الجناح العسكري الجهادي بعيدا عنها وله أجندته المختلفة، وهو ما يعني استمرار التفجيرات والعنف والفعل ورد الفعل وتصبح الجامعة متورطة ومتهمة بالفشل في العراق.

ولو فشلت المهمة من بدايتها، وهو الخيار الأكثر احتمالا بالنظر إلى صعوبة جمع أطراف الصراع العسكري على مائدة واحدة، وصعوبة القيام بمصالحة بين أنصار ومقاومي الاحتلال دون الحديث عن "الاحتلال" ذاته، فسوف يتم إلقاء التبعة أيضا على الجامعة العربية بل وزيادة الضغوط على الحكومات العربية بهدف العودة للسيناريو الأمريكي القديم -الذي كان يجري التخطيط له منذ بداية الاحتلال- والذي يتلخص في إرسال قوات عربية للعراق للمساهمة في وقف العنف.

ولو وصل الأمر لهذا الحل الشيطاني فسوف تتصادم هذه القوات العربية مع المقاومة العراقية، وستكون النتيجة المتوقعة هنا هي الصدام مع المقاومة العراقية وضربها. وسينظر للجامعة العربية على أنها طوق نجاة وإنقاذ للمشروع الأمريكي في العراق، وهو ما قد يشوه صورتها في الشارع العربي.

 اقرأ أيضًا:


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات