|
| إحدى المظاهرات بالعراق تطالب بالتخلي عن الطائفية
|
كان متوقعا حدوث ما حدث. ومن يرى غير ذلك فعليه قراءة المشهد العراقي جيدا، بل إن علينا جميعا تهيئة أنفسنا لما هو أكثر مأساوية. فالساحة العراقية حبلى بكل ما هو سيئ وكارثي، وكل معطيات الساحة تشير إلى ذلك.
لقد أصبح العراق ومنذ سقوطه في 9 إبريل 2003 يعيش عصر ما قبل الدولة لأن صاحب القرار لم يعد رجال السياسة والحكم بل رجال الدين وزعماء العشائر الذين يحركون الشارع العراقي بكلمة. الحكومة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، بل إن من نظنه قويا في هذه الحكومة أو في أطراف اللعبة السياسية، فإن قوته ليست مستمدة من مقدرة سياسية أو التفاف جماهيري بقدر ما هي مستمدة من تأثير مرجعية دينية أو زعامة عشائرية أو قوة طائفية.
ومقياس القوة هنا ليس في المقدرة على التأثير في الشارع العراقي بل في كسب بعض النقاط الترجيحية على منافس آخر في العملية السياسية القائمة. فالشاغل الأكبر للنخبة العراقية أصبح في الدرجة الأولى التنافس على حصد المناصب كل لطائفته... العراق يحترق وهم يتشاورون على المناصب، واللقاءات والاجتماعات التي تنقلها الفضائيات ووكالات الأنباء لا تعدو أن تكون محاولات تجميلية فقط.
حدث مأساوي واتهام لا منطقي
كان الحدث مأساويا بالفعل، فتفجير القبة الذهبية لإحدى العتبات المقدسة لدى الشيعة ليس أمرا هينا. وليس من المنطقي أن ننساق كالآخرين في توجيه الاتهامات لهذا الطرف أو ذاك، إذ لا يملك أحد حتى هذه اللحظة حيثيات الاتهام. ونكتفي بأن نقول إن الفاعل جهة ما -خارجية أو داخلية- لا تريد خيرا للعراق.
لكن الاتهامات وبكل أسف وجهت على الفور إلى السنة العرب، والعجلة في توجيه الاتهام ظلم في حد ذاتها، ليصبح بذلك الظلم التالي الذي تعرض له السنة العرب منذ سقوط النظام بعد أن ظلموا في السابق بتحميلهم خطايا النظام السابق.
وأمام ما نراه من غياب للأمن والأمان والتفجيرات المستمرة رغم حظر التجول، يطرح هذا السؤال:
هل بإمكان أهل العراق أن يقيموا وحدهم دون أي سند خارجي وفي ظل هذه الظروف الأمنية في بلادهم؟ إننا نتمنى ذلك بالطبع، لكن واقع الأمر يؤكد على أن العراق يسير في الاتجاه المعاكس، والظروف جعلتنا في مواجهة خيارين كلاهما مر، أن تخرج القوات الأجنبية من العراق ليصبح دولة مستقلة ذات سيادة لكنه في هذه الحالة لن يتمكن وحده من كبح جماح الشارع العراقي والسيطرة عليه وفرض الأمن، وعندها سيسقط العراق من حين لآخر على فاجعة جديدة، أو تظل القوات باقية وبطلب من الحكومة العراقية كما حدث في رسالة إبراهيم الجعفري إلى مجلس الأمن، ويظل العراق محتلا منقوص السيادة ويصبح للسفير زلماي خليل زاده أو غيره الصوت الأعلى في توجيه مسار العراق.
بل إن تلك القوات الأجنبية لو ارتكبت انتهاكا في حق الشعب العراقي وفي حق مقدساته وكما حدث سابقا عندما قصفت القبة الذهبية لمرقد الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه في النجف الأشرف، فإنه من غير المقبول أمريكيا أن يكون لذلك رد فعل عراقي كالذي نراه حاليا، بل إن رد فعل كهذا لن يحدث أصلا مهما كان حجم الانتهاك.
وهناك فرق شاسع بين قبة الإمام على في النجف وقبة الإمام علي الهادي وحسن العسكري في سامراء، كما أن الفاعل في الأولى كان معروفا ارتكب فعلته في وضح النهار، في حين أن الفاعل في الثانية ما زال مجهولا حتى هذه اللحظة.
لكن الشائعة انطلقت بارتكاب الإرهابيين التكفيريين.. والسنة العرب متهمون على الدوام بأن هؤلاء يخرجون من بين صفوفهم ويحصلون على المأوى في مناطقهم والتي تعتبر منصة انطلاق على باقي العراق. السنة العرب متهمون بأنهم لا يتخذون موقفا حاسما من هؤلاء الإرهابيين. ومع الشائعة انطلق نفير الحرب وصيحات الثأر، فحرقت مساجد سنية وهدمت ودنست وقتل أئمة بعضها وخطف أبرياء وقتلوا.
إن مشاهد التظاهرات الشعبية بالعراق لجديرة بالتأمل، فنحن نستطيع من خلالها أن نقرأ المشهد العراقي الحالي جيدا. ومن هذا المشهد نستشرف مستقبله لنحاول استخلاص أي مصير يتجه إليه العراق.
المشهد عبارة عن أعداد هائلة من البشر مدفوعة بحزن كربلائي مختلط برغبة عارمة في الانتقام.. المشهد مخيف بل مرعب، ويزداد رعبه في تلك التظاهرات التي تشرع السلاح في يد الجميع وتجهزه للقتل.. إنه استعراض هائل للقوة في ظل غياب كامل للأمن العراقي، فقد اختفت الدولة، والمارد الطائفي في العراق انطلق.. لقد أمرته المرجعية الدينية بالتظاهر السلمي احتجاجا على الحدث، ولكن من ذا الذي يقدر على كبح جماح هذا الغضب؟
لم تكن مصادفة اختيار هذا الهدف، فالروضة العسكرية في سامراء من بين روضات أخرى لها نفس القداسة وربما أكثر، وربما أيضا كانت أسهل منالا. لكن الاختيار تم بذكاء شيطاني كبير من أجل تحقيق أكبر تداعيات على الساحة تدفع بالعراق إلى أتون الحرب الأهلية والفوضى الشاملة، فالروضة العسكرية في سامراء هي المزار الشيعي الوحيد الذي يقع في مدينة ذات أغلبية عربية سنية بل إن حراس هذا المزار وسدنته من السنة العرب.
إذن فهذه التركيبة كفيلة بتحقيق أفدح الخسائر على الساحة العراقية، كما أن أسلوب التنفيذ كان نتيجة لترتيب محكم، فالذي قامت به مجموعة ترتدي ملابس مغاوير الشرطة مدربة تدريبا جيدا وتعرف تماما ما تريد، اقتحمت المكان في سواد الليل وقيدت الحراس ثم زرعت المتفجرات لتنفجر القبة الذهبية وينفجر معها العراق.
صوت العقل أم حرب أهلية؟
|
|
هل يكون تفجير القبة الذهبية بالروضة العسكرية بداية لتفتيت العراق أم توحيده؟
|
ومرة أخرى نحن لا نتهم جهة بذاتها ولكن الاتهام موجه في الأساس إلى قوى شريرة تسعى لإلحاق أكبر ضرر بالعراق، ونعتقد أن من خطط نجح إلى حد كبير في مسعاه، فقد جعل العراق كله على المحك وأصبح مستقبله في مهب الريح وهو محدد بخيارين لا ثالث لهما.
فإما أن يتغلب صوت العقلاء والحكماء على صوت الحمقى ويدرك الجميع المصير المأساوي الذي يتجهون إليه، وعند هذا الإدراك تتغلب التظاهرات التي تهتف للعراق على تلك التي تطالب بالثأر ويتمكن العراق من لحمة أشلائه وتضميد جراحه وينهض من جديد سائرا في عمليته السياسية بهؤلاء أو بغيرهم ليبني ما يقولون إنه العراق الجديد، ومن ثم يعود العراق من عصر ما قبل الدولة إلى عصر الدولة.
ولو تمكن العراق من تحقيق ذلك فإن الأمر سيكون أشبه بالمعجزة في عصر انتهت فيه المعجزات، أو أشبه بالعنقاء ثالث المستحيلات التي تعيش في منبت الشمس وتحترق ومن رماد احتراقها تنبت أفراخها من جديد.
أو أن يحدث للعراق الخيار الثاني فتتطور الأحداث الحالية إلى حرب أهلية طاحنة تأكل الأخضر واليابس وربما قد تؤدي إلى انتهاء العراق كدولة وتلاشيه من على خارطة العالم، ومن كتب الجغرافيا لنقرأه فقط في كتب التاريخ.. هنا وفي هذه المنطقة كانت توجد دولة اسمها العراق استمرت طوال مائة عام منذ أن تأسست عام 1921!.
هذا السيناريو الكارثي قابل للتحقيق إذا تركت الأمور على ما هي عليه تتداعى إلى الأسوأ في الوقت الذي تنشغل فيه النخب العراقية بالسعي لتحقيق أكبر مكاسب طائفية لكل منها وعلى حساب الطوائف الأخرى. في هذه الحالة سيتطور العنف إلى امتثال طائفي وتطهير عرقي ومذهبي.
أما القوات العراقية وقوى الأمن فسينفرط عقدها حيث ينضم كل إلى طائفته، وهنا يختفي دور الدولة تماما، وأمامنا الحالة الصومالية مثالا تعيسا لما نقول.
لكن أين سيكون موقع القوات الأجنبية في هذه الظروف وأين دورها في فرض الأمن على الساحة العراقية؟ الأرجح أن تلك القوات لن تتدخل فيما يحدث إلا بالقدر الذي يحفظ لها ماء الوجه أمام العالم وربما في هذه الحالة تعاود الضغط من جديد كي ترسل الدول العربية قوات إلى العراق، وإن حدث ذلك فإن دائرة الزيت المشتعل ستتسع حتما لتبتلع بعض دول الجوار وبالذات العربية منها، وستسعى القوات الأجنبية إلى الانسحاب التدريجي من الشارع العراقي إلى القواعد العسكرية التي أقامتها في العراق لتؤمن من خلالها مصالحها في المنطقة، ويصبح الشارع العراقي تحت السيطرة الكاملة لأمراء الحرب.
وإذا تقدم ناقد للولايات المتحدة: هل تلك هي الديمقراطية التي وعدت بها، فستقدم الولايات المتحدة خطابا إعلاميا تبريريا جديدا تطرحه.
وبكل تأكيد ستحدث عمليات فرز طائفي واسعة النطاق من خلال عمليات تطهير عرقي وستبحث بعض الطوائف والأفراد عن ملاذ آمن في العراق أو خارج العراق، وستزداد الهجرات إلى الخارج هربا من الحريق.
أما القسم الشمالي من العراق فسيكون له شأن آخر. لقد صرح الزعماء الأكراد أكثر من مرة بأنه إذا استمرت حالة الفوضى في العراق على هذا الوضع وإذا تحولت تلك الفوضى إلى حرب أهلية، فإن من حق الأكراد أن يبتعدوا بكيانهم الآمن المستقر عن العراق.
هذه الحالة التي يلوحون باللجوء إليها تأتي على هوى الطموح الكردي وهو الانفصال وتكوين الدولة الكردية على القسم العراقي تمهيدا لإقامة كردستان الكبرى على سائر أجزاء كردستان في تركيا وإيران وسوريا والعراق.
ويدرك القادة الأكراد أن الظروف الدولية والإقليمية تقف حاليا في طريق تحقيق ذلك على المستوى الرسمي ولذلك فهم يقبلون بأن يكون الانفصال متوقفا على الجانب الواقعي والعملي فقط ويؤجل الإعلان الرسمي لذلك عندما تتهيأ الظروف الإقليمية والدولية.
سيبدأ الأمر بالنسبة إليهم بإعطاء ظهرهم للعملية السياسية في بغداد (هذا إن كانت ما تزال باقية!) وتكون حجتهم لذلك أنها فقدت مبرراتها ويواصلون ما بدءوه عام 1991 فيدعمون مؤسساتهم القائمة ويستمرون في البناء وتوفير الرفاهية لشعبهم وتدعيم اقتصاده والذي يفوق حاليا اقتصاد العراق بمراحل ولا يصبح أمامهم سوى الاعتراف الدولي ومقعد في الأمم المتحدة.
في نفس الوقت فإن منطقتهم لن تظل محصورة في حدودها الجغرافية الحالية بل ستمتد وتتسع لتشمل المناطق التي يطالبون بضمها حاليا إلى إقليمهم في كركوك والموصل وديالي وواسط، وتصبح مدينة كركوك ذات الأهمية النفطية البالغة عاصمة لهم.. هذا الخيار بالغ المأساوية للعراق.
حتى يتجنب العراق الانهيار
أما عن الخيار الأول وهو نهوض العراق من كبوته وهو أمر نتمناه جميعا، فإن فرص تحقيقه تحتاج لأمور عدة منها:
1- لا بد من فرض هيبة الدولة وسيطرة أجهزتها الأمنية من خلال قرارات حاسمة تنفذ بكل دقة. وقد بدأ ذلك بقرار حظر التجول التام في المدن التي تشهد توترات مثل بغداد والنجف وكربلاء والحلة، فالمواطن العراقي بات يعتقد بأن الدولة العراقية في غاية الضعف وأن الحكومة غير قادرة على تنفيذ ما تقول وهي لا تمتلك قرارا سياسيا بل القرار في حقيقته للمرجعيات الدينية والزعامات العشائرية، لذلك فعلى الحكومة أن تستعيد زمام الأمور وتصدر قراراتها بعيدا عن المرجعيات كافة حتى يقتنع الشعب بأنها بالفعل حكومة تصدر القرار المستقل وتنفذه.
2 ـ من الواجب على النخبة العراقية والتي تتصدر المشهد العراقي حاليا أن تعطي القدوة الحسنة للشعب بأن تخرج من أسر طائفتيها إلى المواطنة بالفعل لا بالقول.
3 ـ العمل على إرساء قيم المواطنة لدى الشعب العراقي بأسره وتحويل الفسيفساء الطائفية إلى حالة إيجابية تكون فيها مصدر ثراء وغنى للشعب.
ولأن الطائفية متجذرة في التربة العراقية فإن اقتلاعها يحتاج إلى تضافر كل الجهود.. يتطلب الأمر عملا دءوبا يتحول من خلاله شعار المواطنة إلى عمل جاد، ولنعتبر الخطوة الأولى على هذا الطريق الشاق هي تلك التظاهرات التي شهدتها بعض مناطق العراق والتي كانت تهتف للعراق وتنبذ الطائفية، ولتأخذ النخبة العراقية من هذه التظاهرات قدوة لها فترتفع عن السلوك الطائفي خلال مشاورات تشكيل الحكومة العراقية الدائمة المقبلة وتستطيع أن تحقق ذلك إن جعلت رئاسة الحكومة العراقية الدائمة المقبلة للقائمة الأعلى أصواتا في الانتخابات الأخيرة على أن تستند الحقائب الوزارية الأخرى على طبقة التكنوقراط المعروف عنهم البعد عن الطائفية وإن كان في الأمر بعض الصعوبة ونحن نعتقد ذلك، فربما يكون قصر تولي حقائب الوزارات السيادية كالدفاع والخارجية والداخلية على التكنوقراط بداية لهذا الأمر ثم بعد ذلك يبدأ التحول تدريجيا إلى التكنوقراط.
4 ـ تبني برنامج إعلامي واسع النطاق يشرح فيه للشعب المخاطر التي يمكن أن تحدق بهم لو استمرت الأمور على ما هي عليه.
لكن هل بالإمكان تحقيق ذلك؟ الإجابة ليست لدينا ولكنها لدى النخب السياسية الطائفية بالعراق، والتي نعتقد أنها بعد أن شاهدت العراق مقبلا على حرب أهلية بعد تجربة سامراء قد بدأت في مراجعة النفس لأن تلك الحرب لن تترك أحدا.
ولنفترض أن تلك النخبة تمكنت من تحقيق ذلك وأصبح زعماء كل طائفة يتحدثون حديثا سياسيا لا طائفيا والمحادثات التي تجرى فيما بينهم من أجل تشكيل الحكومة تجرى في إطار سياسي (وهي حاله نشك كثيرا في إمكانية حدوثها) فماذا سيكون الحال حينئذ؟.
نتصور أنه ستبذل جهود مضنية وحثيثة من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس علماني والأقرب إلى رئاستها في هذه الحالة هو إياد علاوي، وستحاول الولايات المتحدة الضغط في هذا الاتجاه لأن الصعود الديني الشيعي في العراق يزعجها كثيرا.
الطريق إلى ذلك بالغ الصعوبة والمشقة ويحتاج إلى رجال من أولي العزم، فهل يتوفر مثل هؤلاء في العراق؟.
إن السيناريو الكارثي هو بكل أسف الأقرب إلى التحقيق من غيره فهو لا يحتاج إلى جهد ولا يتطلب تحقيقه سوى ترك الأمور على عواهنها تتداعى تلقائيا وسيظل مستقبل الدولة العراقية وكما أكدنا مرارا في مهب الرياح والأعاصير وهو مرهون بإمكانية خروج نخبة من بين صفوفه تغلب مصلحة الوطن على مصلحة الطائفة، فهل بإمكان النخبة الحالية أن تفعل ذلك، أم سننتظر نخبة أخرى، وهل سيطول الانتظار، وهل ستتحمل ظروف العراق وتداعياته ذلك؟.
هل أخذت النخبة الحالية درسا مما حدث يجعلها تغير من نهجها وهل أخذ الشعب العراقي هو الآخر نفس الدرس؟ هل يدرك الجميع ماذا ينتظرهم وينتظر العراق؟.. إن أدرك الجميع ذلك فربما يتحقق السيناريو التوحيدي للعراق، وإلا فهذا الهول بعينه.
اقرأ أيضًا:
كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية.
|