|
| مشاهد الانفجارات لا تتوقف في العراق
|
في مواجهة تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي جورج بوش متناقضة تماما مع ما يجري على أرض العراق ومع رؤية كافة المراقبين والمحليين السياسيين.
تفاؤل بوش في عالم خيالي
ففي الوقت الذي كان فيه حديث بوش متفائلا، بأن العالم -من وجهة نظره- أصبح أكثر أمانا بعد صدام حسين، وأن العملية السياسية في العراق تسير إلى الأمام، وفي وقت قريب سيعتبر العراق نموذجا فريدا للديمقراطية في المنطقة، فإن الوضع المتردي في العراق والمرصود من قبل كافة المراقبين يشق زيف هذا الطرح، بل إن مأساوية الوضع يعترف بها مَن هو في صدارة العمل السياسي الحالي؛ فرئيس الوزراء السابق إياد علاوي يؤكد على أن الحرب الأهلية في العراق قد بدأت بالفعل؛ ففي حديثه إلى شبكة (I.B.C) الأمريكية يقول: "ليس ثمة أي مؤسسة لحماية الناس.. ثمة تطهير عرقي جار هنا وهناك في العراق، وهذا في الواقع يرقى إلى مستوى الحرب الأهلية". ويستطرد قائلا: "يجب ألا ننكر وجود تطهير عرقي ويجب أن نتحلى بقدر من الشجاعة لقول ذلك". ويستعرض ما آلت إليه الأوضاع في العراق بالقول: "الاقتصاد بلغ الحضيض، والخدمات متدهورة، والمذهبية تسود، والميليشيات تسيطر على كثير من الأحياء في بغداد.. هذه وقائع وليست أمورا من صنع الخيال".
وإذا كان بوش يسعى بحديثه إلى طمأنة الداخل الأمريكي والنهوض بشعبيته المنهارة وتبييض وجهه أمام العالم الذي يراه أفضل أمنا على غير الواقع بعد صدام حسين، فإنه كان من المفترض على سفيره في العراق "زلماي خليل زاده" أن يتبنى نفس الطرح، إلا أنه لمقربته من الحدث العراقي كان من الصعب عليه ذلك، فسعى لأن يأخذ موقفا وسطا بين بوش وعلاوي فلم ينكر مسألة الحرب الأهلية من حيث المبدأ ولكنه رأى أنها لم تحدث بعد (رأيي أن الحرب الأهلية ليست هنا بعد) ويستطرد قائلا لشبكة (I.B.C): "البلد ينزف، إنها مرحلة هشة؛ فلا توجد حكومة وحدة وطنية.. هناك توترات طائفية عنيفة".
بل إن شريك أمريكا في الحرب كان رأيه هو الآخر مضادا لطرح بوش؛ فوزير الخارجية البريطاني والعائد حديثا من زيارة إلى العراق كان يتمنى أن يقول كلاما مشابها لحديث بوش، لكن ذلك كان صعبا عليه، فيقول في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوربي في بروكسيل: "الوضع الأمني في العراق خطير.. لا شك في ذلك للأسف.. كان عدد القتلى أكثر مما توقعنا قبل ثلاث سنوات".
أما الملك الأردني عبد الله الثاني فإنه لا يخفي قلقه البالغ مما يجري عند حدود بلاده فيقول في نادي الصحافة الأمريكي الأوربي في باريس: "إذا لم تكن لدينا العناصر الأساسية لوحدة وطنية فسيكون الأمر أكثر صعوبة"، ويستطرد: "لا نعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة الحرب الأهلية".
على شفا حرب أهلية
ونأتي إلى آراء بعض الخبراء العالميين. يقول "بيرجان لويزان" الخبير الفرنسي في شئون العراق بأحد المجالس التابعة للحكومة الفرنسية: "إن إعادة البناء محكوم عليها بالفشل"، ويؤكد على أن "العراق محكوم عليه بحرب أهلية لا نهاية لها".
جوديث يافي المحللة السابقة بوكالة الاستخبارات الأمريكية والتي تعمل حاليا بكلية الدفاع الوطني الأمريكي تقول: "إن تغييرا كبيرا لا يلوح في الأفق.. وأرى أن الوضع الحالي من التمرد والعنف سيستمر خلال الفترة المنظورة القادمة.. لا أعرف كم ستكون هذه الفترة".
المحلل السياسي الألماني "هينو فيورتنج" من المعهد الألماني لدراسات الشرق الأوسط وضع عدة سيناريوهات مستقبلية للعراق افترض في إحداها نجاح العملية السياسية، وافترض في الأخرى عدم نجاح تلك العملية ووصول العراق إلى وضع أسوأ، حيث إن الحرب الأهلية في هذه الحالة هي الأكثر احتمالا وأحداث الأسابيع الماضية تؤكد ذلك. ويفترض فيورتنج حدوث تلاق بين الحرب الأهلية وحرب الحضارات بالوكالة بين المسلمين والأمريكيين الذين يقاتلون في العراق، وأخيرا يطرح سيناريو إمكانية قيام دكتاتورية شيعية في العراق.
خلاصة ما تم طرحه من آراء أن العراق عند الحد الأدنى ينزلق إلى حرب أهلية طاحنة وعند الحد الأقصى هو بدأها بالفعل. وكان من المفترض أن تكبح النخبة الموجودة على الساحة حاليا جماح هذا الانزلاق وتمنع نشوب هذه الحرب، إلا أن هذه النخبة بحكم تكوينها الطائفي لا تمنع ذلك بل ربما تسهم فيه.. فمَن إذن ينقذ العراق من هوة على وشك أن يسقط فيها، ويعود به من عصر ما قبل الدولة الذي هو فيه الآن إلى عصر الدولة؟.
إن كافة النخب السياسية تتحدث عن المواطنة في الوقت الذي تسلك فيه سلوكا طائفيا؛ فهي نخب تشكلت على أساس طائفي حتى وهي في صفوف المعارضة وقبل سقوط النظام.. أهدافها طائفية ومطالبها، سواء كان ذلك في مواد الدستور أو المناصب السيادية أو الحقائب الوزارية كلها طائفية وربما تصبح تلك النخب أمام التاريخ مسئولة عما آل إليه الوضع في العراق.
هل من خلاص؟
وإذا كانت النخب لا تستطيع تجنيب العراق كارثة الحرب الأهلية، فهل بإمكان القوات الأجنبية وفي مقدمتها بالطبع القوات الأمريكية القيام بهذه المهمة؟ لا نتصور أن بإمكانها ذلك؛ لأن الأمر يتعلق في الدرجة الأولى بتركيبة الشعب العراقي ذاته والتي تحتم أن يكون التغيير سواء كان للأمام أو للخلف بعوامل داخلية في الدرجة الأولى.. وأهم تلك العوامل على الإطلاق هو عامل المارد الطائفي الذي خرج من قمقمه بعد إزاحة من كان يغلق عليه ذلك القمقم.
ورغم التصريحات المتفائلة للرئيس الأمريكي، فإنه على وجه اليقين يشعر بمأساوية المأزق، وأنه لو قال كلاما مغايرا للحقيقة اليوم فمن المحتم أن تنكشف الحقيقة في الغد.. إذن لا بد من مخرج.. لكن كيف ذلك؟.
هل بالإسراع بالعملية السياسية والضغط على كافة الطوائف للقبول بتركيبة رئاسية وحكومية كما حدث في كافة المراحل السياسية السابقة بدءا من مجلس الحكم الانتقالي وصولا إلى حكومة إبراهيم الجعفري المنتهية ولايتها. وقد حدث ذلك بالفعل عندما ضغط السفير الأمريكي زاده لينعقد البرلمان الدائم قبل الموعد الذي حدد له، لكن الاجتماع انعقد وانفض دون أي نتيجة على الإطلاق. والسبب معروف هو الاختلاف على الحصص الطائفية.
إذن ما العمل؟ سؤال مطروح من الجميع؛ فكافة الطرق مسدودة بركام طائفي هائل.. هل تترك الأمور تتداعى هكذا لتصل إلى الانفجار الكبير الذي لن ينجو منه أحد إقليميا ودوليا أم لا بد من عمل من نوع خاص؟.
ما أكثر الأعمال الخاصة التي قامت بها الولايات المتحدة عندما تتأزم الأمور وتتهدد مصالحها وهنا تقوم بالعمل الخاص ولو أدى ذلك إلى التضحية بأعز أصدقائها، فلا صداقات دائمة في السياسة بل مصالح دائمة.
هل الحل هو انقلاب عسكري؟
المقصود بالعمل الخاص هنا هو القيام بانقلاب عسكري. والسؤال المدهش هو: في العراق؟ نعم في العراق ولِم لا؟ وتأتي الدهشة من جديد.. الأمر في العراق مختلف؛ فالجيش العراقي لم يستكمل بناءه بعد في حين أن الشعب العراقي مسلح.. الأسلحة في يد الجميع حتى الأطفال.. كل طائفة لها ميليشيا مسلحة.. بل لعل الجيش ذاته قد انتقلت إليه عدوى الطائفية..
كل هذا وارد. وخبراء تلك الأعمال موجودون في البيت البيض والبنتاجون ووكالة المخابرات المركزية.. لهم سابق خبرة في مناطق عديدة من العالم.
وتسير الأمور في الأغلب وفق هذا السيناريو التخيلي.. تتردى الأحوال في العراق في الوقت الذي تتعثر فيه العملية السياسية. وربما يحدث تقدم في العملية السياسية لكن الحكومة الجديدة ستكون عاجزة عن القيام بدورها في وقف حالة التردي وفرض الأمن والأمان.. تتلقى الحكومة اللوم من كل مكان.. سخط الشعب.. وانتقادات الخارج.. ستتصدر الولايات المتحدة حملة الانتقادات للحكومة وبشكل حاد ومتصاعد ويصل الأمر إلى حد توجيه إنذار بأن الحكومة إذا لم تتمكن من فرض سيطرتها على الشارع العراقي فإنه لا بد من البحث عن مخرج لذلك المأزق.. وتحاول الحكومة بإمكانياتها العاجزة وتفشل بل تحدث أحداث خطيرة مثل تفجير مراقد مقدسة ومساجد مهمة واختطاف وقتل رموز وشخصيات مهمة دينية وعشائرية.. وستحدث ردود الأفعال المتبادلة.. هنا يكون المسرح قد تهيأ بالكامل لظهور البطل الذي أعد سلفا بعناية، يتقدم معلنا أنه يلبي نداء الشعب الذي يصرخ باحثا عن المخلص لعذاباته.. البطل هو أحد جنرالات الجيش العراقي الجديد... وفي أحد الاجتماعات التي تضم كافة النخب العراقية ينقض بجنوده ودباباته في عملية سريعة ملقيا القبض على الجميع.. قد تحدث بعض المعارك مع حراس هؤلاء لكنه سيتمكن في النهاية من مهمته الأولى، ويقدم نفسه على أنه الملبي لنداء الشعب، وأن مهمته هي إنقاذ العراق من مستنقع الحرب الأهلية، وعندما تنتهي هذه المهمة فإن دوره يكون قد انتهى ويسلم السلطة لمن يختاره الشعب.
في البدء لن تؤيد الولايات المتحدة ما حدث حتى لا تتهم بأن الأمر من تخطيطها، ستعلن أنها ستدرس وتناقش الأمر ومن بعدها يكون القرار.. وفي الواقع فإنها ستحتاج إلى بعض الوقت حتى تتبين لها النتائج "النجاح أو الفشل".. في نفس الوقت تنزل دباباتها إلى الشارع للإسهام في السيطرة.. خلال أيام معدودة يكون البطل قد فرض سيطرته الكاملة.. إعلان الأحكام العرفية.. حظر التجوال.. تعطيل الدستور.. حل البرلمان الذي لم ينعقد إلا في جلسة واحدة غير مجدية.. ويظهر البطل قسوته وحسمه منذ البداية فيتم إطلاق الرصاص فورا على كل من يخالف أوامره.. إنه الحجاج بن يوسف الثقفي من جديد.
لكن ربما يحدث العكس.. فالسلاح مع الجميع وحراس النخبة السياسية ليسوا من الضعف بحيث تنجح محاولة كتلك وميليشيات الطوائف اشتد عودها وترعرع بل إن بعضها يمتلك أسلحة ثقيلة كقوات الجيش.. هنا تنشب حرب حقيقية بين فرقاء يتمترسون في الخنادق.. (تتفكك خلالها الدولة) كما ترى المجموعة الدولية لمكافحة الإرهاب.. في الوقت الذي يحدث فيه نزوح سكاني جماعي متبادل لتصبح كل طائفة أشبه بجزيرة معزولة عن الأخرى.
وبالنسبة للأكراد فإن هذا الوضع، سواء نجح الانقلاب أو فشل، سيكون وضعا مثاليا لهم.. سيعودون إلى كيانهم الذي شكلوه منذ خريف عام 1991 ويبتعدون عن بغداد.. نعم الكل سيبتعد عن الآخر، لكن الأمر مختلف بالنسبة للأكراد فهم يمتلكون كافة مؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان واقتصاد قوي وقوات مسلحة وقوى أمن داخلي.. كل ذلك سيجعل من المنطقة الكردية الأكثر أمانا واستقرارا في العراق. في نفس الوقت فإنهم بما يمتلكون من أسباب القوة والاستقرار ستمتد سيطرتهم إلى المناطق المتنازع عليها والتي كانوا يطالبون بها وصدرت المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية من أجل ذلك، وهذه المناطق في محافظات الموصل وكركوك وديالي وواسط. ومع استمرار الفوضى في كافة أنحاء العراق فربما يسمح لهم النظام الدولي بإقامة دولتهم المستقلة أو قد يوجد خيار آخر حسبما تحدده الأحداث.
أما عن موقف دول الجوار من تلك الأحداث فإنها سترفض في البداية، لكن الرفض التركي على وجه الخصوص سيكون الأشد بسبب ما يحدث في المنطقة الكردية من تطور سياسي سيؤثر سلبا على الأمن القومي التركي، لكن تدخلا أمريكيا وطمأنات ومساومات ربما تعالج هذا الأمر، لكن باقي دول الجوار ستقبل بالأمر الواقع إذا نحج الانقلاب أو ستعلن حالة الطوارئ عند حدودها إذا فشل الانقلاب وحدث حريق الحرب الأهلية حتى تمنع نيران هذه الحرب من الامتداد إليها.
ويظل الرأي العام العالمي ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان عند الموقف الاحتجاجي الصاخب والمعادي للأحداث وللولايات المتحدة. وسيحاول الانقلابيون والأمريكيون دفع هذه الانتقادات بشتى الوسائل.. وإذا فشلوا في ذلك فربما يبحثون حينئذ عن مخرج آخر.. أما الشعب العراقي فله الله...!!.
اقرأ أيضا:
كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.
|